منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فريضة الوقت أم نافلة الحج

الدكتور محمد ياسر المسدي

0

فريضة الوقت أم نافلة الحج

بقلم: الدكتور محمد ياسر المسدي

قال الله تعالى: *وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا…* {آل عمران:97}.

فالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فضله عظيم، وثوابه كبير، ومن رحمة الله تعالى بعباده أن جعل فريضة الحج في العمر مرة واحدة على المستطيع، ولما سُئِل عليه الصلاة والسلام عن فريضة الحج أكلَّ عام ؟ قال: *لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم…..* “رواه مسلم “.

ولا خلاف في أن نافلة الحج لها أجر عظيم أيضاً وقد حث النبي صلى الله عليه و سلم على فعلها بقوله: *تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة و ليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة* “رواه الترمذي”.

والنوافل أقسام منها:

1- ما يخصُّ المرءَ الذي يؤديها بذاته، مثل نافلة الصلاة، والصوم، والأذكار… بمعنى أنَّ الإنسان إذا أداها كانت خيراً وثواباً له، لا يستفيد منها الآخرون بصفة مباشرة، ولا يتضررون من تركها بصفة مباشرة.

2- نوافل يتعدى بِرُّها وخيرها إلى الآخرين، مثل الصدقة والإحسان إلى الناس وأعمال الخير وصلة الرحم وعيادة المريض، فكلما أكثر المسلم منها كانت خيراً له ونفعاً لغيره.

3- نافلة لا تتعلق بذات المرء فحسب، بل تتعلق بالآخرين بسبب المزاحمة في المكان وغيره، ومن هذا القبيل حجة النفل، فإن الإنسان لا يحج بمفرده في الوقت الذي يريد، والمكان الذي يريد، لأن مشاعر الحج محدودة بمكان لا يمكن تجاوزه، وزمان محدود لا يتقدم ولا يتأخر.

لذا فإن هذه النافلة إن كان فيها تضييق على الحجاج الذين يؤدون فريضة الحج فإنه لا يصح أن تزاحم النافلة ُالواجبَ، وكذلك ربما يترتب على هذه النافلة مفسدة بتضرر الآخرين من شدة الزحام، فإن كانت مصلحة البعض أن يتنفل بالحج مرات، وكان من وراء ذلك مفسدة عامة للألوف من الحجيج كان الواجب منع المفسدة، وقد حذر الرسولُ صلى الله عليه و سلم عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه مِن أن يُزاحم الناس على الحجر لئلا يؤذيهم فقال له: *ياعمر إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إنْ وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله، فهَلِلْ وكَبرْ * “رواه عبد الرزاق في مصنفه والبيهقي”.

وأخرج الشافعي رحمه الله في مسنده عن منبوذ بن أبي سليمان عن أمه أنها كانت عند عائشة رضي الله عنها فدخلت عليها مولاة لها، فقالت له: يا أم المؤمنين طفت بالبيت سبعاً، واستلمت الركن مرتين، فقالت لها عائشة رضي الله عنها: *لا آجركِ الله، لا آجركِ الله، تدافعين الرجال، آلا كبَّرتِ ومررتِ* “رواه البيهقي وغيره”.

وهذا طبعا ليس خاصاً بالحجر، بل قاعدة عامة في كل ما يترتب عليه التضييق على الناس وإيذاؤهم.

وأمر آخر يتعلق بحجة النافلة، وهو أن النفقة فيها إن كانت تحجب عن مساعدة المحتاجين والمنكوبين فإن في أدائها نظر، وفرض الوقت مقدمٌ على نافلة الحج وغيرها من نوافل الصدقات.

أخي الحبيب، أختي المؤمنة:

ما دام هدفك طاعة الله تعالى والحصول على رحمته في أيام الحج عامة، وفي يوم عرفة خاصة، فقد جعل الله لك أبواباً من الخير لا تُعدُّ ولا تحصى، وربما حصلت فيها من الثواب والأجر أضعاف ما ستحصله في حجك.

ومن أعمال الخير:

-التزود من الطاعات في أيام العشر من ذي الحجة، يقول صلى الله عليه و سلم: *مامن أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام* يعني أيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: *ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء*”رواه البخاري “.

-صيام يوم عرفة يقول عنه صلى الله عليه و سلم: *يكفر السنة الماضية والباقية* ” رواه مسلم “.

يضاف إلى ذلك أنك لو تصدقت بالمبلغ الذي تريد أن تنفقه في حجة النافلة على الفقراء والمنكوبين من المسلمين وهم كثيرون في العالم الإسلامي يكون ذلك خيراً يضاف إلى خير.

ولقد أكد علماؤنا من السلف الصالح على هذه المعاني النبيلة من ذلك: سئل الإمام أحمد رحمه الله: أيحج نفلاً أمْ يصلُ قرابته ؟ قال: *إن كانوا محتاجين يصلهم أحبُّ إليَّ* “ذكره ابن مفلح في الفروع”.

ـ وروي عن الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله أنه خرج مع أصحابه لأداء الحج (حجة نافلة) فرأى امرأة تبحث في القمامة عن بقايا من طعام لتأكل وتطعم أولادها، فأعطاها النفقة التي جاء بها للحج وقفل راجعاً ولم يحج !! وهكذا فإن أداء حقوق أخوة الإسلام أعظم أجراً عند الله تعالى من نوافل العبادات من صلاة وصيام وحج… فهل يعي المسلمون هذه المعاني النبيلة ؟!!.

يا ترى لو تصدق إخواننا و أخواتنا الذين يُصرون على الذهاب إلى الحج كلَّ عام بالمبلغ الذي رصدوه لنفقة حجهم على المحتاجين والفقراء، ألا يكون ذلك أعظم أجراً، فالمآسي التي تتعرض لها الشعوب المسلمة اليوم كثيرة جداً ولا نعلم مأساة في العصر الحديث، حتى ولا في القديم مثل المأساة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني الأبيُّ العفيف.

كل ذلك يضعنا أمام مسؤولية ضخمة أمام الله تعالى، ثم أمام حقوق الأخوة في الإسلام التي أكَّد رسول الله صلى الله عليه و سلم عليها واعتبر كمال الإيمان بالقيام بها فقال: *لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه*.

فالله، الله، أيها المسلمون في إخوانكم المنكوبين في العالم الإسلامي، مثل: فلسطين،سوريا، العراق،اليمن بورما، الصومال…

إخواني و أخواتي، أيها المسلمون في كلِّ مكان، يا أمة الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر: إن الحاجة فوق الوصف، بل فوق الخيال!!! إنه يوم المسغبة الحقيقي الذي حثَّ ربنا تبارك وتعالى على الإنفاق فيه بقوله: *أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ{البلد:14} وتأملوا حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: **من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة*.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.