منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فقه التاريخ ضرورة علمية|الحلقة الخامسة: سلسلة فقه التاريخ

الدكتور محمد اللياوي

0

فقه التاريخ ضرورة علمية|الحلقة الخامسة: سلسلة فقه التاريخ

الدكتور محمد اللياوي

فقه التاريخ ضرورة علمية تحتاج إليها كل دعوة تسعى إلى التغيير وتطمح لأن يحل العدل محل الظلم، والسلم محل الحرب، والأمن مكان الخوف، والشورى والحرية عوض الاستبداد.

1) الفهم الصحيح للتاريخ شرط للعلاج والتغيير

لا مستقبل لأمة لا تاريخ لها، أو لدعوة لها تاريخ لا تفقه سننه وقوانينه. فإن كان خبر “لا حكيم إلا ذو تجربة” (1) يحق على الأفراد، فمن باب أولى يصدق أيضا على الدعوات والأمم التي تنظر إلى تجاربها، بخطئها وصوابها، بعين متفحصة معتبرة لا شك أنها تكون أكثر حكمة وأوسع أفقا. لذا كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين يكون “مشروع الإعلاميين في عصرنا محدود الأفق إن لم نتفقه في تاريخنا” (2)

2) فقه التاريخ استكشاف لعوامل الانحطاط

كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير بينما كان الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن الشر مخافة أن يدركه (3). وقياسا على ذلك لابد لنا أن نستكشف موارد الشر لنتجنبها ومكامن الضعف والخلل لنتجاوزها. أخطاؤنا قوة لنا إن نظرنا إليها بعين الاستفادة والاعتبار، لا بعين اليأس والاجترار. وتاريخنا جزء من كياننا لا ننكره بل نعتز بصمود المسلمين أمام موجات حاملي السيف، وبما حققه المسلمون رغم فساد القمة. (4)

فقه عوامل الإنحطاط مفتاح للمستقبل على منهاج النبوة وجلاء عين وتحرير عقل. (5)

3) فقه التاريخ إستعداد لمولود الله

تاريخ الإسلام، وهو تاريخ الأنبياء وتاريخ النبوة والخلافة الراشدة، كله عبر وعظات ومواطن تبعث على الفخر والقوة. وتاريخ المسلمين، بأخطائه، لم يخل من محطات عظيمة تستدعي منا الإعتبار والوقوف لاستخلاص الدروس والعبر، كمحطات قومات آل البيت، وعهد عمر بن عبد العزيز المزدهر، وعصر المحرر صلاح الدين الأيوبي، وغيره من رجالات الإسلام وعظماء الأمة الذين نعتز بهم رغم فساد النظام العام للأمة.

هذه المحطات جاءت على إثر انحطاط الأمة وتدهور أوضاعها السياسية، لكنها لم تستسلم لدواعي الخمول واليأس ونهضت من تحت الرماد فأيقظت جذوة الجهاد والتغيير، وكان لها في تاريخ أمتها عوامل نهوض وقوة أدركتها فنالت ما نالته من عزة ونصر وتمكين.

ونحن على منوالهم مطالبون بفهم التاريخ بدل تمنية النفس بالأحلام والأماني، أو «ننتظر انهيار المعتدي بفعل سحر خفي! يجب أن نفهم ونتحرك. علينا فهم التاريخ والاستعداد لموعود الله بالشرط المذكور في لقرآن: {وَلَا تهِنُوا وَلَا تَحْزَنوُا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{ [آل عمرن/139، 140].(6)

4) فقه التاريخ معين على فهم الحاضر

فقه التاريخ يكسبنا ملكة قياس الأشباه والنظائر بناء على منهاجه القرآني النبوي في تحليل الوقائع وتفسير الحوادث. تلك الملكة تعيننا على تشخيص الداء وفهم سليم لواقع الأمة، ومن ثمة حسن توصيف الدواء. كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلوُبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة / 118].

5) فقه التاريخ ضروري لمعرفة الأعداء

فقه التاريخ نبصر من خلاله ما حيك بالأمة من مؤامرات وكيد لها من مكائد ودس لها من دسائس في الخفاء منذ فجر الإسلام، بل قبل ذلك مع أنبياء لله ورسله. معرفة كيف يفكر أعداء الإسلام، وكيف يخططون وكيف يمكرون مسألة حياة أو موت نستطلعها من تاريخ الصراع بين الأمة وأعدائها، ومن سنن التدافع بين الحق والباطل.

أرشدنا الحق سبحانه في كتابه العزيز إلى معرفة أعدائنا كي نتجنبهم ولا نتبع سبيلهم ولا نقع في شراكهم، بَدءا بالشيطان الرجيم الذي قال فيه تعالى: {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونوُا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر/ 6]، ثم اليهود لما اشتهروا به من حقد وضغائن للذين آمنوا منذ البعثة إلى يومنا هذا، فقال جل من قائل: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاَّوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَيَهُودَ} [المائدة / 82] وأضاف إليهم {وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} في زمن البعثة وفي سائر الأزمان. ورغم أن النصارى شهد لهم القرآن زمن النبوة بقربهم من المؤمنين في قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة / 82].، غير أن من جاء بعدهم خاصة الصليبيين منهم انحرفوا عن هذه الشهادة وعادوا المسلمين واغتصبوا ديارهم وأراضيهم ودنسوا مقدساتهم وتحالفوا ضدهم مع اليهود ألد أعدائهم بالأمس. ثم المنافقون المخذولون وخطرهم على الأمة أكبر لعيشهم بين ظهرانيها يكشفون عوراتها لأعدائها يبثون بذور الوهن بين صفوفها، وهم موجودون في كل زمان. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة / 14، 15].
فاستطلاع المسار التاريخي للاستراتيجية المضادة من قبل أعدائنا وأعداء الأمة ضروري لتخطي العراقيل وتجاوز المعوقات. (7)

خلاصة:

فقه التاريخ ضروري لأنه مطلب شرعي للقرآن والسنة حينما يحثان على التدبر والاعتبار بأحداث الأمم السالفة وما يترتب على ذلك من توجيه وإرشاد إلى ما يحكمها من سنن وقوانين، ثم لأهميته التربوية المقتبسة من القدوات والأسوات الحسنة. وهو ضروري أيضا لأنه حكمة عقلية بشرية اهتدت إليها العقول الرشيدة فصارت ملكا مشاعا لبني البشر، ولأهميته التعليمية من خلال إدراك سنن الله في التاريخ، والاطلاع على معالم تاريخ الإنسانية. ثم هو أيضا ضرورة عملية يتوقف على فهمنا الصحيح له مطلب العلاج والتغيير، يعيننا على استكشاف مكامن الضعف والخلل فينا لنتجاوزها، ويبحث عن مواطن القوة لنتمثلها، كما يبصر هذه الأمة بأعدائها وخططهم وطريقة تفكيرهم لتحترس منهم


(1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد – ج1/ ص199
(2) نظرات في الفقه والتاريخ، ص32
(3) أنظر حديثه في جامع الأحاديث لجلال الدين السيوطي،ج34/ ص266
(4) تنوير المؤمنات، ج1/ ص34
(5) تنوير المؤمنات، ج1/ ص35
(6) الإسلام والحداثة، ص 84
(7) الإسلام والحداثة، ص 84 (بتصرّف)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.