الحمدُ لِلّهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على خاتَمِ الأنبياءِ والمرسلين.
وبعدُ؛ فإنّ الإسلامَ دينُ السّماحة واليُسر، جاء لإسعادِ النّاس ورفع الحرج عنهم؛ ومِن سماحتِه أنْ فتحَ بابَ التّنافس في الاجتهاد؛ فحَصل الاختلافُ في كثير من المسائل الفرعية في الفقه الإسلامي، رحمةً بالعباد والإنسانية.
وهذه رسالةٌ كتَبْتُها تحذيراً من الإصابةِ بِداءِ التّعصُّبِ، وتنبيها إلى مَن وقع في فخِّه.
اختلافُ العُلماءِ رحمةٌ، فاعْلمْ ذلك يا فتى.
أسبابُهُ معلومةٌ، والجهلُ بها يُصيبُ بالعمى.
ومَنْ ضيّقَ ما وسّعَ الرحمنُ، فقد أساءَ وافْترى.
المرْءُ إذا ازدادَ علمُهُ، لمْ يتعصّبْ لأحدٍ مِنَ الورى.
ومَن قلّ عِلْمُه اغْترَّ بِما عنده، وتعاظمَ واستعلى.
وظنّ أنّه تأهّلَ لِلتّرْجيحِ، وتبجَّحَ وأكثرَ مِنَ الدَّعْوى.
التّرْجيحُ عِلْمٌ له أهلُه، مَنْ فاتَهُ ضلَّ وغوَى.
ومَنْ تدخّلَ فيما لا يَعْنيه، فما أحْسنَ وما اسْتَحَى.
المُتَعصِّبُ لا يَقْبَلُ الخِلافَ، ولا يُؤمِنُ إلاّ بما يرَى!
وإذا كان في مَجْلِسٍ، انْتَفضَ وحَوَّله إلى ساحةٍ لِلْوغَى.
وجادلَ بِالباطِلِ، واتّخَذَ الخُصومةَ مَرْكباً وامْتَطى.
وإذا اشْتَدّ غضبُهُ، رمَى المُخالِفَ بالفِسْقِ واعْتدَى.
أخي، مَنْ خالَفَكَ الرّأْيَ، فما زاغَ عنِ الحقِّ وما الْتَوَى.
لا إِنْكارَ في الخِلافِ، ومَنْ أنْكرَ فعَنِ السّماحَةِ تخَلَّى.
ومَنْ شدّدَ على النّاسِ، فعَنْ طريقِ الأئِمَّةِ انْزوَى.
فأحْسِنْ بأخيكَ الظَّنّ، فإنّك لا تعْلمُ الغيْبَ وما نوى.
وقدْ يكونُ اختيارُه هو الصّوابُ، وحُجَّتُه هي الأقْوَى.
العملُ بالحديث له شروطٌ، مَنْ علِمها فقدِ اهْتدَى.
واختلفوا في التّصْحيحِ والتَّضْعيفِ؛ غَيْرَةً على المُصْطفَى.
والاختلافُ في فَهْمِ النُّصوصِ لا يُنْسَبُ إلى الهوَى.
قوْلُ الجُمهورِ ليس بِحُجَّةٍ، والإجْماعُ إنْ صَحَّ فَهُو المُبْتغَى.
واتَّفَقوا على العَملِ بالمُحْكَمِ، الذي حُكْمُه لا يخْفى.
إنّه لا اجْتِهادَ معَ النَّصِّ، ومَنْ فَعَلَ فقدْ هوَى.
__________________
– 1تحديد معنى كلمة (الجمهور) عند الفقهاء.
قال الدكتور محمّد سليمان الأشقر: “كلِمةُ (جمهور) تُطْلقُ على الأئِمّة الأربعة إنْ خالفهم غيرُهم مِنَ [العلماءِ] المُعْتَبَرين، أو على ثلاثةٍ منهم إنِ اتّفقوا على مسألةٍ وخالفَهم الرابعُ، أو على اثنين منهم إنِ اتّفقا على قولٍ واحدٍ واختلفَ الآخران، كلٌّ منهما على قول.” [انظر: د.محمّد سليمان الأشقر: الفُتْيا ومناهجُ الإفتاء، ط3، دار النفائس، ص51].
وهذا يُبيِّنُ خطأَ من يظن أنّ كلمةَ (الجمهور) تعني (الإجماع).
– 2 تحديد معنى كلمة (النّصّ) -عند الأصوليين- في القاعدةِ المشهورة (لا اجْتِهادَ مع النّصّ).
قال الأستاذ الدكتور مصطفى ديب البغا:” وإذا كان الرأي جماعياً وحصل فيه اتفاقٌ -وهو الإجماعُ- كان بِمَثابَةِ النّص”.
ومن هنا كانت القاعدةُ الأصوليّةُ القائلةُ:” (لا مساغَ للاجتهاد عند مَوْرِد النّصِّ)، أي: عند مَجِيئِ آيةٍ أو حديثٍ دلالةُ كلٍّ منهما صريحةٌ وقاطعةٌ في حكمِ المسألةِ. وقد ذكرنا أنّ الإجماعَ إذا ثبت كان بمنزِلة النّصِّ.” [أ.د. مصطفى ديب البغا، أستاذ الفقه وأصوله وقواعده في كلّيتيْ الشريعة والحقوق-جامعة دمشق، أصول الفقه الإسلامي: دراسة عامة، دار المصطفى دمشق-حلبوني، ط 3، سنة 2007، ص 262].
وقال الشيخ حافظ ثناء اللّه الزاهدي:” مجالُ الاجتهادِ هو كلُّ حكمٍ شرعيٍّ ليس فيه دليلٌ قاطِعٌ مِن ناحية الدلالة على الحكم ولا هو مِمّا أجمعوا عليه. أمّا المسائلُ التي ثبت حُكْمُها بأدلّةٍ قطعِيّة ثبوتاً ودلالةً أو أجمع عليها العلماءُ إجماعاً صحيحاً فليس لِلِاجْتهادِ فيها مجالٌ.” وفي الهامش: “راجع الإحكام (206/3)، المستصفى (354/2)، إرشاد الفحول (ص: 252-253) [حافظ ثناء اللّه الزّاهدي، تيسير الأصول، دار ابن حزم، بيروت، ط2 سنة 1997م، ص 323].
وهذا يبيّنُ خطأَ من يظن أنّ كلمة (النّص) المذكورة في تلك القاعدة، تطلق على كلّ آية من القرآن الحكيم، وعلى كلّ حديث صحيح!