(خطبة) ما ينبغي على محفظي القرآن تلقينه لمن أراد حفظ القرآن منذ البداية
الشيخ بن سالم باهشام
(خطبة) ما ينبغي على محفظي القرآن تلقينه
لمن أراد حفظ القرآن منذ البداية
بقلم: الشيخ بن سالم باهشام
أستاذ العلوم الشرعية
عباد الله، كلنا يلاحظ إقبال الكثير من المؤمنين والمؤمنات على حفظ القرآن الكريم؛ رغم كبر سنهم، لاستدراك ما فرط فيه آباؤهم من تحفيظهم لكتاب الله، بل يحضرون دورات تكوينية بالأداء، قصد الاستفادة من أحدث الطرق للحفظ في وقت وجيز، لأن حفظ القرآن مطلب عظيم ينبغي للمسلم الحرص عليه، لكون حفظه كاملا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، والاشتغال بتلاوته وحفظه عند توفر الحُفاظ من أفضل السنن العينية التي يستحب القيام بها، فقد جاء في الدر المختار للحصفكي: (وحفظ جميع القرآن فرض كفاية، وسنة عين أفضل من التنفل). اهـ،
[الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الحنفي الحصكفي، المحقق: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، سنة النشر: 1423 – 2002، الطبعة الأولى]،إلا أن من الواجب على محفظي القرآن أن يُذكّروا كل وارد عليهم، راغب في حفظ كتاب الله بمبادئ أساسية، لتصحيح الانطلاقة، وضمان الاستمرار على حفظ القرآن، والثبات على المحفوظ وتعاهده بعد الحفظ حتى الموت. وإنشاء مدرسة قرآنية متنقلة عبر الأجيال.
عباد الله، أول ما يجب على المحفظ التذكير به، هو هذا الحديث النبوي الشريف الذي به تصح الانطلاقة، وتخلص النية، روى الترمذي في سننه، وقال : حسن غريب . والحاكم في المستدرك، وقال : صحيح الإسناد، عن أبى هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله إذا كان يوم القيامة، ينزل إلى العباد ليقضى بينهم، وكل أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فأول من يدعو به، رجل جمع القرآن، ورجل قُتِلَ في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عَمِلْتَ فيما عُلِّمْتَ؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك،…وذكر المجاهد وصاحب المال، ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة، أول خلق الله تُسَعَّرُ بهم النار يوم القيامة).
[أخرجه ابن المبارك (1/159 ، رقم 469) ، والترمذي (4/591 ، رقم 2382) وقال : حسن غريب . والحاكم في المستدرك (1/579 ، رقم 1527) وقال : صحيح الإسناد . وابن جرير في تفسيره (12/13) . وابن خزيمة (4/115 ، رقم 2482) ، وابن حبان (2/135 ، رقم 408)] .عباد الله، أما ثاني ما يجب على المحفظ للقرآن ذكره للوارد عليه من الرجال والنساء، أن الله سبحانه وتعالى سهل حفظ كتابه، على الكبير والصغير، والذكر والأنثى، حتى على من يظهر لنا أنه مصاب بخلل في عقله، سهل عليه الحفظ، والواقع شاهد على ذلك بنماذج كثيرة في واقعنا المعيش، فلا حاجة لحمل هم الحفظ، قال تعالى في سورة القمر: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر: 17] ، قال الزمخشري في تفسيره الكشاف: (أي سهلناه للادكار والاتعاظ ، بأن شرحناه بالمواعظ الشافية ، وصرّفنا فيه من الوعد والوعيد: “فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ” أي متعظ . وقيل : ولقد سهلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ …. ويروى: أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل، لا يتلوها أهلها إلا نظراً، ولا يحفظونها ظاهراً كما القرآن) .[الكشاف للزمخشري (6/ 452، بترقيم الشاملة آليا)]، وبناء على هذا العطاء الرباني، ما على الطالب إلا الاستماع إلى توجيهات محفظه والالتزام بها، فإنه سيحفظ القرآن إن شاء الله كما حفظه من قبله ومن حوله.
عباد الله، أما الواجب الثالث الذي يجب على محفظ القرآن تذكير الطلاب به منذ البداية، هو سرعة تفلت القرآن من صاحبه، لذا يجب تعاهده، إذ ليس الشأن سرعة وسهولة حفظ القرآن والعجلة في إتمام حفظه، فإنه لم يكن ذلك من هدي السلف الصالح، وإنما الشأن هو الثبات على المحفوظ إلى أن يلقى المرء الله تعالى، ولسائل يسأل فيقول: ما الحكمة من سرعة تفلت القرآن من صاحبه ؟
عباد الله، إن سرعة تفلت القرآن، هو حقيقة وليس ادعاء دون دليل، فقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة وأقسم عليها، روى البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعاهدوا هَذَا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإبلِ فِي عُقُلِهَا)، أي: حافظوا على قراءته، وواظبوا على تلاوته، وداوموا على مراجعة المحفوظ منه، وأحيوا به لياليكم بتلاوته في قيام الليل، فعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ: (وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ). ، وقوله صلى الله عليه وسلم : “فوالذي نفس محمد بيده لهو أشدّ تفلتاً” أي تخلصاً، “من الإبل في عقلها”، جمع عقال، وهو حبل يشد به البعير في وسط الذراع.
عباد الله، لاحظوا كيف شبه الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن المحفوظ عن ظهر القلب، بالإبل النافرة، وقد عُقل عليها بالحبل، واللّه تعالى بلطفه وكرمه، منحنا هذه النعمة العظيمة التي هي تيسير حفظ القرآن ، فضمن لنا الحفظ، وكلفنا بالتعاهد وتثبيته، فلا نشغل أنفسنا بما تكفل الله لنا به، عما كلفنا به، لهذا لا يليق بالحافظ للقرآن أن يغفل عن تلاوته ، ولا أن يفرط في تعاهده، بل ينبغي أن يتخذ لنفسه منه ورداً يوميّاً يساعده على ضبطه، ويحول دون نسيانه ؛ رجاء الأجر ، والاستفادة من أحكامه ، عقيدة ، وعملاً ، حتى لا ينساه بسبب التهاون والغفلة عنه، وأما من نسيه بمقتضى الطبيعة، فإنه لا يضر، ولا يأثم به الإنسان، لأن نسيان القرآن له سببان :
الأول: ما تقتضيه الطبيعة البشرية،فهذا لا يأثم به الشخص ، ولا يعاقب عليه ، فقد وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى بالناس ، ونسي آية، فلما انصرف ذكَّره بها أبيّ بن كعب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( هلا كنت ذكرتنيها )، وسمع رسول الله قارئاً يقرأ، فقال : ( يرحم الله فلاناً فقد ذكرني آية كنت أنسيتها )، وهذا يدل على أن النسيان الذي يكون بمقتضى الطبيعة: ليس فيه لوم على الإنسان
والثاني: الإعراض عن القرآن الذي تم حفظه، وعدم المبالاة به .والتغافل عنه بعد أن أنعم الله على الشخص بحفظه، فإنه يخشى عليه من العقوبة، فقد روى الترمذي وضعفه ، ونقل عن البخاري استغرابه، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا )
[رواه الترمذي ( 2916 ) وضعفه ، ونقل عن البخاري استغرابه ، وأبو داود ( 461 )] .وروى أبو داود وسنده ضعيف، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ).[رواه أبو داود (1474)] ، والظاهر أن من قال: إن النسيان للقرآن كبيرة ، أو أنه ذنب : لم يرِد ما يكون بسبب ضعف الذاكرة ، بل ما كان النسيان بسبب التهاون ، والكسل ، كما صرَّح به الرملي الشافعي .
. لهذا ينبغي الحرص على القرآن بتعاهده بالقراءة، وتلاوته ليبقى في الصدر، وكذلك أيضا بالعمل به؛ لأن العمل بالشيء يؤدي إلى حفظه وبقائه، وقد كان بعض السلف يقول: (أخشى ألا تبقى آية في كتاب الله – تعالى- آمرة أو زاجرة ، إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتسألني الآمرة هل ائتمرت؟ والزاجرة هل ازدجرت؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع) [جامع بيان العلم وفضله، جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر؛ يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر، المحقق: أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي – الدمام،سنة النشر: 1414 – 1994، الطبعة الأولى، ص: 683]
وقد كانت عائشة -رضي الله عنها- حريصة على تأصيل هذا المفهوم في نفوس بعض أهلها ومن يسألها، قضية أن الإنسان لا ينتقل إلى تعلم شيء جديد إلا بعد أن يعمل بما علم، لا يستكثر من المعلومات دون عمل، فعن عطاء: “كان فتى يختلف إلى أم المؤمنين عائشة، فيسألها وتحدثه، فجاءها ذات يوم يسألها فقالت: يا بني، هل عملت بعد بما سمعت مني؟ فقال: لا والله يا أمه، فقالت: يا بني فبما تستكثر من حجج الله علينا وعليك؟” [اقتضاء العلم العمل، ص: 60].
عباد الله، لقد حصلت البركة عند الأولين لأنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات من القرآن حفظا حتى يعملوا بما فيها، كما جاء في كتاب اقتضاء العلم العمل.
[اقتضاء العلم العمل،للخطيب البغدادي؛ أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر، المعروف بالخطيب، المحقق: محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي، سنة النشر: 1404 – 1984، الطبعة 5،ص: 36].وهذه عبارة مهمة جداً جدا من السلف الصالح: (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، وكنا نستعين في طلبه بالصوم، نصوم حتى نطلب العلم، ما ننشغل بطعام وشراب في طلبه، ونستعين على حفظه بالعمل به). وترك العمل شيء قبيح، فعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه: (أن رسول الله ﷺ نظر إلى السماء يومًا، فقال: هذا أوان يرفع العلم، فقال له رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيب: يا رسول الله يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب؟ فقال له رسول الله ﷺ: إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة، ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله” من أسباب التحريف الذي أصابهم ورفع العلم من بين أظهرهم: أنه لم يعملوا بما علموا، وبما آتاهم الله، “ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، فلقيت شداد بن أوس فحدثته بحديث عوف بن مالك فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت: بلى، قال: الخشوع حتى لا ترى خاشعًا).
[رواه أحمد: 23990، وقال محققو المسند: “حديث صحيح، وهذا إسناد قوي]..عباد الله، إن من حكمة الله عز وجل في جعل القرآن ينسى سريعًا؛
1 – لأجل أن يحرص القارئ على تعاهده وكثرة تلاوته، فيحصل له الأجر، ويزداد ثوابا وارتباطا دائما بكلام الله.
2 – وليكون هذا امتحان واختبار من الله عز وجل فيمن هو حريص على كتاب الله،أو ليس بحريص.فأوصي إخواني وأخواتي الذين منَّ الله عليهم بحفظ القرآن أن يتعاهدوه ويكثروا من قراءته.
عباد الله، إن تطبيق ما سبق ذكره من إخلاص النية لله، وحفظ القرآن كله، وتعاهده، لا يكفي لحصول المؤمن والمؤمنة على درجة الخيرية بين الناس إن لم ينتقل من الصلاح إلى الإصلاح، من أن يبقى لازما إلى الانتقال إلى أن يصبح متعديا نافعا لغيره، ليكون مدرسة قرآنية متنقلة عبر الأجيال، وهذا هو ما ربى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته رضي الله عنهم، وسار على نهجه السلف الصالح، إذ ليس من الضروري أن أكون محفظا للقرآن حتى أختمه مرات عديدة، أو ختمة واحدة، بل يكفي أن أُحفّظ غيري ما حفظته من سور وآيات، لهذا على شيوخ القرآن أن يشجعوا طلبتهم على ممارسة عملية التحفيظ فيما حفظوه ليندرجوا جميعا ضمن بشرى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
[أخرجه أحمد (1/69، رقم 500)، والبخاري (4/1919 ، رقم 4739)، وأبو داود (2/70، رقم 1452)، والترمذي (5/173 ، رقم 2907) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (1/76، رقم 211)، وابن حبان (1/324 ، رقم 118)].وتحفيظ الغير للقرآن من الوسائل الأساسية التي جعلها الله لتثبيت المحفوظ وعدم تفلته طول الحياة، فقد أثبتت التجربة الميدانية أن نسبة الاحتفاظ بالمعلومة بمختلف طرق التعليم، في الاستماع لمحاضرة 5 بالمائة، أما عن طريق القراءة ف10 بالمائة، بينما إذا تم العرض السمعي البصري ف20 بالمائة، وإذا كان التوضيح العملي ف30 بالمائة، وإذا كانت مجموعات نقاشية ف50 بالمائة، أما الممارسة والتطبيق فيحتفظ الشخص بالمعلومة بنسبة 75 بالمائة، في حين إذا تم تعليم الآخرين ف90 بالمائة، فتعليم الآخرين هو أعلى وسيلة للاحتفاظ بالمعلومة، إذ تساعدك في حفظ 90 بالمائة مما تعلمته سابقا.
فنسأل الله أن يثبت القرآن في صدونا، وأن يجعلنا مدرسة قرآنية متنقلة عبر الأجيال، وأن نكون ممن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقف عند حدوده، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.