الرمز غير قابل للتكذيب! ملاحظات منهجية على القراءة الرمزية للقرآن الكريم
سهيل دوى
الرمز غير قابل للتكذيب!
ملاحظات منهجية على القراءة الرمزية للقرآن الكريم
بقلم: الدكتور سهيل دوى
الغرض من هذه المقالة بيان بعض الملاحظات المنهجية التي تتعلق بالقراءة الرمزية للقرآن الكريم التي يقترحها الدكتور رشيد عشعاشي كبديل عن القراءة التراثية التي تخالف عنده العقل العملي ويعدّها من أهم أسباب التخلف في العالم العربي والإسلامي لأنها تجعل المسلمين يتعلقون بالخيال بدل الأخذ بأسباب التقدم.
سياق
إن تأويل آيات القرآن الكريم وإخراجها عن ظاهرها يذكرنا بما حدث لبعض المفكرين المسلمين لما صار تيار العقلنة يغزو العالم الإسلامي، فمثلا ذهب الشيخ محمد عبده رحمه الله مذهبا جديدا للرد على المستشرقين وشبهاتهم الرامية لتكذيب الإسلام، فتخفف من ذكر الغيب وقام بتأويل الجن بنوع من الجراثيم أو الميكروبات وغيرها من التأويلات التي خطأه فيها العلماء.
الدكتور رشيد صاحب القراءة الرمزية يقترح عوض التفسير “التراثي” قراءة يسميها رمزية، وسنبدأ أولا بفهم قراءته هذه وسياق اقتراحها وذلك عبر ما قدمه في مجموعة من الأشرطة المتتابعة على قناته.
القراءة الرمزية جاء بها صاحبها بعد أن تصدى لمسألة معضلة الشر ومحاولته إيجاد إجابة مقنعة لها، وأقام جوابه على فكرة معينة، وهي إنكار التدخل المادي لله عز وجل في الخلق، ولكي تتسق فكرته هذه -التي استدعاها استدعاء دون دليل- كان لابد له أن ينكر وقوع معجزات الأنبياء عليهم السلام حقيقة، فسيدنا عيسى عليه السلام لم يحي الموتى ولم يبرئ أكمها ولا أبرصا ولا تكلم في مهده، وما فلق سيدنا موسى عليه السلام بحرا ولا صارت عصاه حية تسعى، وهلم جرا…
لكن الدكتور يؤكد على أنه يؤمن بالقرآن الكريم ويجعله مصدر فهمه الرئيسي لدين الله تعالى، فكان لزاما عليه أن يقرأ قصص الأنبياء عليهم السلام ومعجزاتهم، التي جعلها الله تعالى آيات باهرات تخرق العادة وتمثل برهانا لا مرية فيه على أنهم رسل الله تعالى، قراءة مغايرة.
معنى القراءة الرمزية للقرآن الكريم
يشير “الرمز” هنا إلى مفهوم استعمله الفيلسوف وعالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ في نظريته حول اللاوعي الجمعي والنماذج الأصلية، فإن كان سيغموند فرويد يتحدث عن ثلاث بنيات للنفس البشرية وهي الوعي واللاوعي والأنا الأعلى، فيونغ يتحدث على أن اللاوعي في حد ذاته فردي وجمعي، فردي تشكل عبر بيئة كل فرد، وجمعي مشترك بين كل البشرية، لغته رموز وصور تنبني على ما يسمى نماذج أصلية Archetypes، نشرحها بمثال بسيط: حينما ترى في حلم أنك تغرق في بحر، فالبحر هنا غير محمول على حقيقته بل يرمز لفكرة أو شعور مثل الخوف أو التهديد…
والنماذج الأصلية هي مجموعة رموز تتكرر في نفسية البشر جميعا، نجدها في القصص والأساطير بل وتنسحب عند يونغ على الأديان ونصوصها المقدسة.
وقد طبق يونغ نفسه هذه النظرية على سورة الكهف في فصل Concerning Rebirth من كتابه The Archetypes and The Collective Unconscious، وقد اعتبر فيها كل من سيدنا الخضر وسيدنا ذي القرنين عليهما السلام رموزا، ناهيك على أنه اعتبر كل الأحداث المذكورة في السورة خاصة قصة أصحاب الكهف رموزا لمختلف الأشياء داخل النفس البشرية وتحولاتها بين النور والظلام، معتبرا أن هذه القصص هي ترجمة لمعارف لا واعية تستطيع صب المعرفة في اللاوعي مباشرة دون المرور بالوعي، بمعنى أن قارئ القرآن الكريم سينتفع بقراءته لهذه القصص المكتوبة عبر رموز وصور تمثل لغة اللاوعي.
منهج القراءة الرمزية
لم يقدم الدكتور لقراءته هذه عبر منهج مؤسس على قواعد واضحة معدودة محدودة، لكنه ذكر الآتي:
* يتم تطبيقها على القصص القرآني فقط،
* تعتمد نظرية الفيلسوف كارل غوستاف يونغ في الوعي اللاجمعي وخاصة فيما يتعلق بالنماذج الأصلية وتأويل رموزها،
* لا تعتمد الروايات والأخبار من السنة النبوية، ولا أصول علم التفسير ولا تنضبط لأي تفسير كان.
تناقضات منهجية في القراءة الرمزية
قراءة اضطرارية
يؤكد الدكتور على أنه اضطر لهذه القراءة، وهذا الاضطرار يمكن تقسيمه إلى اضطرار معلن وآخر مضمر. فالمعلن أنه لا يقبل معجزات الأنبياء على حقيقتها لأنها تخالف قوانيننا المادية المعهودة أو ما يسميه “العقل العملي” بمعنى مجموعة السنن الكونية التي جعل الله تعالى الكون يسير على وفقها ولا يخرج فعل في الكون عنها، أما الاضطرار المضمر فاختياره لنفي التدخل المادي لله عز وجل في خلقه، أي أن اختياره لهذه الفكرة (التي لا تقوم على دليل) قد اضطره إلى مسلك تأويل كل ما قد يبدو تدخلا من الله عز وجل في الخلق.
ولا يمكن لقراءة مبنية على مجرد ادعاء أن تكون صحيحة، ادعاء أن الله عز وجل لا يتدخل ماديا، فالعقل لا يحيله بل يحكم بإمكانه والشرع يؤكده.
قراءة قاصرة
يقترح الدكتور هذه القراءة في القصص القرآني وخاصة قصص الأنبياء والرسل السابقين صلواتي ربي وسلامه عليهم، ويستثني من ذلك السيرة النبوية المذكورة في القرآن الكريم وغيرها من الآيات، لكنه لا يقدم نظرية تفسيرية مكتملة للآيات التي لا تتعلق بقصص الأنبياء عليهم السلام، ثم يختلف بعدها في كيفية تفسير غيرها من الآيات، فتارة يؤكد أن قراءته هذه تتكامل مع القراءة التراثية، وتارة يصف القراءة التراثية بـ”الصبيانية”.
فبالإضافة إلى أن القراءة الرمزية هي نظرية قاصرة في التفسير، لأنها تتعلق فقط بجزء من الآيات دون غيرها، فالأستاذ لا يقدم دليلا على تخصيص القصص القرآني بهذه القراءة، فما الذي يمنع غيره من تطبيق القراءة الرمزية على آيات أخرى، معتبرا أن هذه الآيات تخالف العقل العملي!؟
قراءة غير علمية
في سياق منافحته عن قراءته الرمزية، ساق الدكتور خطورة التعلق بتفسير الآيات عبر النظريات العلمية التجريبية، وذكر أن كارل بوبر فيلسوف العلم قد نظر إلى أن “كل نظرية علمية هي خاطئة في المطلق”، ورغم أن بوبر لم يقل بذلك أبدا، بل تحدث على اختبار القابلية للتكذيب، وهو اختبار يتم عبر اقتراح تجارب أو ملاحظات تبين خطأ النظرية العلمية، هذا الاختبار أساسي لتكون النظرية علمية، والعكس صحيح، فالنظرية التي تستوعب كل الملاحظات والتجارب لا تسمى علمية، بل تكون علما زائفا pseudo-science.
إذن فخوفا على آيات القرآن من التكذيب عبر ربطها وتأويلها باستعمال نظريات علمية تجريبية قابلة للتخطيء مستقبلا، فهو يرفض جزئيا التفسير المؤسس على العلوم التجريبية أو ما يسمى الإعجاز العلمي.
لسنا بصدد بيان حقيقة الإعجاز العلمي، لكن استدعاؤه لفلسفة كارل بوبر لدفع هذا النوع من التأويل العلمي حري أن يمنعه عن تأويل آيات القرآن الكريم باستعمال نظرية يونغ في علم النفس، فكارل بوبر يعتبر كل نظريات علم النفس التحليلي علما زائفا لأنها لا تنجح في اختبار القابلية للتكذيب، ونسوق كلامه الذي ذكره في كتابه Science: Conjectures and Refutations بعد أن أعطى أمثلة ملموسة مقارنة بين النظرية النسبية لآينشتاين ونظريات التحليل النفسي سواء عند فرويد أو أدلر:”الفكرة واضحة جدًا. لا فرويد ولا أدلر يستبعدان أن يتصرف أي شخص بطريقة معيّنة في أي ظرف خارجي. فسواء ضحّى رجل بحياته لإنقاذ طفل يغرق (حالة من التسامي)، أو قتل الطفل بإغراقه (حالة من الكبت)، فإن نظرية فرويد لا يمكنها مطلقًا أن تتنبأ بذلك أو تستبعده” (طبعة 1974، ص. 985).
وهنا يظهر عدم الاتساق المنهجي، فالمنهج الذي جعله يرفض ربط الآيات القرآنية بنظريات العلم التجريبي، يبطل صراحة ربطها بنظريات التحليل النفسي، لأنها عند كارل بوبر علم زائف.
ثم ولو اعتبرناها جدلا نظريات علمية، فالخطر ينسحب أيضا على هذه القراءة الرمزية، لأنها تربط آيات القرآن الكريم بنظرية قد تتم تخطئتها مستقبلا.
ومن هنا جاء عنوان المقالة، فنظرية الرموز نظرية لا تنضبط للشرط الذي وضعه كارل بوبر للتأكد من علمية النظرية والذي هو القابلية للتكذيب، وبهذا تكون هذه القراءة المبنية على هذا العلم الزائف أولى بالرفض من غيرها، لأن الرمز غير قابل للتكذيب كأهم شرك لوصفه بالعلمية.
ثم إن تعريف القانون العملي نفسه يتهدّم بنفس الفكرة، فإن كان هذا العقل ينبني على فهمنا لقوانين الكون وسننه التي نكتشفها عبر نظريات العلم التجريبي، التي هي خاطئة في المطلق حسب الدكتور، بمعنى أنها يمكن أن تتخلف في حالات معينة أو تسقط بشكل كامل، فكيف نتأكد من أن هذه المعجزات تخالف نظرتنا للعالم التي هي نظرة قاصرة نسبية خاطئة في أغلب الأحيان؟
وهنا يظهر أن تعريف العقل العملي غير منضبط وأن ربط الآيات الكريمة في القرآن الكريم بفهمنا سواء عبر حسنا المشترك أو عبر النظرات العلمية التجريبية هو أمر غير مقبول في القراءة الرمزية التي أسقطت فهم الآيات بتلك النظريات نفسها فيما يسمى إعجازا علميا.
قراءة أثرية
إن كانت القراءة الرمزية ترفض التفسير بالأحاديث النبوية الشريفة أو الأخبار المأثورة عن الصحابة رضوان الله عليهم، فإنها تقع في تناقض عجيب عندما يعمد صاحبها إلى نظرية كارل غوستاف يونغ لتفسير الآيات، فيونغ قام ببناء نظريته هذه بناء على الأخبار، سواء كانت قصصا خرافية، أساطيرا أو أحلاما لمرضاه في عيادته، وكل هذه أخبار بعضها شاطح في الخيال، والآخر لا نعلم حقيقته البتة، وبغض النظر عن صحة أو بطلان هذه الأخبار والروايات، فالمشكلة هنا أن يونغ قد اعتمدها في بناء نظريته حول النماذج الأصلية والرموز الموجودة في اللاوعي الجمعي، أي أنه لا يخرج عن نطاق التفسير الذي ينتقده، ثم الأخطر من هذا أن يونغ كان يحاول فهم المشكلة الحقيقية لمرضاه عبر أحلامهم، ومن السهل جدا تلفيق الأحلام والمنامات، فلا منهج علمي للتأكد من صحتها أبدا، أي أن المنهج الذي بنى عليه يونغ نظريته مشوب ضعيف مترهل، لا يرقى ليكون نظرية نعتمدها في تفسير القرآن الكريم.
فكيف يصح الاعتماد على أخبار وروايات واهية وردّ الأخبار الصحيحة سندا ومتنا في السنة النبوية الشريفة؟!
قراءة غير واقعية
سؤال طبيعي يُطرح بعد اقتراح نظرية تفسيرية جديدة لآيات من القرآن الكريم، يتم اعتبار أنها القراءة الصائبة الوحيدة الموجودة حاليا لفهم آيات القصص القرآني: إن كان الفهم الصائب لمعجزات الأنبياء عليهم السلام يتم عبر تطبيق نظرية يونغ حصرا فهل كان فهم السابقين من المسلمين قبل ظهور يونغ فهما خاطئا واهما؟
الإشكال هنا: حصر الفهم الصحيح في القراءة الرمزية، أي أن ما فهمه كل من سبق من المسلمين أن المعجزات قد حدثت حقا وصدقا هو فهم خاطئ، وكأن القرآن الكريم لم يقدم أدوات تفسيرية لحمل المعجزات على غير ظاهرها حتى جاء يونغ لينقذ الأمة من مهاوي وأخطار الجهل بحقيقة القصص القرآني. فمن الضروري أن يتم التنبيه في القرآن الكريم على أن هذه المعجزات لا تحمل على ظاهرها إن صحت القراءة الرمزية، وقد مثّل القرآن وشبّه بما تعهده العرب من أساليبها اللغوية للتعبير على مجموعة من المعاني وتقريبها من الأذهان، ووجدنا ألفاظ ذلك واضحة في آياته، فكيف يدع الله تعالى المسلمين يحملون المعجزات على ظاهرها دون تنبيههم إلى أنها رموز وصور لمعاني نفسية معرفية؟
قراءة عبثية
حسب القراءة الرمزية، فالقصص القرآني جاء على صيغة رموز يفهمها اللاوعي الجمعي فقط، لأن اللغة العربية لا تسمح بالتعبير عن هذه المعاني العميقة وإفهامها للوعي، لذلك خاطب القرآن اللاوعي بهذه الرموز لإيصاله مجموعة من المعارف له، فيتغير تالي القرآن وقارئه دون حاجته ليعي صراحة المقصود من وراء تلك القصص.
والسؤال الذي يُطرح هنا: إن كان الله تعالى قد أفهم عبر الرموز اللاوعي عند الإنسان مجموعة هذه المعاني والمعارف التي لا يمكن تفهيمها عبر الوعي، فما الداعي إلى شرح وتفسير هذه الرموز ليفهمها الوعي؟ أليست الدروس قد مرّت إلى النفس البشرية وقد استوعبتها عبر قناة اللاوعي؟
ثم أليس تفسير هذه الرموز في القصص سيتم عبر اللغة؟ فكيف تضيق اللغة عن التعبير عنها ابتداء ثم بعد ذلك يترجمها اللاوعي عبر رموزه لإخراجها ثم نعود لنفكك الرموز ونفهمها ليتعقلها الوعي مرة أخرى؟ أليست هذه حركة عبثية لا معنى لها؟
قد تتم معارضة هذا القول بالفكرة الآتية:” الهدف من القراءة الرمزية ليس تفهيم المعاني فقد استوعبها اللاوعي الجمعي، بل الهدف إبعاد الناس عن التفسير التراثي الذي أقنعهم أنه من الممكن تحقيق المعجزات وتدخل الله تعالى تدخلا ماديا في كونه.”
وجواب ذلك أن القراءة الرمزية لا تستلزم نفي القراءات أو التفسيرات الأخرى التي تقول بالتدخل المادي أو خرق العادة…، فمن الممكن أن تكون القصة حاصلة وواقعة حقا ثم تحمل في طياتها دروسا وعبرا تنطبق على النفس أو تنسحب على غير زمانها ومكانها، نتحدث هنا عن الإمكان العقلي لا عن جوازها شرعا، ولقد صار في هذا الباطنية وغلاة المتصوفة، ويمكن أن نقرأ الكثير من الأمثلة عن تأويلاتهم لقصص الأنبياء ومعجزاتهم على أنها تحولات للنفس رغم تصديقهم بالقصة على أنها واقعة على الحقيقة.
بل إن يونغ نفسه لا يشترط أن تكون القصة غير حقيقية لاستنباط هذه الرمزيات منها.
ثم إن العلماء قد جعلوا لآيات التحدي التي جاء بها أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام مصطلحا وضعيا وهو المعجزة، واعتبروا المعجزة حدثا يخرق العادة ويثبت أن هؤلاء الناس يوحى إليهم وأن لديهم مهمة الإبلاغ، والبشارة والإنذار، وهي خاصة بهم فقط لا بغيرهم، لكن في القراءة الرمزين يتم يرفض هذه المعجزات بحجة أنه لا يمكن تطبيقها في واقعنا الحالي، فلا يمكن إبراء الأكمه أو الأبرص ولا إحياء الموتى ولا التحدث إلى الحيوانات…لكن من قال من علماء الشريعة أن الله تعالى قد ساق هذه المعجزات لنعيد تطبيقها في حياتنا اليومية؟ ومن قال أن القرآن الكريم قد ذكر تلك الآيات الباهرات الخاصة بالأنبياء عليهم السلام لإعادة اكتشافها في واقعنا الحالي؟
قراءة مدرة للتناقض
مدرة بمعنى جالبة، فإن كان من دواعي اقتراح هذه القراءة دفع إشكال معين عند بعض الناس متمثل في وجود خوارق للعادات كآيات عند الأنبياء عليهم السلام، وإن تنزلنا جدلا وافترضنا أنها تحل هذا الإشكال، نجدها تأتي بإشكاليات أخرى عديدة ومتنوعة قد لا يمكن حصرها في مقالة قصيرة كهذه، فهذه القراءة:
* ستترك سؤال التفرقة بين مدعي النبوة الصادق والكاذب بدون جواب، فإن لم توجد المعجزة فما الذي تقترحه القراءة كآية تثبت صدق الأنبياء عليهم السلام؟
* ستضطر لإنكار جزء كبير من السنة النبوية وما رُوي عن الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الشأن، لأن صحيح هذه الأخبار قد دلّ على أن المعجزات قد وقعت بالفعل حقيقة وواقعا في عالم المادة المحسوس، بل ووقعت معجزات حسية للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وقد أحصاها العلماء فوجدوها تربو على الألف.
* ستخالف قواعدها وسيتم تطبيقها على غير القصص القرآني، وقد حدث ذلك من الدكتور نفسه في حقيقة الجنة والنار واستجابة الدعاء، فكيف إذن سيفهم قول الله عز وجل:” فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ” (سورة الأنفال الآية 17)، فرغم أن هذه الآية تندرج ضمن قصص النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن صاحب القراءة الرمزية سيضطر لتطبيق قراءته على هذه الآية ومثيلاتها لأن ظاهرها يثبت التدخل المادي لله عز وجل.
* القراءة تنبني على أن العرب لم يفهموا المقصود من القصص القرآني، رغم أن الدكتور يؤكد على أن القرآن نزل بلسان عربي مبين وأن معانيه واضحة للعرب!!!
* النظم القرآني لا يشير إلى أن هذه القصص لا تحمل على ظاهرها، بل يؤكد العكس تماما، إضافة إلى أن الله تعالى يختم القصص القرآني بمجموعة من الآيات الكريمة التي تمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمة معرفته للأخبار المغيبة رغم عدم حضوره وشهوده لها في زمانها ومكانها، ومن أمثلة ذلك:
يقول الله عز وجل بعد أن قص عليه قصة سيدنا موسى عليه السلام: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّهِدِينَ﴾ (القصص الآية 44)
وبعد قصة مريم وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾(آل عمران الآية 44)
وتكرر ذلك في أكثر من سورة بعد ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام.
قراءة غير شرعية
وذلك من عدة جهات، فليس في الشرع ما يشير إلى تبني هذه القراءة، ولا يمكن أن يدع الشرع تبيان أصول فهم القرآن الكريم لأنه قال:” وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ” (سورة النحل الآية 44)
ثم إن كانت هذه القراءة تعتبر القصص القرآني مما يجب تأويله فإن هذا القصص في حكم المتشابه في أصول هذه القراءة، وقد أمر الشرع الحنيف بكيفية التعامل مع المتشابه، قال الله عز وجل:” هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” (سورة آل عمران الآية 7)
ولقد تم تقييدها بالقصص القرآني دون دليل ولا حجة، وبالتالي فمن المحتمل أن يطبقها آخرون (غير صاحبها) على القرآن الكريم كله، فيقوم بتأويل الأحكام الشرعية ووجود الأنبياء عليهم السلام وقد يؤول حتى وجود الله عز وجل وصفاته ويجعلها رموزا، وهذا خطأ جسيم يعتور هذه القراءة.
وإن كان الدكتور قد اقترح الاعتماد على نظرية يونغ بعد تأطيرها وتخصيص مجال اشتغالها، إلا نه من الممكن أن يطبقها آخرون أيضا برؤية يونغ نفسه، وهذا راجع إلى أن تخصيصها بالقصص القرآني لم يقم على دليل معتبر.
يصف يونغ الأنبياء فيقول:”الشخصيات العظيمة في التاريخ، سواء كانوا أنبياء أو مصلحين أو فنانين، هم رموز حية تجسّد أنماطًا أولية (Archetypes) صادرة من اللاوعي الجمعي. إنهم لا يبتكرون هذه الصور من فراغ، بل يعبرون عنها بوعي جزئي فقط، بينما قوتها الحقيقية تنبع من الأعماق.” (Collected Works, Vol. 9i, p.301)
وهو هنا لا يذكر أن مصدر نصوص الكتب المقدسة هو الوحي بل “الأعماق”.
أخيرا، فإن المسلم لا يتصدى لتفسير القرآن الكريم أو القول في كلام الله عز وجل بتهور ومجازفة وجراءة مع عدم التمكن من أصول علم التفسير بل واللغة العربية التي أنزل بها القرآن الكريم، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على علو إيمانهم وسبقهم وصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفتهم التامة باللغة العربية سليقة، أخوف الناس من التقول على الله عز وجل بغير علم، فقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد سئل في شيء من القرآن أنه قال: «أي سماء تظلني، وأي أرض تُقلني إن أنا قلت في كلام الله ما لا أعلم؟». ذكره ابن كثيره في تفسير القرآن العظيم.
ثم إن مقاربة القراءة الرمزية غير منصفة البتة، فلنفرض أن المفسرين قد أخطؤوا في تفسير بعض الآيات التي اجتهدوا في معرفة معانيها، فهل يعود هذا على كل العلم بالنقض والفساد؟
ختاما، فإن القراءة الرمزية مليئة بالتناقضات المنهجية للأسباب التي ذكرنا هنا ولأسباب كثيرة أخرى، والواجب على من يريد الاجتهاد في تفسير القرآن الكريم أن يتخصص في علوم الشريعة المتعلقة بهذا الشأن العظيم، وأن يكون قبل ذلك وبعده حافظا لحرمة كلام الله عز وجل، متورعا عن الخوض فيه، ثم إن التجديد لا يعني رفض القطعيات والعلوم التي قعدها علماؤنا رحمهم الله تعالى والتبرؤ منها بل هي من العلم النافع الذي يمنع المفسر والمتدبر من القول بغير علم في كتاب الله تعالى.
وإن قراءة تدبرية واحدة للقرآن الكريم مع استحضار هذه الأفكار تغني المسلم عما كتبته، وإنما أردت في هذه المقالة أن أحاكم المقاربة إلى قواعدها ونعلم مدى اتساقها الداخلي وعدم تناقضها، الأمر الذي أكد أنها قراءة خاطئة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه والحمد لله رب العالمين.