منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عن نجاح الثورة السورية في إسقاط النظام البعثي..

عبد القادر الدحمني

0

عن نجاح الثورة السورية في إسقاط النظام البعثي..

عبد القادر الدحمني

أولا:
لا أحد يمتلك المعطيات الكاملة بخصوص كل مجريات الثورة السورية خلال مساراتها وسيروراتها، وخاصة محطتها الأخيرة التي تمكنت فيها من الإطاحة بنظام بشار.

ثانيا:
يجب تدقيق مقولاتنا وتنسيبها، وتخليصها من “أوهام” الأحكام المسبقة أو التمثلات النمطية، أو الظلال الإيديولوجية والمذهبية المغلقة.

ثالثا:
أسهل شيء هو الاتهام بالعمالة، والتخوين، وإطلاق الأحكام، وترديد مقولات القصف الإعلامي الممنهج، من هذه الجهة أو تلك.

رابعا:
يجب أن نتفق أيضا أن بشار الأسد ونظامه المجرم لم يكن مقاوما، بل كان محض منصة كلامية عن “المقاومة” والوعود بالرد “نحتفظ بحقنا في الرد في المكان والزمان المناسبين”، وهو الزمان الذي لم يأت رغم مضي عشرات السنين.. بل حتى قصف السفارة الإيرانية في بلده، لم يرد عليها هو بل طهران.

خامسا:
لا عاقل يفكر في أن يوقّع شيكا على بياض للإدارة السورية الجديدة التي جاءت بقوة الكلاشينكوف وأنهار الدماء والدموع وأنين الأقبية البعثية السادية. لكن لا أحد أيضا يمتلك الحق في أن يملي على السوريين اختياراتهم، ويحدد لهم خارطة الطريق من خارج دائرة ما دفعوه من ثمن، والكلفة الباهضة التي أدّوها من دمهم وعرضهم وحياتهم.

سادسا:
لنتفق أولا على أن إسقاط نظام دموي سادي، وإطلاق سراح عشرات آلاف المعتقلين، وإغلاق مسالخ الموت والإعدام، وعودة ملايين اللاجئين والمنفيين، هي نتائج وحدها يجب أن تخرسنا، ونقف إجلالا لمن أنجزها وحققها، أيا كان توجُّهُه الإيديولوجي.

سابعا:
لنتفق كذلك، على أننا يجب أن نرجو من أعماق قلوبنا، أن تتم فرحة السوريين، ببناء دولة ديمقراطية قوية، تضمن الكرامة والحرية، وتحافظ على التعددية المتعايشة بعيدا عن الطائفية والكراهية، إضافة إلى تحقيق التنمية اللازمة في إطار وحدة وطنية، وبناء مؤسساتي يمتنع عن العودة إلى تكريس الحكم الفردي تحت أي مسمى وأي توجه كان.

ثامنا:
لنتفق أيضا أن المكر الغربي، أسهم في زعزعة استقرار العديد من البلدان، عن طريق دعم جماعات أو صناعتها ابتداءً، لكن أمريكا، ليست إلها، حتى تكون خلف كل حركة ونأمة في العالم، ولذلك، يمكن أن نتفق مبدئيا كذلك، على كون النهج الداعشي التكفيري، والطرائق الديونكيشوطية التي يفهم بها هذا التيار الدين، والصيغ التي يحاول أن يطبقه بها، هو ضربٌ للدين في صميم معناه وروحه، ونسفٌ له من أساسه، وإفراغ له من معناه الحقيقي. وليس الأمر مجرد اختلاف في الأحكام الفقهية أو الاجتهادات المذهبية فقط، لكن أسس الدين يتم ضربها ونسفها، تماما كما ينسفها المستبدون حين يجعلون شعائر الإسلام مجرد طقوس فلكلورية (مع احترامنا للفلكلور)، أو بخور للتعمية على احتواش الثروة واحتكار الحكم وإلجام الأفواه وغمط الحقوق وتعبيد الناس للبشر، وهو ما يعارض جوهر الإسلام ذاته.

تاسعا:
بعيدا عن الاتهامات يمينا ويسارا، لا نملك إلا أن نفرح مع الشعب السوري الذي خرج في احتفالات مليونية وعبر عن فرحته وارتياحه، من كل كافة الحساسيات والتوجهات والأعراق والمذاهب والطوائف. بل علينا أن نهنّئه ونستبشر بانتصاره، ونأخذ الدروس والعبر من إصرار الشعوب وصمودها وتضحياتها التي لا تضيع أبدا.

عاشرا:
بالنسبة إلى “إسرائيل”، لا أحد لم يتألم كمدا وألما، وينفجر غضبا، إزاء الغطرسة الإجرامية للمحتل الغاشم، وهو ينهش الأرض السورية ويخترق أجواءها ويقصف بعض مقدراتها العسكرية، وهو أشبه بذئب ينهش بقرة أثناء سقوطها ليأخذ منها ما استطاع، بينما لا يملك مالكها إلا إتمام الإمساك بها أولا، في انتظار أن يستكمل تحكمه، ويستوعب ما يجري. أكيد أن للثوار حساباتهم الدقيقة، وتقديراتهم، لكن كلما طال الصمت إزاء ما حدث ويحدث، إلا وازدادت الهواجس، وحام الشك، وتصاعد الغضب. لكن لنعترف أنه مطبّ حقيقي في لحظة دقيقة للغاية، وأن مكر الأعداء ورغبتهم في اختبار النوايا واستطلاع اتجاه السياسات، بالاستفزاز والاعتداء والاستباق، أمر معلوم مؤكد ومتوقع في نفس الآن، ولذلك فالتوجه لحل معادلته ليس نزهة أبدا. وليس على الثوار الآن إلا أن يتحملوا كميات الغضب والتشكيك والتخوين والخيبة، كلما طال انتظار رد فعلهم المطلوب إزاء غطرسة الكيان.

نعم 1:
نعم، إن الموضوع يتعلق بفكرة محورية: التخلص من الاستبداد، ومتعلق بطريقته أيضا، بل بالعنوان البارز لمن أنجز المهمة: أي ذلك الملتحي الذي يتوجّس منه الغرب، ويحاول أن يقنع العالم بأنه الخطر الماحق القادم، سواء في شقه المتهم بالإرهاب، أو في شقه المسالم، الفائز بالانتخابات، أو الصاعد بثورات سلمية إلى دفة الحكم، فيتم دعم الثورات المضادة، وحَبْك سيناريوهات الاتّهام بالعمالة والتخوين للزجّ بهم في السجون والأقبية المظلمة، بعد تنصيب ديكتاتوريات عسكرية أو وجوه شكلية يتم التحكم فيها عن قرب وعن بعد.

نعم 2:
نعم، تتضارب المصالح الإقليمية المتعلقة بسوريا، وتتعدد المخاوف إزاء عدم استقرارها، وهو ما يرفع نسبة الأطماع، بقدر ما يرفع نسبة التخوفات أيضا. ولهذا طار “رئيس أركان العدو الغدار” إلى مصر، “للاطمئنان” على نظام السيسي بعد التطورات في سوريا، مخافة أن “تطل المعارضة برأسها” كما حذّره، والأمر يتعلق طبعا، بالاطمئنان على الكركوز المُنَصَّب، ورسالة إلى باقي الكراكيز المدعومة ضدا على إرادة شعوبها، لأن الأمر “مخيف” حسب تقديرات الغرب وأذنابه، فوصول معارضة إسلامية مسلحة إلى الحكم يقلل من هامش المناورات السياسية لأية ثورة مضادة، إلا أن تكون دعما لانشقاق أو انقلاب، وهو أمر يتطلب مدى زمنيا طويلا، ورهاناته غير دقيقة ضمن توجُّسات نظام حكم جديد منبثق أساسا عن حرب وثورة ويمتلك سندا شعبيا واسعا جدا.

نعم 3:
نعم، يصعب جدا، على من ينظر إلى الإسلاميين، جزئيا أو كليا، بتوجس وريبة، أو بخوف واتهام مبدئي، بله، الحاقد الكاره المناهض، أن يمتلك ميزانا موضوعيا منصفا، ويجرؤ على قول الحقيقة، وإنصاف من يراهم خصوما، وبعدها ليطرح مخاوفه، ومحاذيره، ومقترحاته.
فالأكيد، أن “الإسلامي” الثائر، الذي أسقط المستبد، (رغم أن الثورة السورية هي ثورة شعبية، رغم أن قاعدتها الأساسية إسلامية، إلا أنها كانت منفتحة على الجميع ولم تقص فصيلا أو تيارا أراد المشاركة فيها)، لن يسلم المفاتيح لنخبة الأرائك والكلام، ويرجع إلى ما يراد له من “مقامات” الدروشة، وبرودة التكايا، وفروع العمل الاجتماعي، والدعوي العام، وكأننا سنحرجه بملاحظاتنا وهواجسنا وتخوفاتنا. وبناء عليه، فإنه ليس علينا إلا أن نفكر عمليا، كيف يمكن تدبير المراحل الانتقالية، بشكل عقلاني، وتشاركي، وعملي واقعي، بعيدا عن أي عقدة إيديولوجية، أو حساسية محنّطة، لم نستطع التخلّص منها.
فمصيبتنا هي هذه الصنمية التي تميز تفكيرنا، والتي تمنعنا من مراجعة أفكارنا وتهوية عقولنا، والتحلي بالتواضع والواقعية، والإيمان بالمشترك، وضرورة التعاون، أما الحاقدون فإنهم سيموتون بغيظهم ما داموا قد اختاروا الاستمرار في تناول عقاقير الدوغمائية، التي تجعل النفوس ترتاح فقط إلى النقاش إن كان مونولوغا داخليا يدغدغ التمثلات ويعزف أوتار الحنين، في ظل غياب أية مؤشرات لعمل جدي واقعي طموح.

نعم 4:
نعم، من حق أي ثورة أن تبحث عن داعمين، فعبر التاريخ كان للثورات داعمون وخطوط إمداد و”أصدقاء الثورة”، لكن المرفوض هو ارتهان القرار الثوري للإرادة الخارجية، ولحد الساعة أكدت الثورة السورية أن سلاحها في أغلبيته كان سوريا، غنمته من مخازن النظام ذاته، والكتائب الثورية المشاركة كلها تقريبا سورية، باستثناء مجموعات صغيرة جدا، من بعض الدول العربية أو الأجنبية، من بينهم مغاربة. وعلى سوريا الجديدة أن تجنّسهم وتوطّنهم إن شاءت (مثلا)، ومن العجيب أن المغاربة شاركوا في تحرير فرنسا ذاتها من الاحتلال الألماني (لا تهم صيغة التجنيد، كان تطوعا “نضاليا”، أو تجنيدا قسريا، أو محض ارتزاق..). وأنا هنا لا أدافع عن مشاركة الأجانب في ثورات الشعوب، لأن قوانين الدول واضحة في هذا المجال، ولكن أناقش مشكل مشاركة بعض الأجانب في الثورة السورية وكيف يمكن لإدارة سوريا الجديدة أن تجد لإشكاليته حلولا معينة.

نعم 5:
نعم، لم يقل أحد بأن ما جرى في سوريا، هو الفتح الإسلامي المبين، لكنه نجاح خطوة كبرى، ومحطة أساسية، ولم يقل أحد بامتناع التأثيرات الأجنبية على الإدارة الجديدة من قبل أو من بعد، لكن المؤشرات العامة، لا تشي بأن هناك اختراقا كبيرا يجعل القرار الثوري السوري مرتهن للخارج، ولا أحد دافع عن بعض الفصائل المحسوبة على الثورة التي صنِّفت أمريكيا بأنها إرهابية، ولا أحد يدافع عن ماضي بعض الشخصيات القيادية التي أعلنت قطعها معه وتوبتها عنه، وغيرت نهجها، ولسنا هنا نعطي صك توبة أو طهر ونظافة لأحد، غير أننا نقول بأن الثورة السورية أكثر من الأشخاص، وأعظم من أية قيادات، وكبر من أية أخطاء أو اجتهادات هنا وهناك.

قفلة عامة:
لما سبق، تبقى الخلاصة العامة التي يجب أن نتفق عليها، مثل ما يأتي:

1- ليس لنا إلا أن ننتظر ونراقب لنعرف مدى صدق تكهنات وتحليلات كل منا..

2- الصادقون في دعم ثورات الشعوب على الاستبداد، والداعمون لسعيها إلى حريتها وتطلعها إلى كرامتها، لن يختلفوا حول منجز طرد الديكتاتور وإسقاط نظامه الدموي.

3- الصادقون الموضوعيون، لن يبخسوا الناس أشياءهم، وسيعترفون بتضحية من ضحى، وإنجاز من أنجز، أما مرضى الحقد، وبلوى الاتهامات، فسيظلون عاكفين على نفس مقولات بشار وعصابته وسجانيه وإعلامه المقبور.

4- التخوفات مشروعة، والتحوّطات مطلوبة، فليس هناك صك طهر مسبق إلا عند السذج، بقدر ما أنه ليست هناك محاسبة على النيات، أو انتقاد قبلي لما لم يحدث بعد أصلا، فلكل حادث حديث.

5- الحرية يفرح بها الأحرار وحدهم، أما عشاق العبوديات، فليس معهم كلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.