منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 السحرةُ المُعلمون..

 السحرةُ المُعلمون../ محمد أبرعوز

1

 السحرةُ المُعلمون..

بقلم: محمد أبرعوز

كلما قرأت قصة سحرة فرعون في القرآن الكريم، أقف لهم إجلالا، وأصمت في حضرتهم تهيبا.. رجال من حاشية فرعون، موعودون بمزيد أجر و كبير زلفى من رب مصر الأعلى، حظوات يسيل لها اللعاب..!

يدركون تماما وجهه الآخر المخيف،الذي ” يحيي ويميت بفهمه وزعمه”، ومع كل ذلك  وفي رمشة عين يباشر الإيمان بشاشة قلوبهم ،ويُخضعون أنانيتَهم للحق حين بدا وظهر، لم يكابروا،لم يجادلوا، لم يبرروا،لم يكذبوا…وقد كان كل ذلك ،وغيره ،كفيلا بأن يحفظ سمعتهم وهيبتهم عند فرعون وحاشيته ومن حضر من المحشورين ضحى، خاصة وأن فرعون أول من يدرك في قرارة نفسه أنه كذاب، وأن موسى عليه السلام صادق، وهو أعرف الناس به، وقد تربى بين أحضانه… لقد كان فرعون،كغيره من الطواغيت المستبدين، يتمنى مجرد دعاية كاذبة تحفظ كبرياءه أمام القوم،وتسوق الوهم والدعاية المضلِّلة للشعب الذي استخف به واستضعفه،وتطيل حبل الكِذبة إلى أبعد نقطة ممكنة، وتؤخر وصوله الطرفَ الآخر حيث الحقيقة ،وحيث لا بد أن يصل، وحبل الكذب قصير..!

اختار السحرة طريق الوضوح والحقيقة، احترموا عقولهم وقلوبهم، اختاروا أن يكونوا قرابين الحقيقة،بدلَ أن يكونوا قتلتها..اختاروا الباقية بدل الفانية، اختاروا أعالي التاريخ بدل المزبلة..!

السحرة كانوا نموذج المثقف في مجتمع كان فيه السحر علم العلوم وأم الثقافات..نموذج الأقلام النظيفة التي تأبى أن تكتب زوراً بعد أن حصحص الحق،نموذج الإعلام النزيه الذي يتمنع عن التدجين والتطبيل إذ يرى أمامه المشهد ساطعا بالصوت والصورة..!
ما الذي أحدث هذا الانقلاب الجذري العنيف في قلوب هؤلاء السحرة الذين كانوا قبل قليل مقبلين غير مدبرين متحمسين واثقين في قدراتهم،( قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى)  لا مشكلة لديهم ،متأكدين،ككبيرهم، أن الأمر لا يعدو أن يكون جولة ،أو نزهة استعراضية أمام  جماهير مخدرة جيء بها للتهليل والتصفيق.؟
كيف تحول السحرة من متكسبين بسحرهم أُجَراء إلى أناس يشرون بأرواحهم الحقيقةَ غير نادمين ولا مستخسرين؟
ربما لم يجانب فرعون الحقيقة حين اتهم موسى بكونه الكبير الذي علمهم  السحر .. فكم يحتاج غير موسى عليه السلام  من دورات ،ومن محاضرات ،ومن أعمال تطبيقية كي يحدث هذه الطفرة في تفكير طلابه ومريديه وهذا الانقلاب في قلوبهم؟ ! وليس الأمر مجرد علم نظري يُحبَّر ويُحفظ عن ظهر قلب وكفى !إنه علم دونه النحور ،بل دونه الصلب في جذوع النخل والقطع من خلاف وأعْظِمْ بها وأبشِعْ من مُثلة !

ولك أيها القارئ العزيز ،أن تسقط المشهد على واقع مثقفينا وسياسينا وإعلاميينا اليوم،حيث فراعنة الداخل والخارج يزينون بهم الواجهات، ويروجون بهم للانبطاحات في صور الإنجازات المعجزات، ولظلمات الظلم الأسود والقوة الغاشمة في صورة فتوحات تهب العالمين أمناً مستحيلاً وسلاماً شجاعاً..

ولأن الحق خُلق من ذات الإله الحق الباقي، فإن أهله،على قلتهم،باقون في كل المواقع يقولون للباطل: مهما انتفشتَ،مهما علوتَ، مهما تناسلتَ،فإنك إلى زهوق.. !والتاريخ معي..!ووعد الحق للحق بالعاقبة الحسنى معي..!فلْتنتظر إني معك من المنتظرين.. !

والسلام على عباد الله المصلحين…!

 

تعليق 1
  1. العربي يقول

    مقال غاية في الروعة ووصف للواقع استنادا إلى القرآن الكريم الصالح فعلا لكل زمان ومكان. إن فيه حقا لآيات لكل الاقوام. افلا يتدبرونها !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.