خديــــجة والعمــــــي…
بقلم: محمد أنفلوس
التقيته صدفة عند باب المسجد، عاتبته بشدة فهو لم يجب على مكالماتي طيلة اسبوع.
أجابني:”في لحظات خاصة لا أجيب على هاتفي أبدا، حتى لو اتصل احدهم ألف مرة.فبالرغم من أن لديه الرقم الصحيح، لكن في هذه اللحظات لا أكون أنا الشخص الذي يحاول التواصل معه.”
سألته:”وقعت احداث كثيرة مؤخرا ولم تعلق” .
وضع يده في جيبه واخرج دريهمات للمرأة المسنة الجالسة عند عتبة المسجد وقال:”تستنزفني اخبار غزة منذ تسعة شهور، ولا زلت لم استوعب كيف استطاع بضعة رجالٍ محاصرين صناعة طائرة في ورش للحدادة، بل وحلقوا بها دون ان ترصدها الاقمار الصناعية، واستطاعت ان تفلت من الرادارات العالية الدقة لتنقض على جيشٍ لم تصمد امامه الجيوش العربية لأكثر من ست ساعات. تسعة شهور ولا ازال يأسرني صمود هؤلاء امام أخبث انواع الشر، يعيشون في الأنفاق، يقتَسمون نسمة الهواء وحَبّة التَّمر وشربة الماء، يوصلون فُحمة اللّيل بالنّهار، ثابثين صابرين مجاهدين .أعمى من لا يرى يد الله في هذه المعركة!”
سالته حزينا:” ولكن الصهاينة يسفكون الدماء بالالاف. أتصور لو أصاب الواحد منّا عُشر مُصابهم هل كنا سنقف كما وقفوا، وسنثبت كلّ هذا الثّبات؟ أجابني :”نحن لسنا مثلهم،هؤلاء أعَدَّ الله نفوسهم وصَنَع قلوبهم لتحمل إيمانًا يحتَمِلُ كلّ هذا الألم! هؤلاء يعيشون بيننا وفي السّماء هُم!
لا تتمنّى لو أنّك مكان أحد، لعَلّك لو كنت لفَشَلت في الاختبار، ركّز بما عندك، انتبه لثغرٍ بين يديك، وَطِّن نفسك على العمل دون مَلَل، مقامك حيث أقامك، ولعلّك بإخلاصك تصل، وبصدق خُطاك تَنصُر أمّة..
صدقني حين أقول لكَ أن أشرس معركةٍ يخوضها الإنسان اليوم، هي معركة الحفاظ على نقاء قلبه! من يخسر قلبه مهزوم، ولو ربح الدنيا كلها!”
قلت له: “هل شاهدت واقعة عميد الكلية الذي اراد أن ينتزع الكوفية من الطالبة المتفوقة؟”
ضحك حتى بدت نواجده، ثم غمغم في خفوت:” هل تعرف اسم الطالبة؟”
أجبته دون تردد: اسمها خديجة”فقال لي:”
نقول نحن المغاربة مثلا جميلا( من لم تكن له خديجة فليكتبها على الحائط) ثم ربث على كتفي، الغباء يا صديقي جند من جنود الله، لولاه لما كان خبر الكوفية نصرا ونصرة لغزة،المهم أن مع مرور الوقت ستكتشف ان الناس نوعان: خديجة وعميد.”
طلبت منه الفطور معي بمناسبة عاشوراء، فهمس وهو ينظر بعيدا وكأنه غائب:” تُرك سيدنا الحسين وحيدا وهو النقي الطاهر سيد شباب الجنة، داست جسده الشريف قوائم الحقد والغل والاستكبار، ثم التفت الي هامسا، غزَّة تُشبه سيدنا الحُسين كثيراً!
هي أيضاً خُذلتْ، والخُذلان إن كان لا يضرُّ من كان على الحقِّ، إلا أنَّ طعمه مُرٌّ!
ياصديقي لا تكن مثل العميد ، لتكن لك اخلاق ومواقف خديجة، فهذا الاسم مبارك جدا وقد قال سيد الخلق عن حاملته( وصدقتني حين كذبني الناس)
ياصديقي للمرة الألف غزة كاشفة فاضحة..”