القرينة اللغوية
يحي ملوك
مقدمة:
لا يسع المرء حين يسبر أغوار الجملة العربية إلا أن يقف مشدوها أمام الأساليب العربية التي تتضمن ضربا من المعاني المقطوع به لاستيعاب المعنى. سأتطرق في هذه الورقة للقرينة التي تصاحب الجملة، وهي تتلبس أحيانا برداء صرفي و آخر نحوي و بلاغي. و للعلم فإنك تجدها في علوم أخرى كعلم أصول الفقه والقانون وما يتفرع عنه. وما يهمنا هنا هو ما يتصل بالجملة العربية من ناحية اللغة. ولعل القارئ اللبيب هو من يكتشفها في ثنايا الكلام الشفهي أو المكتوب. لذلك بات من الضروري طرح مجموعة من الأسئلة تكون مفاتيح لدلالات القرينة. ومن بين هذه الأسئلة: ما مفهوم القرينة؟ هل القرينة من مستلزمات الجملة، أي بدونها لا تصبح ذات جدوى؟ما أهمية القرينة في الجملة سواء الاسمية أو الفعلية؟ما أنواع القرائن المتاحة؟
مفهوم القرينة:
جاء في معجم المعاني أن القرينة تطلق على الملازم للشيء، وسميت الزوجة بالقرينة أي الصاحبة، وفي القانون: قرينة البراءة: الاستنتاج الذي يخلص إليه القانون لمصلحة المتهم وهو قضاء الحكم بالبراءة.وفي الفقه: ما يقترن بالشيء ليدل عليه.
القرينة اصطلاحا: يقول الشريف الجرجاني (1): “هو أمر يشير إلى المطلوب، وهي إما حالية أو معنوية أو لفظية.”
و إذا بحثنا عن مفهوم القرينة في اصطلاح النحاة فإننا نجده لا يبتعد عن معناه اللغوي فهي تشير إلى ذلك الترابط الذي يكون بين الكلمات مع بعضها بعض لبيان ما يوصل إلى المقصود من الكلام لفظا كان أم معنى ” (2).
القرينة اللفظية:
حينما نريد تمييز الفاعل عن المفعول به في جملة لا يستبين فيها الحركة الإعرابية، باعتبار أن الفاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، و المفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، لا بد أن ندقق في قراءة الجملة أولا، قراءة متناهية في التركيز ليزول الغموض و يتبين الهدف. و لنأخذ مثلا شاهدا على ما نقول:” قابلت هدى يسرى”. فهذه الجملة لا إشكال فيها في تمييز الفاعل من المفعول وذلك باعتبار أنه حين يكون الفاعل والمفعول به من جنس واحد أي الإناث فالفاعل يكون الأقرب إلى الفعل حيث إن هدى هي الفاعل و يسرى هي المفعول به. ومن هنا تكون الرتبة المحفوظة – كما يعبر النحويون – قرينة لفظية. إذن فلا بد من تقدم الفاعل على المفعول به والمعطوف على المعطوف عليه إلا في بعض الاستثناءات التي لا يقاس عليها.ونفس الأمر حينما يكون في الجملة التي تحتوي على الفاعل و المفعول به من جنس الذكور كقولنا: كافأ عيسى موسى. فعيسى هو الفاعل باعتبار وجوده مرتبا بعد الفعل مباشرة وموسى مفعول به.
لكن هناك تغير ما يقع حينما يختلف الجنسان اللذان لا يتبين الإعراب من فاعلها ومفعولها، لأنهما لا تظهر عليهما الحركة الإعرابية المعروفة، الضمة الظاهرة للفاعل والفتحة الظاهرة للمفعول به.في هذه الحالة لا بد من البحث عن القرينة وحدها التي تكشف عن الفاعل و المفعول به كقولنا: أفهمت يحيى لبنى. في هذه الجملة توجد قرينة لفظية وهي لصيقة بالفعل و تتمثل في تاء التأنيث الساكنة فيكون الفاعل هو لبنى وإن تأخر في الجملة وظهر في الترتيب الثاني بعد الفعل. و يكون يحيى هو المفعول به. وبذلك تكون الجملة خاضعة للقرينة اللفظية التي نستبين بواسطتها موقع الجملة من الناحية الإعرابية. وحين نتفحص جملة أخرى يتقدم فيها الفاعل على المفعول به في قولنا: قابلت ليلى مصطفى. فالقرينة اللفظية المتمثلة في تاء التأنيث الساكنة هي الدالة على الفاعل بالرغم من أنها هي القريبة من الفعل.
القرينة اللفظية في الحركة الإعرابية:
ويتعلق الأمر بالقرينة التي تكمن في الحركة الإعرابية التي تصيب الصفة داخل الجملة. كقولنا: استقبل صديقي الفاضل عمي. في هذه الجملة لكي يتبين لنا إعرابها على الوجه الصحيح فإن المفتاح في الجملة هو الصفة التي تتبع الموصوف. والصفة في المثال هي “الفاضل ” فإذا جاءت مرفوعة أو رفعناها فهي تتبع ” صديقي ” في الإعراب أي تكون مرفوعة حينها يكون ” صديقي ” هو الفاعل. أما إذا كان ” الفاضل ” منصوبا فإن ” صديقي ” هو المفعول به و بذلك نكون قد كشفنا عن موقع الفاعل والمفعول به في الجملة.
قرينة التضام:
تعتمد التآليف النحوية نسقا تراتبيا في تكوين وحداتها سواء داخل الجملة الاسمية أو الجملة الفعلية. فالفعل يستدعي الفاعل في الجملة كما يستدعي المبتدأ الخبر في الجملة، ونفس الأمر يجري على المضاف والمضاف إليه….لذلك اصطلح على هذا الاعتماد بمصطلح ” التضام “. وقد فطن إلى هذا التضام بين المسند والمسند إليه حيث قال سيبويه (3):” وهما ما لا يَغْنَى واحدٌ منهما عن الآخر، ولا يَجد المتكلّمُ منه بداً. فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبنىُّ عليه. وهو قولك عبدُ الله أخوك، وهذا أخوك.
لذلك نستشف من هذا أن هناك ترابطا بينهما في الجملة، يتشكل بموجب ذلك الترابط معناها.
قرينة الأداة:
تعتبر هذه القرينة الأصل الذي تبنى عليه الأساليب النحوية. علاوة على كونها تمثل وظيفة الربط بين أجزاء الجملة. فالحرف لا معنى له بمفرده بل يكون له معنى مع غيره.وقد أشار الزجاجي (4) بأهمية الأداة حيث جعلها تفوق أهمية الإعراب بقوله: ” الإعراب يسقط في الوقف فيسقط الدليل، فجعل الفرق باللام لئلا يزول في وصل ولا وقف، فكان أبين دلالة مما يدل في حال ويسقط في حال”
ومن الأداة القرينة التي يحدث فيها إشكال في استخراج المعنى لام الاستغاثة. فلام الاستغاثة نوعان: لام الاستغاثة به و لام الاستغاثة من أجله. و بالمثال يتضح المقال كقولك: يا لزيد لعمرو. في المثال لامان. اللام الأولى مفتوحة واللام الثانية مكسورة. فاللام المفتوحة تعني أنك تستغيث بزيد، وأما اللام المكسورة فانك تستغيث من أجل عمرو.
قرينة المطابقة:
مباني التصريف يتحول فيها التعبير من الشخص المقصود به المتكلم، أو العدد ويدخل فيه الإفراد و التثنية والجمع، أو النوع – ونعني به التذكير والتأنيث- أو التعيين و يدخل فيه التعريف و التنكير. فالتطابق قد يلحق العلامة الإعرابية في الاسمين و المضارعين. و لذلك يقول الدكتور تمام حسان(5):” فالمطابقة توثق الصلة بين أجزاء التركيب التي تتطلبها و بدونها تتفكك العرى “. و يسوق الكاتب نفسه في المرجع ذاته:”
1- تركيب صحيح المطابقة = الرجلان الفاضلان يقومان.
2- مع إزالة المطابقة في الإعراب = الرجلان الفاضلين تقومان
3- مع إزالة المطابقة في الشخص =الرجلان الفاضلان تقومان.
4- مع إزالة المطابقة في العدد = الرجلان الفاضل يقومون.
5- مع إزالة المطابقة في النوع = الرجلان الفاضلتان يقومان.
6- مع إزالة المطابقة في التعيين = الرجلان فاضلان يقومان.
7- مع إزالة المطابقة في جميع ذلك = الرجلان فاضلات أقوم.
لذلك نجد في الأمثلة التي ساقها المؤلف في إزالة المطابقة تدمر تركيب الجملة، و تشتت العلاقة بين الكلمات و انحلال الروابط فيها. فإذا قمنا بتصحيح هذا الارتباط فإننا نكون حتما أمام قرينة لفظية اسمها المطابقة.
القرينة العقلية:
قد تعترضنا أحيانا جمل لا تتوفر على قرينة لفظية تساعدنا على تفحص الجملة و تمييز فاعلها من مفعولها كقولنا:” قرأ مقالي أخي “. في هذه الجملة هناك قرينة عقلية نتبينها حينما نسائل أنفسنا عن ” مقالي ” باعتبار موقعه في الجملة الأقرب إلى الفعل. هل هو كائن بشري يقرأ، طبعا لا يقرا ونصرف فعل القراءة إلى أخي باعتباره الفاعل الذي لا شبهة فيه، وتكون كلمة “مقالي” مفعولا به.
القرينة المعنوية:
يقول عز من قائل في سورة النساء آية 36: (( واعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا و بالوالدين إحسانا )) يقول الدكتور فاضل صالح السامرائي (6): ” فإنه لا يصح عطف الوالدين على قوله ” لا تشركوا به شيئا ” لأن المعنى لا يصح فلا بد من تقدير ما يقتضيه المعنى نحو ( وأحسن بالوالدين )”.
القرينة الصوتية:
أحيانا يكون الصوت مميزا للجملة ومعربا عن فحواها. فمثلا قولك: “هو كاتب”. لا تستطيع فهم فحواها إلا بسماعها. فالصوت الصادر عن النطق بالكلمات المكونة للجملة يكشف المعنى الحقيقي لها. فإذا قالها القائل بصيغة الاستفهام أو بصيغة المدح أو بصيغة الإخبار أو بصيغة الذم فإن الصوت هو القرينة التي يتجلى فيها المعنى الحقيقي للجملة المعبر عنها.
خاتمة:
هذه القرائن التي تتبعناها بالشرح و التحليل ضرورية لاستيعاب مضامين النحو والصرف على مستوى التركيب اللغوي في ثنايا الكلمات. فالقرائن تأسيس معرفي مهم أثله علماؤنا الأفذاذ خدمة للغة العربية لتكون نبراسا يستضيء به كل من أراد ملامستها من قريب وبأي مستوى، قاصدا التعمق فيها، خدمة للقرآن الكريم وسنة نبينا صلى الله عليه و سلم وتحقيقا لمقاصدهما الكبرى.
والحمد لله رب العالمين
المراجع:
- التعريفات ص 155
- نظرية القرائن في التحليل اللغوي خالد بسندي، في كتاب تحولات الخطاب النقجي العربي المعاصر، عالم الكتاب الحديث النشر والتوزيع، الاردن، الطبعة 1 ص 696.
- الجزء 1ص23 – الكتاب لسيبويه – هذا باب المسند والمسند إليه – المكتبة الشاملة
- ص99 – كتاب اللامات – باب لام المضمر – المكتبة الشاملة
- في كتاب: اللغة العربية معناها ومبناها، الطبعة 1994، الدار البيضاء ص 213
- في كتابه: الجملة العربية والمعنى، الطبعة الاولى السنة 1431 – 2000 دارابن حزم، بيروت، لبنان ص 62