هل صيام ست من شوال مكروه؟
بقلم: د. عبد الله الجباري
من السنن النبوية المرغب فيها إتباعُ صيام رمضان بست من شوال، وتلقت الأمة هذه السنة بالقبول، وتلقاها الخلف عن السلف منذ قرون الإسلام الأولى إلى الآن، وكرهها الإمام مالك وأبو حنيفة، ولم تقبل الأمة ولله الحمد كراهيتهما تمسكا بالسنة.
لكن بعض الباحثين لا يترددون أن يثيروا النقاش حول هذه السنة كل شوال، ويحاولون ركوب الصعب والذلول لتضعيف الحديث ومناصرة رأي الإمام مالك، وهذا غريب جدا.
فما هي درجة حديث صيام ست من شوال؟ وما موقفنا من قول الإمام مالك؟
أولا: حديث صيام ست من شوال.
1- من الأحاديث المشهورة عند العامة والخاصة قول نبينا العظيم صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر، وروي هذا الحديث بألفاظ متقاربة.
وهذا الحديث رواه أبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وثوبان وأبو هريرة وابن عباس والبراء بن عازب كما ذكر الحافظ ابن حجر في تخريجه، وزاد الحافظ أحمد بن الصديق وذكر أنه مروي عن ابن عمر أيضا وغنام وشداد بن أوس وأوس بن أوس وأنس بن مالك.
وبناء على ما سبق، فالحديث متواتر، والمتواتر صحيح قطعا، ولا يمكن أن يتناوله أحد بالنقد أو النقض على مستوى المتن.
2-الحديث الذي رواه الإمام مسلم هو حديث أبي أيوب الأنصاري، وسنده هو [يحيى بن أيوب وآخران / إسماعيل بن جعفر / سعد بن سعيد بن قيس / عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي / أبو أيوب الأنصاري] مرفوعا.
وهذا الحديث حاول غير واحد الطعن فيه من جهة سعد بن سعيد، وقد اجتهدوا في إيراد قول مضعفيه ولم يوردوا قول موثقيه، وهذا تدليس في الصناعة الحديثية.
فسعد بن سعيد ضعفه الإمام النسائي والإمام أحمد، ولكن روى الإمام أبو داود هذا الحديث بنفس السند وسكت عليه، وما سكت عنه فهو صالح، وهو إما صالح للاحتجاج أو حسن، وهو مخالف للتضعيف، وأما الإمام الترمذي فقد روى حديثنا وقال عنه: حديث حسن صحيح، وهذه العبارة لا يقولها إذا كان سعد بن سعيد ضعيفا في نظره. ووثقه أيضا ابن سعد في الطبقات، وقال عنه الذهبي: صدوق.
وقد يورد أحد قول ابن حجر فيه: “سيء الحفظ”، وهذه العبارة لا تسقطه، وله في الصحيحين نظائر، منهم يحيى بن سليم الطائفي، قال عنه ابن حجر: صدوق سيء الحفظ، وهو من رجال الصحيحين.
وقال الحافظ أحمد بن الصديق عن سعد بن سعيد: “ثقة من رجال الصحيح، احتج به مسلم في صحيحه، فهو على شرطه، وقد وثقه جماعة، وكلام أحمد فيه لا يضر، لأنه من أجل خطئه لا من كذبه، وقد قال ابن حبان: لم يفحش خطؤه فلذلك سلكناه مسلك العدول”.
وعموما، فهو إن قبلنا تضعيفه، فهو مختلف فيه، وحديث المختلف فيه حسن لا ينزل إلى الضعيف المردود، وأمثال هؤلاء ينظر إليهم المحدثون بنظر مبني على السبر والتتبع، وقد يرتقي حديثهم في نقدهم إلى الصحة، وهذا ما وقع للإمام مسلم، فالحديث صحيح من هذا السند.
3- لنفرض أن الحديث ضعيف بسبب سعد بن سعيد، فهل تفرد به؟
قال الباجي: “وسعد بن سعيد ممن لا يحتمل الانفراد بمثل هذا”، والباجي قال هذا الكلام ليضعف الحديث نصرة للمذهب المالكي، ظنا منه أنه من أفراده، والباجي لم يكن من أهل التتبع والاستقراء، لأنه من فقهاء المحدثين أو محدثي الفقهاء.
أما المحدثون الحفاظ النقاد فتبين لهم أن سعدا بن سعيد لم يتفرد بروايته عن عمر بن ثابت، بل رواه عن عمر بن ثابت أيضا أخواه يحيى بن سعيد وعبد ربه بن سعيد ومحمد بن عمرو وصفوان بن سليم وزيد بن أسلم، ورواية صفوان لوحدها ذكرها المشاهير كالنسائي وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان وغيرهم.
وإذا افترضنا أن سعدا بن سعيد كان ضعيفا كما يجنح إليه محبو تضعيف الحديث، فإنه لم يتفرد به، ورواه معه غيره، فاعتضدت الرواية وارتقت إلى الصحة.
ولنفترض أن حديث أبي أيوب الأنصاري ضعيف بسبب سعد بن سعيد، فإنه يتقوى بأحاديث أبي هريرة وأنس وثوبان وجابر وغيرهم من المذكورين أعلاه، والمتواتر لا نحتاج إلى بحث اسانيده والوقوف عند رواته كما قرر ذلك المحدثون والأصوليون.
قال الإمام الطحاوي: “هذا الحديث مما لم يكن بالقوي في قلوبنا لما سعد بن سعيد عليه في الرواية عند أهل الحديث، ومن رغبتهم عنه، حتى وجدناه قد أخذه عنه من قد ذكرنا أخذه إياه عنه من أهل الجلالة في الرواية والثبت فيها، فذكرنا حديثه لذلك”.
وما قاله الطحاوي نعيده مقسما:
** الحديث لم يكن بالقوي في قلوبنا [طبعا، لأنه حنفي، وأبو حنيفة يقول بالكراهة].
** السبب هو سعد بن سعيد، وقد بيَن أن المحدثين يرغبون عن حديثه ولا يقبلون عليه. لكنه اطمأن للحديث من بعد لأنه وجد أهل الجلالة والتثبت من المحدثين قد أخذوه عنه، فكان هذا الأخذ بمثابة توثيق وتقوية، أضف إلى ذلك أنه وجد الحديث عن غير سعد بن سعيد، قال أيضا: “وقد وجدنا هذا الحديث أيضا قد حدث به أيضا عن عمر بن ثابت صفوان بن سليم وزيد بن أسلم”، فتقوت رواية سعد بن سعيد بهما، وهذه هي الصنعة الحديثية.
ثانيا: ما هو موقف الإمام مالك؟
1- كره الإمام مالك صيام ست من شوال، وذكر أنه لم يجد أهل العلم يصومونها، وعلل ذلك بالخشية من إلحاقها برمضان والقول بوجوبها من أهل الجهالة والجفاء.
2 – يكثر الإمام مالك بكراهة كثير من الأشياء وهي ليست مكروهة، فكره صيام الأيام البيض خلافا للسنة، وكره قراءة القرآن جماعة، وكره حلق شعر الرأس إلا في المناسك، وكره غسل الأيدي قبل الأكل…. وهذا الإسراف في الكراهة ربما يقصد به الكراهة النفسية الانطباعية الذوقية وليس الكراهة الشرعية العلمية، أو لأنه كان يبالغ في سد الذرائع فيقع في التشدد، وعموما، فالمغاربة وإن كانوا مالكيين، فإنهم لا يلتفتون إلى كراهاته السابقة ولا يلتزمونها، جزاهم الله خيرا على فطنتهم وذكائهم.
3- هل خالف مالك السنة؟ لست أدري، بعض المالكية كابن عبد البر يرجحون أنه لم يعلم بالحديث ولم يبلغه، وهو معذور في ذلك، وأتباعه من الفقهاء لا عذر لهم البتة، وحري بهم أن يستحضروا مقولة الإمام: إذا خالف قولي الحديث فاضربوا به عرض الحائط، وبناء عليه، فالقول بصيام الست هو المذهب.
4- تعليلات الكراهة عند مالك لا تصمد ولا تستقيم، وإذا قلنا بأن صيام الست مكروه خوف القول بوجوبه، قلنا بكراهة جميع المندوبات خوف القول بوجوبها [وقد وقع هذا فعلا، فكثير من المالكية عللوا كراهة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة بخشية القول بوجوبها]، وهذا مسلك غير علمي ولا يقبله المنطق الأصولي، كما لا يقبله الواقع، وها نحن نصوم شوال وغير شوال منذ قرون ولا يقول أحد بالوجوب، وعلى فرض ذلك، فإن هذا الخطأ يعالَج بالعلم لا بالكراهة والترك، لأن الكراهة والتركة تستلزم الإعراض عن السنن وإماتتها، وإماتة السنة والسعي في ذلك محظور وعاقبته وخيمة.
5 – صدرت عن المالكية أقوال غاية في الغرابة في هذا الموضوع، منها قول أبي بكر ابن العربي: “وهذه الأيام متى صيمت متصلة كان احتذاء لفعل النصارى، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد هذا، إنما أراد أن من صام رمضان فهو بعشرة أشهر، ومن صام ستة أيام فهي بشهرين، وذلك الدهر. ولو كانت من غير شوال لكان الحكم فيها كذلك، وإنما أشار النبي صلى الله عليه وسلم بذكر شوال لا على طريق التعيين، لوجوب مساواة غيرها لها في ذلك، وإنما ذكر شوال على معنى التمثيل، وهذا من بديع النظر فاعلموه”
قلت: وهذا من سيء النظر الصادر عن ابن العربي وليس من بديعه، وبيان ذلك من وجهين:
أ ــ التسوية بين شوال وغيره من الأشهر تحكم يأباه الشرع، والشرع أرادنا أن نستقبل رمضان بالصيام، فرغب في صوم شعبان، وأرادنا أن نتبعه بالصيام، فرغب في صوم شوال، وهذه حكمة بديعة لم يدركها ابن العربي لأنه في سياق نصرة المذهب.
ب ــ من تحكمات ابن العربي زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد شوال على التعيين، وإنما ذكره للتمثيل، فمثل به للشهور، لذلك قال في مواطن من كتبه بأن صوم الست بين ذي القعدة وشعبان أفضل من صومها في شوال، وهذا قول لا يقبله من مرن على الكلام النبوي.
الخلاصة:
عموما، الحديث صحيح صحة لا غبار عليها، وهو من المتواتر، وبعض طرقه وأسانيده صحيحة، كحديث أبي أيوب عند الإمام مسلم، وبعض أحاديثه وإن كان فيها ضعف فهو لا يضر، لأن المتواتر لا ننظر في أسانيده أولا، ولأن بعضها يقوي بعضا ثانيا.
وعلى فرض الضعف، وهو ليس كذلك، فالضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، ولا يعتبره العلماء حائلا للقيام بفضائل الأعمال.
وعليه، فمن أراد أن يصوم فالبدار البدار، ولا يلتفت لما يقوله من يشوش بحسن نية على هذا الخير وهذا الفضل، ومن سئل عن هذا الحديث وهذه السنة فلا يجب السائل إلا بما يرغب في الخير دون أن يشوش عليه بشق كلمة،
وفقنا الله لما فيه الخير والفضل
اللهم انصر إخواننا في إيران ولبنان والعراق على الصهاينة والأمريكان، إنك القادر على ذلك يالله