متبدل صاحبك غير بمكرف (قصة قصيرة)
بقلم: محمد فاضيلي
الحافلة تسير إلى مستقر لها، وهي تقطع طريقا جبلية وعرة، في هذا الجو القارس الذي يزيده تأخر نزول المطر قسوة وشحوبا..عيناي تحدقان من خلف النوافذ في أمكنة وفضاءات بعيدة تبكي مثل الإنسان شح الزمان وجبروته..
الحافلة تسير الهوينى، وصوت المحرك يبدد الصمت الذي كاد يقتله الظمأ..والركاب في شغل فاكهون..
توقفت الحافلة قليلا..صعد أحدهم..شاب ثلاثيني..نهرني قائلا: المقعد فارغ؟ أجبت: نعم
ارتمى على المقعد بكل قوته..ثم سألني: تريد الدار السوداء!؟
كانت الصدمة سارة..ابتسمت وقلت: نعم. قال: إنها سوداء فعلا، كما الحافلة، والحكومة، والحياة!
تملكتني الدهشة..ما كنت أرغب في الكلام..كانت مشاكلي وهمومي تدعوني للصمت والتفكر..
طأطأت رأسي ولم أرد..نظر إلي نظرات متتالية..أدركت انه يحمل من الهموم ما تعجز عن حمله الجمال..لكن لم تكن لدي رغبة في الحديث..أدرك هو ذلك، فحول بصره إلى الجهة الأخرى من الحافلة..تمعن قليلا في المنعرجات والمنخفضات والمرتفعات والأشجار التي فقدت خضرتها..التفت إلي وقال:
الله يجيب شي شتا..قلت: آمين..قال: الجفاف والغلاء والبطالة..
سكتنا قليلا ثم قال: ترشحت لمباراة المحاباة ولم أوفق..أبي فقير وأنا حاصل على ماستر من جامعة مغربية لا تسمن ولا تغني من جوع..حدق في قليلا ثم تنهد وأضاف: نستاهل..نحن الذين صوتنا عليهم..ثم قال: أنا لم أصوت على أحد..لكن: ماتبدل صاحبك غير بمكرف..قلت: هل أنت من أنصار الحكومة السابقة!؟ قال: كلا، فما في القنافذ أملس..قلت: فرج الله عنا جميعا..
كانت الحافلة قد تخطت المنطقة الجبلية فزادت من سرعتها، ومن خلال النوافذ بدت الحقول اكثر شحوبا وبؤسا وشقاء، وهي في امس الحاجة لغيث يحييها بعد موات..
نسيت همومي وأغراضي وانا اتبادل الحديث مع هذا الشاب المعطل الطيب الذي لم يفقد الأمل رغم كل شيء، ولم يستسلم لليأس، بل إنه قادم لاجتياز مباراة المنتدبين بكل ثقة وأمل وتفاؤل في المستقبل..
ومن محطة البيضاء استقليت حافلة أخرى لتأخذني إلى مدينتي الصغيرة المهمشة الأكثر فقرا وشقاء، وبجانبي شاب آخر يبدو من حديثه أنه لم يدخل مدرسة قط، وأنه لا يفقه من أمور الحياة سوى اللهات خلف المتع والملذات..
وأنا استمع إلى حديثه بغير رغبة مني ولا اشتهاء، تذكرت الشاب المعطل، وقلت في نفسي: فعلا “ماتبدل صاحبك غير بمكرف”