نماذج من أبطال الصحابة رضوان الله عليهم (خطبة)
نماذج من أبطال الصحابة رضوان الله عليهم (خطبة)/ للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
نماذج من أبطال الصحابة رضوان الله عليهم (خطبة)
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، وفق من شاء من عباده لما يحب ويرضاه، وفضل بَطَل الحق على الباطل واجتباه، وأشهد أن لا إله إلا الله لا نعبد سواه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأبطال الذين كان هواهم تبعا لهواه، فنالوا محبة الله ورضاه، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى أن نلقاه.
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
يقول ابن الوردي في لاميته التربوية المشهورة:
واتّـــقِ اللهَ فتقوى اللهِ مـــا * جاورَتْ قلبَ امرئٍ إلاّ وصل
ليسَ مَنْ يقطعْ طرقاً بطلاً * إنمـا مَــــنْ يتّـــقِ اللهَ البطل
إن كثيرا من الحقائق اليوم قد تشوهت، وإن كثيرا من الأشياء اليوم قد تسمت بغير أسماءها؛ فقد سميت الرشوة إحسانا، وسميت الربا فائدة، وسمى الغش مهارة تجارية، وحرية الكفر سموها حرية الفكر، وجريمة الزنا سموها حرية شخصية، والتبرج تقدم وحضارة، والسخافة ثقافة، والخمر مشروبات روحية؛ والقائمة طويلة؛ وإلى هذا يشير النبيﷺ إذ يقول فيما روى أبو داود وابن ماجه: *ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها*
وإن من الأشياء المشوهة في عصرنا البطولة والبطل؛ فمادة “بطل” في اللغة تعطينا ثلاثة أشياء: تدل على البطولة فيكون صاحبها بَطَلا، وعلى البطلان فيكون صاحبها باطلا؛ وعلى البِطالة فيكون صاحبها بَطَّالا؛ فالبطل في الجد، و(المعقول)، والباطل في اللهو واللعب، والبطَّال في الفراغ حيث لا جِدَّ ولا لعب.
أيها الإخوة المؤمنون؛ إن أبطال الحقيقة والحق، هم أبطال الدنيا والآخرة، هم أبطال رضى الله عنهم ورضوا عنه، هم أبطال فازوا بكأس صنعته حروف القرآن الكريم، كأس فاز به من قال الله تعالى فيهم: *وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ* إنهم أبطال نالوا ميدليات وشح بها الرسولﷺ قلوبهم، وزكى بها أعمالهم، فكانت لهم ذكرا حسنا يفوح عَبَقا عبر التاريخ، الذين قالﷺ فيهم: *خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم…*
فما هي الأهداف التي سجلها هؤلاء الأبطال من الصحابة حتى نالوا بها هذا الشرف العظيم؟ إنها أهداف سجلوها في مرمى حسناتهم، سجلوها في شبكات رضوان الله تعالى، فهزموا بها النفس الإمارة بالسوء، هزموا بها الشهوة والهوى باتباع الهُدى، في مقابلات كان الحكم فيها أحكمَ الحاكمين سبحانه وتعالى، فطوبى لإنسان قبل أحكم الحاكمين أهدافه؛ وويل لمن رفض أهدافه؛ ويل لمن طرده طرد لعنة يوم القيامة، فقد طرد فرعون وأعوانه، وأبا لهب وامرأته، وأبا جهل وأتباعه، ومن تبعهم بالسوء إلى يوم الدين، فطردوا إلى جهنم وبئس المصير.
وإليكم -أيها الإخوة في الله- نماذج مختارة، من لقطات باهرة، من تلكم الأهداف المعتبرة، ومن تلكم التسديدات المعبرة، التي سجلها وسددها أبطال الحقيقة والحق، في ساحات عرض الجهاد، لا في قاعات استعراض الأجساد، يتنافسون فيها على كأس، ليس كأس العالمين؛ ولكنه كأس رب العالمين، يقول الله تعالى فيه: *يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَاثِيمٞ*، وسأختار لكم لقطات من أهداف أربعة:
● الهدف الأول: سجله البطل الإفريقي الأول، هدَّاف إفريقيا الحقيقي، سيدنا بلال رضي الله عنه، والهدف هو *الثبات على المبدأ، والمحافظة على الإيمان، وإن على حساب الجسد والروح، سجله يوم كان الصحابة أقلية ضعفاء في مكة، لا يستطيع أحدهم أن يمارس شعائر دينه إلا خِيفة وخُفْية، يوم يعذب المشركون من أسلم منهم إلى الموت، وهنا يبرز بلال رضي الله عنه بطلا كبيرا، لقد كان عبدا اشتراه مشرك اسمه أمية بن خلف، فشرح الله صدره للإسلام، فكان أمية -لعنه الله- يعذبه أشد العذاب ليكفر بمحمدﷺ، كان يأخذه في الظهيرة إلى حر الصحراء في الصيف، وما أدراك ما حر الصحراء في الصيف؟ فيكبله بسلاسل، ويأمر غلمانه بوضع الصخور الثقيلة على صدره، فيقول له: إذا كفرت بمحمد عفوت عنك، فيكون جواب بلال رضي الله عنه كلمات كلها أهداف يسددها في مرمى الإيمان والحسنات، ضد فريق الكفر والسيئات؛ كلمات كلها ثبات على المبدأ، كلها تمسك بالإيمان، إنه كان يردد وهو يعذب: *أحد أحد، فرد صمد**، إنه هدف إيماني يخرق عنان السماء، ويمزق شبكة الزمان، فيحمله التاريخ إلى الإنسانية جمعاء، تلكم هي ضربة الجزاء الحقيقية؛ أتدرون ما هو جزاؤها؟ إنه الجنة، فقد روى البخاري أن النبيﷺ سمع خشخشة نعال بلال في الجنة قبل أن يموت.
● الهدف الثاني: سجله البطل الأوربي الأول، هدَّاف أوربا الحقيقي، الصحابي الجليل صهيب الرومي، والهدف هو: *التخلي عن الثروة والمال، والهجرة في سبيل الله* وذلك أن صهيبا رضي الله عنه جاء من الروم إلى مكة، فامتهن التجارة وكون لنفسه أموالا طائلة، حتى كان من تجار مكة الكبار، يستورد ويصدر، فلما بزغت شمس الإسلام على مكة شرح الله صدره للإسلام، فكان تقيا في معاملاته، نقيا في أخلاقه، يتمتع بروح لا أقول رياضية؛ ولكنها روح راضية مرضية، حتى قال فيه عمر بن الخطاب شهادته المشهورة: *نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. فلما هاجر النبيﷺ إلى المدينة، أراد هذا البطل الأوربي أن يلحق به، فجمع أمواله، وشحنها على الجمال، فمنعه من ذلك كفار قريش، قائلين: أتيتنا بدون مال، فإذا أردت أن تخرج فاخرج بدون مال؛ فما أصعب على الإنسان أن يجرَّد من كل ما يملك! فما أصعب أن يترك الإنسان المال الذي تعب في اكتسابه، والثروة التي شق في بنائها! وغالبا ما تسيطر الأموال على القلوب والفلوس على النفوس، وإن كانت الأيادي فارغة منها؛ ولكن هذا البطل تغلب على كل ذلك وراوغ وواجه كل ذلك بثقة بالنفس عظيمة، فقد ترك تلك الأموال كلها؛ لأنها كانت في يده ولم تكن في قلبه، فقال له النبيﷺ: *ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى* وكانت كنيته أبا يحيى؛ إنه هدف سجله هذا البطل الأوربي في شبكة السماء، فأمطرت عليه قرآنا ونورا يتلى على مر الزمان وامتداد المكان، حيث كان سببا في نزول قوله تعالى: *وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ*،إنها ضربة جزاء عظيمة، سيأخذ جزاءها كأسا مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كأسا يقول الله تعالى فيه: *يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ**
● الهدف الثالث: سجله البطل الأسيوي الأول، هدَّاف أسيا الحقيقي، الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه؛ وذلك لما كانت غزوة الأحزاب حيث هجم المشركون على المدينة وهدفهم الذي أرادوا تسجيله هو محو الإسلام من الوجود، هجموا بعدد هائل عشرة آلاف مقاتل، بينما لا يتجاوز عدد المسلمين ألفا وخمسمائة؛ ولكن هؤلاء المشركين تفاجئوا بخَط دفاعي عظيم، وبخُطة جديدة في خندق لا يستطيعون اختراقه، تكسرت بتماسكه كل هجماتهم فانهزموا هزيمة نكراء، وكانت هذه الخطة من اقتراح هذا البطل الأسيوي الأول سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛
● الهدف الرابع: لم يقتصر أمر هذه الأهداف الربانية على الأبطال الرجال فقط؛ بل من النساء أيضا؛ فهذه صحابية اسمها الخنساء سجلت للتاريخ هدفا رائعا؛ وهل تعلمون من هي الخنساء؟ إنها الصحابية الجليلة، والشاعرة العربية المشهورة، إنها البطلة العربية في الوزن الثقيل من الإيمان لا من الجسد، لقد قتل أخوها صخر يوم كانت مشركة قبل إسلامها، وكانت تحبه حبا جما، فبكت عليه سنوات، وسجلت لنا هذا البكاء في ديوان شعري ضخم، هذه هي الخنساء في الجاهلية يوم كانت كافرة، ولكنها عندما أسلمت وكانت معركة القادسية في خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه، وهي المعركة الفاصلة بين المسلمين والفرس في العراق، بادرت بإرسال أولادها الأربعة، وهي تنشد لهم من الله النصر والشهادة، فلما استشهدوا في المعركة جميعا فرحت وهتفت؛ لأنها بلغت ما إليه راحت وهدفت، فقالت: *الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. إنه هدف رائع من الروعة بمكان؛ فما الذي تغير في الخنساء؟ تلك التي بكت على موت أخيها لسنوات، فما بالها تحمد الله على موت أبنائها، والابن طبعا أقرب إلى الإنسان من أخيه، إن الذي تغير فيها هو شحنة القناعة في قلبها؛ إذ كانت يوم قتل أخوها ملوثة بالشرك، وبالنعرة العصبية، وبالحمية الجاهلية، ولكنها عندما حررها الإسلام فكانت شحنة إيمانية ناصعة، تعلمت أن حياة الشهادة أفضل لأبنائها من هذه الدنيا، تعلمت أن أولادها الأربعة كانوا من فريق الأبرار الذي سيتسلم الكأس من البر الرحيم: *إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا**.
تلكم هي أربعة أهداف مباركة، فيها بذل النفس والنفيس، وهي على سبيل المثال لا الحصر، اخترتها لكم من مقابلات خاضها الصحابة رضوان الله عليهم ضد الشرك والكفر، فبمثلها سجل لنا التاريخ أبطالا كبارا في الوزن الثقيل من الإيمان.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…