منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صروح مدرسة أجيال”الفقه المقاصدي”

صروح مدرسة أجيال "الفقه المقاصدي"/ الأستاذ يونس مرحوم

0

صروح مدرسة أجيال “الفقه المقاصدي”

بقلم: الأستاذ يونس مرحوم

تمهيد

يعتبر علم المقاصد نوعا من العلوم الشرعية والذي حاز قدرا عاليا من الاهتمام والعناية في مجال الاعتماد والاجتهاد؛ لأجل استنباط الأحكام العملية المناسبة للنوازل الجديدة الطارئة على حياة الناس وأحوالهم دينا ودنيا.

وقد كان موجودا منذ عصر النبي والصحابة والتابعين. وحتى عصرنا هذا.

ومقاصد الشريعة لم تظهر إلى الوجود مرة واحدة ولكنها مرت بمراحل متتالية حتى وصلت الى مرحلة التدوين والتبويب بالصورة الحالية.

 ولم يستو العلم على عوده إلا بداية القرن الرابع الهجري ومع ثلة من العلماء الذين خلد التاريخ ألقابهم  ورفعوا لواء الجيل الأول  المؤسس الراسخ البنيان.

وأجلّ من كتب في هذا الحقل المعرفي، وأجاد بيانا وشرحا إمام الحرمين الجويني في كتابه “البرهان في أصول الفقه” وبعده الإمام الغزالي في كتابه “المستصفى في أصول الفقه” ثم الإمام العز بن عبد السلام في كتابه “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” والشاطبي في “الموافقات” -وهو الركن والعماد لمقاصد الشريعة بالاتفاق -. ثم ابن عاشور في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” -وهو رائد من الرواد المجتهدين في العصر الحديث-.

ويأتي الاهتمام المتزايد بمقاصد الشريعة الإسلامية؛ لأنها تمثل ثوابت الإسلام وأسسه، ويمكن القول أنها صحوة مقاصدية في مجال الدراسات الإسلامية والفكر الإسلامي.1

نشأة المقاصد الإسلامية وتطورها

  • المقاصد عند إمام الحرمين وتلميذه الغزالي (القرن الخامس الهجري)

يعتبر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني أول من بادر من الرواد إلى الاجتهاد في علم  المقاصد لكثرة ذكره لها. فلقد استعمل لفظ “المقاصد” و”المقصود” و”القصد” في كتابه البرهان. واعتبر معرفة المقاصد من البصيرة في الدين. وهو صاحب السبق في التقسيم الثلاثي لمقاصد الشارع؛ الضروريات والحاجيات والتحسنيات، كما أنه صاحب فضل للإشارة  إلى الضروريات الخمس الكبرى في الشريعة الإسلامية؛ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

وجاء بعده الإمام الغزالي، وقد حدد لنا أمهات المقاصد الشرعية في كتابه “المستصفى”، وقسم المصالح الشرعية حسب درجة قوتها ووضوحها؛ منها ما هي في رتبة الضروريات ومنها التي توضع في رتبة الحاجيات، ومنها التكميليات ولكل مرتبة مكملات.

2) المقاصد عند العز بن عبد السلام وتلميذه القرافي (القرن السادس الهجري)

العز بن عبد السلام وهو تلميذ الآمدي، انتقل بالمقاصد نقلة فارقة إلى الأمام. وقد اشتهر بكتابه  المسمى “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” فهو أول كتاب في قواعد المصالح، والذي يعنيه العز هو قواعد المفاضلة والترجيح والتقديم والتأخير بين المصالح والمفاسد . وقد فتح بابا نهل منه الدراسون والباحثون.

ثم جاء بعده تلميذه الإمام شهاب الدين القرافي، وهو لم يخرج في مجمله عن كنف شيخه العز. وقد ذكر من خلال كتابه الفروق بعض القواعد المتعلقة بالمقاصد مثل قاعدة الوسائل (القرافي 2/32).

والشيخ القرضاوي -رحمه الله- يوافق القرافي فيما ذهب إليه اجتهاده بإضافة حفظ العرض إلى الضروريات الخمس؛ وكتب في ذلك يقول “وقد أضاف القرافي وغيره إلى هذه الخمسة عنصرا سادسا وهوحفظ العرض … وهي إضافة صحيحة يجب اعتبارها”.2

3) المقاصد عند الإمام الشاطبي (القرن الثامن الهجري)

تطور الاهتمام بمقاصد الشريعة وتقرير قواعدها على يد الإمام الشاطبي في كتابة “الموافقات” والذي كان اسمه في بداية الأمر”عنوان التعريف بأسرار التكليف” حيث أسهم إسهاما كبيرا في إبراز هذا العلم وإظهاره بقواعده وأقسامه وأحكامه فأضاف له بذلك إضافات حسنة.

 إلى جانب اهتمام شيخه المقري بهذا العلم. وقد كتب عنه الشيخ القرضاوي قائلا “ومن الشرائط المهمة للاجتهاد مانبه إليه الإمام أبو إسحاق الشاطبي في موافقاته؛ وهو العلم بمقاصد الشريعة، ولقد اهتم الشاطبي بهذا الشرط ونوه به حتى جعله هو سبب الاجتهاد لا مجرد شرط. -القرضاوي. 3

إن مرحلة الاكتمال والنضج تتجلى في ما قام به هذا الإمام العلم من أعلام وأعمدة صروح الفقه المقاصدي حيث جمع مسائل هذا العلم، وأصّل قواعده، وحقق مباحثه، حتي قيل  أنه مخترع علم المقاصد.

4) المقاصد عند محمد الطاهر بن عاشور (ت1393 هـ)

شكل نشر كتاب “مقاصد الشريعة الإسلامية” بداية الاهتمام بمقاصد الشريعة في هذا العصر، وأولى طبعاته في تونس القيروان علماء الزيتونة سنة 1302 هـ، وكانت هي الانطلاقة للفكر المقاصدي الحديث والمعاصر.

والشيخ محمد الطاهر ابن عاشور تولى خلال عمره المديد أعلى المناصب العلمية الإسلامية في بلده تونس؛ في القضاء، والافتاء، ومشيخة الزيتونة، وكان عضوا فاعلا ومدونا مرموقا في مجمعي اللغة العربية بدمشق والقاهرة، وهو أول من درّس كتاب “الموافقات” في الجامعة الزيتونية مما أفضى به إلى أن تكون له إضافات واستدراكات لعمل الشاطبي.

وفي ظل أجواء جهود اليقظة ومحاولات النهضة والتجديد المنتشرة في العالم الإسلامي. ظهرت أولى اهتماماته بالمقاصد، وكان في كتابه الفريد “أليس الصبح بقريب”  يدرس فيه مناهج التعليم الموروثة في المؤسسات الاسلامية؛ كما في الازهر والزيتونة والقرويين.

وبعده ألف كتابه القيم “مقاصد الشريعة” وأتى فيه بمباحث جديدة من المقاصد تنضاف إلى أخواتها السابقات؛ مثل “مقاصد أحكام العائلة” و”مقاصد التصرفات المالية”.

فعمل ابن عاشور في مجال الدراسات المقاصدية شبيه بعمل الشاطبي؛ فهو كما صرح يقتفي أثر الشاطبي، ويبني على ما أسسه، ثم يضيف ما عنده. ولقد أحسن الدكتور “الميساوي” حين وصف “ابن عاشور” بأنه المعلم الثاني بعد المعلم الأول الذي هو “الشاطبي”.

هذا هو التطور التاريخي الأعظم الذي عرفته مقاصد الشريعة والدراسات المقاصدية منذ كانت، بل إن هذا التطورأصبح يخدم مقاصد الشريعة أضعافا مضاعفة عما كان يحصل على مدى قرون .

ومن هنا فإن إحياء فقه المقاصد هو عمل ضروري لتجديد الفقه وتقوية دوره ومكانته، لذلك وصفه ابن القيم بأنه “الفقه الحي الذي يدخل القلوب بغير استئذان”(4).


1- الفكر المقاصدي قواعده وفوائده احمد الريسوني.

2- الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للقرضاوي.

3- الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للقرضاوي.

4- اعلام الموقعين ابن القيم الجوزية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.