….نانسي و الصورة…… (قصة قصيرة)
....نانسي و الصورة...... (قصة قصيرة)/ نور الدين النبهاني
….نانسي و الصورة…… (قصة قصيرة)
بقلم: نور الدين النبهاني
كانت نانسي من أشد المعارضين الألمان الذين يرفضون استقبال المهاجرين غير الشرعيين الذين لا يملكون مؤهلات علمية أو مهنية سواء كانوا من اوكرانيا او افريقيا او من الدول العربية .. رغم انها ذات أصول عربية .. و تحديدا فهي من الطائفة المارونية بلبنان .
تبلغ من العمر سبعة و خمسين سنة .. و تنتمي لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، و من المعجبات بانجيلا ميركل .. و من أحلامها ان تقود الحزب ذات يوم مثلها .
تشتغل مديرة تنفيذية بشركة عالمية للبناء و التعمير، هذه الشركة لها فروع و مقرات بأغلب دول العالم .
منذ الصغر وهي وحيدة .. وحيدة والديها ..و ازدادت وحدتها كونها بدون أصدقاء إلا كراسة ملازمة لها .. لا تفارقها .. تسجل فيها أخبارها و ذكرياتها .
قضت مرحلة الطفولة بمدرسة الراهبات .. ثم تابعت دراستها بمؤسسة داخلية .. لذلك كان اهتمامها كله منحصرا في الدراسة و التفوق .. طوال مشوارها الدراسي .
انطلقت كفرسة جامحة في البراري بعد تخرجها من الجامعة .. و اشتغالها بالوظيفة .. جمال ..قوام ..نبوغ . و شهادات ..
تقدم العديد من زملائها الموظفين وغيرهم من الرجال للزواج بها .. رفضتهم تباعا .. لكن حين التقت بموريس عالم الآثار و أحد المنقبين على الكنوز في السفن التاريخية الغارقة في البحار و المحيطات .. قوي البنية ..ضخم الجثة ..لا تربطه بالأناقة أي علاقة .. سويسري الجنسية من أصول نمساوية .
وافقت على الزواج منه دون تردد .. حين التقت به صدفة بأحد مطارات العالم .. لأنه كان يتقاسم معها عدة أفكار .. و يحمل مثلها كتلة من الطموح و الأحلام ، رغم الفارق الكبير في السن بينهما .. إذ يكبرها بتسع سنين .. لكنه يشبهها في الطموح و الأحلام و الطباع .
رفضت الانجاب رغم الحاح زوجها موريس في البداية .. طالبة منه الانتظار حتى تتبث ذاتها في العمل .. وتفرض وجودها بالشركة .
ظلت تنتقل حبا في العمل من فرع الى آخر لمتابعة سير العمل .. ومن دولة الى دولة لمراقبة المشاريع .. طبعا .. طمعا في الترقي في السلم الوظيفي .
الاوقات التي كانت تمضيها وهي تنتظر في المطارات موعد اقلاع الطائرة .. والساعات التي كانت تقضيها داخل الطائرات أكثر من الايام التي تقضيها مع زوجها في البيت ..تحت سقف واحد .. إذ لم يكن لذيها الوقت للاهتمام بزينتها و الوقوف أمام المرآة بالساعات للتبرج واختيار الاكسسوارات المتناسقة مع ملابسها ككل النساء .. بل كانت تكتفي بثوان لضبط حالها و هندامها ثم تنطلق .
ظلت الأيام تجري .. وهي بدورها خلف أحلامها تجري ..
أحلام تجر وراءها أحلاما .. وطموح يقود الى طموح .. ونشوة النجاح تسكر دائما العقول بلا خمر .. وتجعل صاحبه لا يشعر بالزمن .
الاعوام تمضي مهرولة .. و السنوات تعبر مسرعة دون ان تنتبه نانسي .. دون ان تشعر .. دون ان تحس .. دون أن تدري بكل ما يتغير فيها و حولها .
حين حققت كل أحلامها .. وجلست لتتفرغ لذاتها .. ولتستمتع بحياتها .. وجدت الزمن قد سرق منها زهرة الشباب .. و بويضات الانجاب .. وترك لها بقايا عمر لا ينفع لبداية جديدة .
نانسي اليوم تملك المال و الجاه و السلطة مع الوحدة و العزلة بعد وفاة زوجها .. في ظروف غامضة أثناء إحدى المغامرات البحرية . ذات ليلة جلست على الأريكة تتابع اخبار كاس العالم بقطر 22 وحيدة بشقتها الفاخرة بعد ذهاب مدبرة منزلها .. و سائق سيارتها .. وبين الفينة و الاخرى تنشغل عن أخبار التلفاز بهاتفها .. وبجانبها كلبها أليكس وقد بلغ من العمر عتيا وأصبح قليل الحركة .. ونادر التجاوب إلا برأسه و احيانا بعينيه .
لقد أصبحت تتابع أخبار كأس العالم منذ الفضيحة التي قام بها منتخب بلدها حين وضع اللاعبون أيديهم على افواههم اثناء التقاط الصورة احتجاجا عن عدم السماح لهم بوضع شارات قوس قزح شعار المثليين .. وقد تحدثت كثيرا مع أقرب المقربين منها لحساسية الموضوع – ( فهي كاثوليكية المذهب ، وأغلب الشعب الألماني بروتيسطانتي متساهل في بعض السلوكيات مثل الشذوذ و الإجهاض ) – .. عبرت لهم عن الانهيار الأخلاقي الذي أصبح ينحدر اليه بلدها و هي محاولة لتشويه صورته بدون فائدة .. إذ لم تكن راضية عن منتخب بلدها الذي ترك التركيز على اللعب و اهتم بالسياسة.. فكانت النتيجة الاقصاء المبكر .. لكن في المقابل كانت هناك طفلة عربية تصحو فجأة داخل نانسي .. وتلح عليها بمتابعة أخبار المنتخب المغربي .. وانتصاراته التي جعلت الشعوب العربية قاطبة تخرج للاحتفال في الشوارع و الساحات بفوز المغرب فخر العرب .. فكانت تتابع ذلك بنشوة و حنين للأصول .
وفي لحظة أثناء عرض مجموعة من اللقطات عن أخبار كأس العالم قطر 22 .. ينهار الجبل أمام صورة .. لا احد يدري كيف تنهار نانسي أمام صورة .. وهي التي تحدت الصعاب بلا تردد .. وركبت الاهوال بلا خوف .. وكانت تحمل لقب المرأة الحديدية لقوتها و صلابتها في العمل ..
تنهار امام صورة .. مجرد صورة .. لمن تكون هذه الصورة ؟!..
صورة لاعب مغربي يراقص والدته فوق عشب الملعب .. وهما في غاية السعادة .. بعد تأهل المنتخب المغربي الى نصف النهاية إثر انتصاره على البرتغال .
ظلت تتأمل الصورة .. صورة امرأة في سنها ترقص مع ابنها .. هذه الصورة .. تذكرها بشيء ما .. هذه الصورة .. تُحرك في اعماقها رغبة ما .. هذه الصورة .. توقظ في نفسها حلما ما ..
و قبل ان تسرح بعيدا بخيالها بحثا عن السبب .. صرخت الصورة في وجهها بكل مشاعر الأمومة .. فانطلقت دموعها متدفقة .. ثم دخلت في حالة هيستيرية من البكاء و النحيب .. واندمجت مع نفسها .. طالما هي وحيدة في شقتها .. فلن يرى أحد ضعفها و دموعها .. ثم صرخت قائلة :
” حميمية الأسرة بين حضن الابناء لا تقدر بثمن .. والإحساس بالأمومة لا يباع في المزادات العلنية مثل اللوحات و التحف .
أخرجت دفتر مذكراتها من حقيبة يد موضوعة بجانبها .. ودون ان تنظر الى كلبها او تداعبه بيدها كعادتها .. تناولت القلم .. بلا مقدمات او تفكير .. شرعت تكتب .. في الصفحة الاخيرة من الجزء الخامس في دفتر المذكرات ..
وأنا وحيدة بشقتي كعادتي وفي لحظات ضعفي افشي لك يا موريس بسري مع صورة ..
آه ..لو ترى يا موريس .. ماذا فعلت هذه الصورة بي !..
و ربما بكل النساء المتحررات .. اللواتي كن يرفضن الانجاب خوفا على قوامهن .. على رشاقتهن .. على جمالهن .. على مستقبل وظيفتهن .. يعشن اليوم وحيدات .. مثلي .
آه .. لو تدري يا موريس .. ماذا حركت هذه الصورة في أعماق نفسي ! .. حيث جعلت الطفل في أحشائي و أحشائهن يبكي .. وبكين معه في صمت .. و بحرقة .. تلفنا الوحدة و الضياع .
آه .. لو تعرف يا رفيق دربي .. ماذا احيت هذه الصورة في نفسيتي من احلام الأمومة التي تخلصت منها بأنانية .. و نرجسية ايام الفتوة و الشباب .. كم حذرتني يا موريس .. من هذه اللحظة !.. لكن شيطان الغرور كان يركبني .. يغريني .. ويزين لي نجاحات أعمالي .
واليوم هاأنا اجتر الذكريات وحدي .. بدونك .. حتى كلبنا أليكس ماعاد يكسر جدار الصمت و الجمود بحركاته داخل الشقة .. لقد شاخ قبلي .
آه ..يا موريس .. ليتك معي تخفف حسرتي .. تمسح دمعتي .. تقتل هذه الوحدة التي تخنقني .. تجيبني عن أسئلتي ولو من باب المواساة ..
ما قيمة الثراء مع الوحدة أمام لحظة حنان ؟!..
و ما فائدة المجد مع العزلة أمام دفء الأسرة ؟!.. .. وما الجدوى من السلطة إذا كانت بدون مشاعر .. بدون أحاسيس .. بدون ذرية تنط حولك وتتعلق بعنقك من أبناء و احفاد ؟! ..
آه .. يا موريس .. لو تدري كم غرزت هذه الصورة من سكاكين في قلبي .. لقد تمنيت لو كنت أما .. ولو للحظات .. حتى أسمع كلمة ماما .. بدل هذا المصير المجهول الذي ينتظرني مع الوحدة و العزلة داخل شقة كئيبة بضوء خافت .. او سرير بارد بدار العجزة .. او غرفة موحشة بدار المسنين .
آه .. لو تدري يا عالم الآثار .. كم قلبت هذه الصورة من مواجع .. لنساء مثلي .. وحيدات في سني .. في كل بقاع العالم .. وقد اصبحن يتابعن مقابلات المغرب في كرة القدم .. ليس حبا في اللعب و الفرجة ولكن لمشاهدة امهات بسحنات عربية و ملامح مغربية يعانقن ابناءهن بحب .. بفخر .. باعتزاز .. ويُشهدن العالم على مجهودهن .. على حسن تربيتهن .. بلا جاه .. ولا مال ..ولا سلطة..
لعل الكثيرات ممن يعشن وضعي .. يتابعن مشاهدة هؤلاء الأبناء وهم يقبلون رؤوس امهاتهن بعد نهاية كل مقابلة .. اعترافا لهن بما قدمن من خدمات لأسرهن..
وهن متشبثات بهوية الاجداد .. وعادات ولهجات بلدهن الأصلي .. رغم قساوة الغربة .. وسوط الاندماج .. و سطوة الحرية في العادات و التقاليد .
آه .. لو تعرف كم بعثرت هذه الصورة من أوراق .. و مشاعر .. وطموحات .. فكل موظفة ضحت بالزواج من اجل الاستقلالية.. تعاني مثلي ..
وكل فنانة ضحت بالذرية من اجل الشهرة .. تقاسي مثلي ..
وكل نجمة من نجمات الفن تنازلت عن المستقبل الأسري و إحساس الامومة من اجل المتعة اللحظية .. تشعر بخيبتي .
أما المكافحات اللواتي حُرمْن غصبا من الزواج و الامومة لأسباب خارجة عن إرادتهن .. كالمرض أو الجنون أو الإعاقة أو سوء الحظ أو قسوة القدر .. فلا خوف عليهن .. لأن الله سيتولاهن في ملكوته برحمته .. طالما لا يد لهن في ذلك .
ما ظننت يا موريس ان صورة .. مجرد صورة .. ستجعلني أعيد شريط حياتي في لحظات .. وانا قابعة في مكاني..جامدة مصدومة امامها .
أتصدق يا موريس أني لم أجد جوابا ..حين صرخت الصورة في وجهي قائلة لي :
كم انت غبية !..
حشرت نفسك في زاوية ضيقة ومظلمة مع الوحدة و الندم .. لا داعي للندم .. لقد فات الاوان .
يكفي هذا اليوم يا موريس.
سجلت تاريخ التدوينة .. يوم السبت 10 دجنبر 2022 قبيل منتصف الليل .
أغلقت دفتر المذكرات وأعادته الى حقيبة يد رمادية موضوعة بجانبها على الأريكة .
وقررت ألا تنظر الى الصورة ثانية .. وألا تتأمل هذا المشهد .. بل ستغير حياتها و حالها رأسا على عقب ..
واول قرار اتخذته في تلك اللحظة .. أن تأخذ إجازة و تسافر .
تسافر الى المغرب .. لعلها تجد هناك ما تفتقده هنا من حنان و دفء و حضن لأسرة تحتويها في رحلتها.. و ربما تغير دينها .. إذا كان هذا الدين يجلب كل هذه السعادة و الطمأنينة و السلام الداخلي .. أخذت هاتفها وشرعت تبحث في جوجل عن السياحة و الأماكن السياحية في المغرب .. و عن هواتف وكالات الأسفار السياحية .