من أصول العمل الخيري الإسلامي”خيرية عثمان بن عفان رضي الله عنه أنموذجا”
من أصول العمل الخيري الإسلامي"خيرية عثمان بن عفان رضي الله عنه أنموذجا"/ لخضر حمادي
من أصول العمل الخيري الإسلامي
“خيرية عثمان بن عفان رضي الله عنه أنموذجا”
بقلم: لخضر حمادي
الخيرية والنفع والتعاون والإغاثة والصدقة والبر وما في ركابها من معان إنسانية عميقة هي أخلاق غرسها الإسلام وحرص على تنميتها وتوجيهها، كيف لا وعنوان البعثة النبوية إتمام مكارم الأخلاق. هذا الحرص على الأخلاق والخيرية تتلبس به معاني الآيات الكريمة ويُعتبر من صلب مقاصد القرآن الكريم، وقد ترجمت السنة النبوية هذا الحرص من خلال النموذج النبوي الكامل خُلقا وخيرية صلى الله عليه وسلم؛ ولقد بلغ من حرص الإسلام على الخيرية أن جعلها من صميم التعليل الفقهي الإسلامي، فكانت أساسا لإنتاج أحكام فقهية، ما يجعل الشريعة الإسلامية أخلاقية بامتياز على عكس ما يشاكس به بعض الباحثين من كون المنظومة الفقهية والأخلاق لا يترادفان؛ وليس هذا موضوع هذا المقال.
من نماذج التأسيس النبوي لقيم الخيرية والتراحم والصدقة والبر، حديث نبوي كريم، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيه: « على كل مسلم صدقةٌ، قالوا يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق، قالوا فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف »[1]، فجعل صلى الله عليه وسلم الصدقة والبر أمرا واجبا يستجاب له بكل ما يُستطاع من مال أو جهد أو خبرة أو غيرها.
ولقد أخذ الصحابة رضوان الله عليهم بحظ وافر من هذه المكارم، تعلما من المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان على خلق عظيم، وصفا ربانيا في كتاب الله الكريم، فكانوا منارات هدى في الباب، ولعل من المنارات المضيئة والنماذج الخيرية الكريمة، ثالث الخلفاء الراشدين وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، فما هي مظاهر هذه الخيرية؟
1ـ وقف بئر رومة
يُعتبر الوقف الإسلامي نموذجا شاهدا على خيرية الصحابة والمسلمين عموما، ووقف بئر رومة المشهور في التاريخ الإسلامي شاهد على خيرية عثمان بن عفان رضي الله عنه على الخصوص، فعن ثمامة بن حزن القشيري أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: من يشتري بئر رومة فيجعلَ دلوَهُ مع دِلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتَريتُها من صُلْبِ مالي»[2]، وفي رواية أخرى عند البخاري عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يحفر بئر رومة فله الجنة، فحفَرتُها»[3]
إن هذا الحدث يبين أهمية المسارعة لسد حاجة المسلمين، خاصة ما كان من الحاجات محتكرا غير متاح، هذه المسارعة عنوان خيرية أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بل حظ عليها ووعد عليها الجنة؛ كما أن لهذا الحديث قراءة أخرى مهمة في عصرنا مرتبطة بسلوك المتبرعين، فها هو الخليفة الثالث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُخبر بنفسه في الحديثين السابقين عما فعله، وهذا لا شك من الحض على الخير والدعوة إليه والمساهمة في التنافس على الخير بإعلانه وإشهاره.
2ـ توسعة المسجد النبوي
أخرج الترمذي في سننه وقال حديث حسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة، فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من صلب ماله فأضيفت للمسجد[4].
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شيد المسجدَ النبوي في السنة الأولى للهجرة، وظل على الحال التي أنشئ عليها إلى غاية السنة السابعة للهجرة، وبعد عودته من غزوة خيبر رأى أن المسلمين قد كثُروا، وأصبح المسجد لا يسعهم جميعا فعزم على توسعته، ورغَّب الصحابة إلى ذلك فكان أن قام لرغبته عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد قام رضي الله عنه في عام 29 للهجرة بتوسعة أخرى للمسجد ..
ومما يُستفاد من الحديث ارتباط العمل الخيري بأماكن العبادة للحاجة الشديدة والضرورة، وإن مما يمكن أن يوجه لبعض الأعمال الخيرية في زمننا من عتب، مبالغتُها في إنشاء المساجد في غير حاجة وضرورة ملحة، بالرغم من حاجة المستفيدين إلى غير ذلك من المشاريع الحيوية والتنموية، وليس هنا موضوع التوسع في هذه الملاحظة.
3ـ تجهيز جيش العُسرة
العُسرة الضيقُ، فقد كانت البلاد تعاني جدبا وقحطا لما بلغت المسلمين الأنباءُ أن الروم ولوا وجوههم قِبل الجزيرة العربية رغبة في العدوان، وكان ذلك في العام التاسع الهجري، فنادى صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتهيؤ للجهاد، وحض على التبرع، فقال صلى الله عليه وسلم: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهز عثمان الجيشَ[5].
وعند الترمذي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه، حين جهز النبيُّ صلى الله عليه وسلم جيش العسرة فصبَّها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل صلى الله عليه وسلم يُقلبها بيده ويقول: ما ضر عثمانَ ما عمِل بعد اليوم، يرددها مرارا[6]
وفي الحديث تأصيل المبادرة للمداهمات من الأمور وإغاثة الخلق مما يحيق بهم من طارئ، وهذا من أعظم ما تقوم به المنظمات الخيرية اليوم إغاثة للنازحين من حرب أو ضحايا فيضان أو غيرها.
4ـ تحرير عثمان بن عفان العبيدَ
أخرج ابن عساكر عن أبي ثور الفهري قال: قال عثمان رضي الله عنه:… ما مرَّ ت عليَّ جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة، إلا أن لا يكون عندي فأعتقها بعد ذلك[7]
لقد كان مقصد الحرية من أعظم مقاصد الإسلام، ولذلك حض الإسلام على تحرير الرقاب، وإن لتحرير الرقاب اليوم معنى مرتبطا بإغاثة الغارمين من قيد الديْن وأسره، وفك المسكين والمحتاج من أسر الحاجة والفاقة، وإطعام المسكين في يوم المسغبة، وهذه المعاني المرتبطة في كتاب الله تعالى.
خاتمة
عرف التاريخ الإسلامي نماذج رائعة من الخيرية والمبادرة للإغاثة والرحمة والصدقة والبر .. يشكل الصحابة الكرام منها منارات هدى ونماذج اقتداء.
إن العمل الخيري الإسلامي اليوم وهو يتطور وينفتح على أدوات ونظم اشتغال حديثة، (وهذا من السعي وراء الحكمة ومصادر القوة والرشد ينبغي الحرص عليه والإفادة منه) بحاجة ماسة للاسترشاد والاستمداد من تراثنا الإسلامي وتاريخنا الممتد ما يعطي العمل الخيري بركة الاستجابة للحض النبوي ويزكي النية ويحفز على الإقدام.
[1] أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة باب: على كل مسلم صدقة، رقم 1445 2/ 115
[2] أخرجه الترمذي في السنن، وقال حديث حسن، أبواب المناقب، رقم 627/53703
[3] أخرجه البخاري في صحيحه معلقا كتاب المناقب باب مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه 5/ 13
[4] أخرجه الترمذي في سننه، وقال حديث حسن، أبواب المناقب باب في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه رقم 627/53703
[5] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا باب إذا وقف أرضا أو بئرا، رقم 13/42778
[6] أخرجه الترمذي في سننه، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، أبواب المناقب رقم 626/53701
[7] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير باب سن عثمان ووفاته رضي الله عنه رقم 85/ 1 124