منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اعتبار محفظة التأمين محفظة تعاونية(2) التأصيل الشرعي للتأمين التكافلي

الدكتور أحمد الإدريسي

0

اعتبار محفظة التأمين محفظة تعاونية(2) التأصيل الشرعي للتأمين التكافلي

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

 

تطبيق صيغة الوقف على التكافل (1)  التأصيل الشرعي للتأمين التكافلي

 

قبل مناقشة الصيغة الثانية، يجمل بنا أن نوضح بعض القضايا الأساسية المرتبطة بالصيغة الأولى؛ “تطبيق صيغة الوقف على التكافل”.

أولا: قضايا فقهية مرتبطة ب “تطبيق صيغة الوقف على التكافل”.

1- انتفاع الواقف بوقفه:    

يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه إن كان الوقف عاما أو اشترطه لنفسه مع الآخرين. والدليل ما روي عن عثمان رضي الله عنه، قال: (هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يُستعذب غير بئر رومة، فقال: “من يشري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة”، فاشئتريتها من صلب مالي فجعلت دلوي فيها مع دلاء المسلمين)[1]. ووقف سيدنا عثمان رضي الله عنه بئر رومة، ومن شروطه التى نصّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يشئتري بئر رومة فيجعل دلوه كدلاء[2] المسلمين).

وقد عقد الإمام البخاري بابين لبيان المسألة، أحدهما لجواز انتفاع الواقف بوقفه بدون شرط إذا كان الوقف عاما، فقال:”باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟” وباب آخر لجواز اشتراط الانتفاع، فقال: “باب إذا وقف أرضا أو بئرا، واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين”. وأوقف أنس دارا، فإذا قدمها نزلها)[3].

بناء على هذه الأدلة وبعض آثار الصحابة ذهب الحنفية والحنابلة إلى الواقف يجوز له أن يشترط الانتفاع بوقفه لنفسه. ف”إذا وقف أرضا أو شيئا آخر وشرط الكل لنفسه أو شرط البعض لنفسه ما دام حيا، وبعده للفقراء، قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: الوقف صحيح”[4]. وفي هذا ترغيب للناس فى الوقف. وفي المغني لابن قدامة: (وجملته إذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه صح الوقف والشرط. نص عليه أحمد)[5]. ويقول المرداوي رحمه الله تعالى: (وإن وقف على غيره واستثنى الأكل منه مدة حياته صح. هذا المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب)[6].

فإذا قال: صدقة موقوفة لله تعالى تجري غلتها عليّ ماعشت، ولم يزد على ذلك، جاز. وإذا مات تكون للفقراء. ولو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة تجري غلتها عليّ ماعشت، ثم بعدي على ولدي، وولد ولدي ونسلهم أبدا ما تناسلوا، فإن انقرضوا فهي على المساكين جاز ذلك).

إن الوقف صحيح، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية[7]. والإمام أحمد[8]. والإمام الشافعي في أحد قوليه. والمالكية، قال في المدونة: (قال ابن القاسم: قال مالك: إذا تصدق الرجل بداره عىل رجل وولده ما عاشوا ولا يذكر لها مرجعا إلا صدقة هكذا إلا شرط فيها فيهلك الرجل وولده)[9].

أما الشافعية فلا يجوز عندهم مثل هذا الشرط، ولكن إذا كان الوقف لنوع هو داخل فيه، يجوز له الانتفاع عندهم أيضا. قال الكوهجي رحمه الله تعالى : “للواقف أن ينتفع بوقفه العام، كالصلاة بمسجد وقفه. ويستثنى من عدم صحة الوقف على النفس مسائل منها لو وقف على العلماء ونحوهم كالفقراء واتصف بصفتهم، أو على الفقراء ممن افتقر، أو على المسلمين، كأن وقف كتابا للقراءة أو قدرا للطبخ أو كيزانا للشرب منها، فله الانتفاع معهم، لأنه يقصد نفسه)[10].

2- وقف النقود:

ذهب الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة إلى جواز وقف النقود. وطريقته؛ أن تدفع نقود الوقف مضاربة، ويصير الربح الحاصل منها إلى الموقوف عليهم حسب شروط الوقف. قال ابن الهمام رحمه الله: (وعن الأنصاري -وكان من أصحاب زفر- فمن وقف الدراهم أو الطعام أو ما يكال أو ما يوزن أيجوز ذلك؟ قال: نعم! قيل: وكيف؟ قال: يدفع الدراهم مضاربة، ثم يتصدق بها على الوجه الذي وقف عليه)[11].

وذهب المالكية إلى جواز وقف الدراهم والدنانير لأجل الإقراض، وحكى البعض عنهم جوازه لأجل الاستثمار بأن يكون الربح للموقوف عليهم، ورُوي مثله عن بعض الحنابلة[12]. وقد عقد الإمام البخاري بابا لجواز وقف المنقولات، وبدأه برأي الإمام الزهري في جواز وقف النقود، قال: (وقال الزهري فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله ودفعها إلى غلام له تاجر يتجر بها وجعل ربحه صدقة للمساكين والأقربين، هل للرجل أن يأكل من ربح تلك الألف شيئا وإن يكن جعل ربحها صدقة في المساكين؟ قال: ليس له أن يأكل منها)[13]. وهذا يدل على أن مذهب البخاري جوازه.

وقال العلامة التهانوي رحمه الله تعالى: (إن الآثار دالة على صحة وقف المنقولات من الكراع والسلاح، فيلحق به ما في معناه من المنقولات، وتحبس الأصل والانتفاع بالثمرة فى كل شيء بحسبه، فتحبس الدراهم والدنانير أن لا تباع ولا توهب ولا تورث بل يتجر بها، والتجارة إتلاف صورة وإبقاء معنى كما لا يخفى، فأشبه بيع الفرس الحبيس فى سبيل الله إذا كبر ولم يمكن القتال عليه، ليشتري بثمنه آخر مكانه)[14].

والحاصل أن وقف النقود يصح عند جماعة من الفقهاء. وتبقى النقود الموقوفة مشغولة في التجارة لا يصرف منها شيء على الموقوف عليهم، وإنما يصرف عليهم ما يكسب الوقف من أرباح، وكذلك ما يتبرع به للوقف فإن؛ “التبرعات للوقف لا تصير وقفا”، كما ورد عند كثير من الفقهاء.

3- لا بد فى الوقف أن يكون لجهة لا تنقطع:      

لابد  للوقف أن يصرف في النهاية إلى جهة غير منقطعة مثل الفقراء. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وجملة ذلك أن الوقف الذي لا اختلاف فى صحته ما كان معلوم الابتداء والانتهاء، غير منقطع، مثل أن يجعل على المساكين أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم. وإن كان غير معلوم الانتهاء مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة و يجعل آخره للمساكين، ولا لجهة غير منقطعة فإن الوقف يصح وبه قال مالك  وأبو يوسف والشافعي في أحد قوليه، وقال محمد بن الحسن؛ لا يصح، وهو القول الثاني للشافعي) [15].

ومعنى ذلك أنه ينصرف فى النهاية، وبشكل تلقائي، إلى جهة غير منقطعة، كأن الواقف عيّنها تقديرا بحكم العرف.

4- ما يتبرع للوقف ليس وقفا، بل هو مملوك للوقف: 

ما يتبرع به للوقف لا يكون وقفا، وإنما هو مملوك للوقف يصرف للموقوف عليهم ولمصالح الوقف. فإذا أعطى رجل درهما في عمارة المسجد أو نفقة المسجد أو مصالح المسجد صح، لأنه وإن كان لا يمكن تصحيحه وقفا يمكن تصحيحه تمليكا للمسجد، فإثبات الملك للمسجد على هذا الوجه صحيح، فيتم بالقبض[16].

ومما ورد فى مجموع النوازل: (سئل شيخ الإسلام أبو الحسن عن رجل قال: وقفت داري على مسجد كذا، ولم يزد على هذا وسلمها إلى المتولي صح… ثم قال: “وعلى هذا يكون تمليكا للمسجد وهبة فيتم بالقبض، وإثبات الملك للمسجد يصح على هذا الوجه فإن المتولي إذا اشترى من غلة المسجد دارا للمسجد يصح، وكذا من أعطى دراهما لعمارة المسجد أو نفقة المسجد أو مصالح المسجد يصح، وكذا إذا اشترى المتولى عبدا ليخدم المسجد، يصح كل ذلك فيصح هذا بطريق التمليك بالهبة، وإن كان لا يصح بطريق الوقف)[17].

  ثانيا: اعتبار محفظة التأمين محفظة تعاونية: 

الصيغة الثانية للتكييف الشرعي  الذي… ، هي أن؛ تعتبر محفظة التأمين محفظة تعاونية تهدف إلى تعويض أضرار المشتركين، وتعتبر المبالغ المدفوعة إليها من قبل المشتركين تبرعا مطلقا باتا غير مشروط بشيء، بحيث تخرج عن ملك المتبرعين فلا تجب فيها الزكاة ولا يجري فيها الميراث، ولا يستحقون استرجاعها، وتصير مملوكة للمحفظة ملكا تاما تتصرف فيها المحفظة حسب لوائحها ونظمها، وحينئذ فلا داعي للمتبرعين لها أن يكون بينهم وبين المحفظة عقد يستحقون التعويضات بموجبها، وإنما يتبرعون لها تبرعا باتا بدون أي شرط. ثم إنهم يستحقون التعويضات عند وقوع الأضرار بحكم لوائح المحفظة، لا بموجب عقد تعاقدوه معها. وبما أن المحفظة تتصرف في ملكها كيف شاءت، فإنه يجوز لها أن تنص في لوائحها أنها سوف توزع جزءا من فائضها إلى المتبرعين، علاوة على تعويضهم عن الأضرار.

ولكن هذا التكييف إنما يصح إذا كانت هذه المحفظة لها شخصية معنوية معتبرة شرعا وقانونا، فيصح منها التملك والتمليك. أما في نظام التكافل المعمول به اليوم، فإن هذه الشخصية المعنوية غير واضحة، لأن محفظة التأمين في شركات التكافل ليس لها وجود قانوني منفصل عن الشركة ، وإنها تشبه مجموعة أموال أفرزها أصحابها لغرض معيّـن، وإنها لا تكسب شخصية مستقلة بمجرد هذا الإفراز. من ئم يجب أن تكون لهذه المحفظة صفة خيرية أو تعاونية معتبرة، حتى نستطيع القول بأن ما يدفع منها إنما يدفع على أساس التعاون دون المعاوضة. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى أن تكون هذه المحفظة على أساس الوقف، فإن الوقف له شخصية اعتبارية في كل من الشريعة والقانون، ثم إن الوقف يجوز فيه من الشروط ما لا يجوز في غيره، فالمجال فيه أوسع بالنسبة إلى الهبة والتزام التبرع.


[1] – سنن النسائي، كتاب الأحباس، باب وقف المساجد، حديث: 3733.

[2] – دلاء: جمع دلو.

[3] – صحيح البخاري؛ كتاب الوصايا.

[4] – يُنظر: شرح فتح القدير. ج:6 / ص: 225.

[5] – المغنى. لابن قدامة. ج:8 / ص:  193 .

[6] – الإنصاف. ج:7 / ص: 18.

[7] – المبسوط للسرخسي. ج:13 / ص: 41.

[8] –  المغني. ج:8 / ص: 211.

[9] –  المدونة. ج:6 / ص: 101.

[10] – زاد المحتاج. ج:2 / ص:420.

[11] – فتح القدير، ج:6 / ص:19.

[12] – مواهب الجليل. ج:6 / ص:21 ، والدسوقي على شرح مختصر خليل. ج: 4 / ص:77 .

[13] – صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت.

[14] – إعلاء السنن، للعلامة التهانوي. كتاب الوقف. ج: 13 / ص:165.

[15] – المغنى لابن قدامة. ج:6  / ص:214.

[16] – للتوسع أكثر؛ يُنظر: الفتاول الهندية، كتاب الوقف، الباب الحادل عشر. ج:2/ص:460.

[17] – مجموع النوازل والحوادث والواقعات. للشيخ أحمد بن موسى الكشني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.