استدعاء الطائفية وأحداث الماضي للطعن في شهداء طوفان الأقصى
ادريس قافو
يستدعي البعضُ الطائفيةَ للطّعن في تسمية القتلى من حزب الله، في طوفان الأقصى، بالشهداء. ويستدعي آخرون أحداث سوريا، أو أحداث التاريخ بدأ من الفتنة الكبرى إلى اليوم، لينتصر لرأيه دون أي مراعاة لأحكام الشرع. وهذا المقال هو محاولة للتأصيل لمسألتين: الأولى كون صفة “شهيد” تُطلَق بناء على أحكام الظاهر فقط، والثانية كون الصفة تتعلّق بخواتم الأعمال، ولا ينفيها ما سلف من الآثام.
صفة “شهيد” تُبنى على أحكام الظاهر
إن اسم الشهيد هو من الأسماء الشرعية التي سمى بها الله ورسوله ﷺ بعض العباد لاعتبارات مخصوصة، فصَّلتها السنة النبوية. فكل مسلم مات مقتولا في معركة، أو ظلما، أو غرقا، أو حرقا، أو بالهدم، أو بالطاعون، أو مبطونا، فهو شهيد، وهذه التسمية هي كتسمية “مسلم” وغيرها الأسماء الشرعية من حيث الأحكام؛ فكل من نطق بالشهادتين فهو مسلم ما لم يأت بما ينقض إسلامه، ولسنا مطالبين بالبحث عن النّيات والسرائر؛ فعن أسامة بن زيد أنه قتل رجلا بعد أن قال: لا إله إلا الله، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ، قال له: (يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟! قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذا، قال: أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟! قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم)([1]). وفي رواية أخرى (فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما قالَها مَخافةَ السِّلاحِ. قالَ: أفلا شقَقتَ عن قلبِهِ حتَّى تعلمَ مِن أجلِ ذلِكَ قالَها أم لا؟ مَن لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ؟)([2])
فالقاعدة هي (أن الأحكام يُعمل فيها بالظاهر، والله يتولى السرائر)؛ قال الإمام الشاطبي: (إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما؛ فإن سيد البشر ﷺ مع إعلامه بالوحي يُجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمُخرِجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه) ([3])
فأصل إطلاق اسم شهيد على من قتل في طوفان الأقصى هو قول رسول الله ﷺ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ. ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ. ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ) ([4])، وشهداء طوفان الأقصى من حزب الله الذين استشهدوا نصرة لغزة، ودفعوا ثمن موقفهم وعربون صدقهم من دماء قادتهم وحاضنتهم الشعبية، إنما قُتِلوا إسناداً لأهلهم في غزة، ودفاعاً عن القدس. وبمقتضى هذا الحديث وكونهم مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وحكماً بالظاهر نسمّيهم شهداء والله يتولى سرائرهم وسرائر المعترضين على التسمية والترحم عليهم.
لا يصح استدعاء أحداث الماضي للطعن في صفة “شهيد”
يعترض المَكْلوم بأحداث سوريا، ويجادل الطائفي الذي يرى أن كل من لا يقول مقالته فهو فاسد العقيدة، فيقولان كيف تسمون من قُتِل من حزب الله في طوفان الأقصى بشهداء؟ ويسردان لك سيلا من أحداث سوريا دون أن يُلزِما نفسيهما بالتثبّت من مصادرها. لهؤلاء يقال إن اعتراضكم مردود عليكم لاعتبارات منها:
- أولا: نحن مقيَّدون بقول رسول الله ﷺ (إنَّما الأعمالُ بالخواتيمِ).
ففي حديث للبخاري في صحيحه: (إنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ النَّارِ وإنَّه مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ويَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ وإنَّه مِن أهْلِ النَّارِ، وإنَّما الأعْمَالُ بالخَوَاتِيمِ). وهؤلاء خُتِم لهم بالدفاع عن المستضعفين في غزة وعن مقدسات الأمة.
وفي حديث أخر أن رجلا قتل 99 نفسا، ثم أتى راهبا فسأله: هل له من توبة؟ فقال له: لا، فقتله، وأكمل به 100 مع سابق الإصرار والترصد. ثم أتى عالما فقال له: (ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوُجِد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له)([5]).
رجل قتل 100 إنسان، ختم حياة بالبحث عن التوبة والهجرة إلى قرية فيها قوم صالحون، فغفر الله له. هذا درس!
- ثانيا: لا يحق لأحد أن يَتَأَلَّى على الله ألّا يغْفِرَ لمن شاء
ففي الحديث: (أنَّ رَجُلًا قالَ: واللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ، وإنَّ اللَّهَ تَعالَى قالَ: مَن ذا الذي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ، فإنِّي قدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ، وأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)([6]).
فهل يحق لقاعد على أرائك عافيته، من غير أولي الضرر من المؤمنين، أن يتألّى على الله ألا يغفر لمن بذل دماءه نصرة للمستضعفين من أهل غزة ودفاعا عن المسجد الأقصى؟ !
- ثالثا: لا ينبغي تعميم الأحكام دون مراعات ظروفها
فإذا أخذنا الحديث:(إذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بسَيْفَيْهِما فَالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا القَاتِلُ فَما بَالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: إنَّه كانَ حَرِيصًا علَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)([7])، وطبقناه على الجماعات والطوائف في زمن الفتنة، زمن اختلاط الحق بالباطل، سنصطدم بالآية: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ)([8]) التي تشهد للطائفتين تقتتلان بالإيمان. بل أكثر من ذلك سنجد أنفسنا في معضلة أمام الموقف من الصحابة رضي الله عنهم الذين تقاتلوا، ولم يتبيّن كثير منهم من كان على حق، ومن كان على باطل، حتى قُتِل عمّار بن ياسر الذي قال عنه رسول الله ﷺ: (وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إلى اللَّهِ، وَيَدْعُونَهُ إلى النَّارِ)([9]).
رحم الله شهداء طوفان الأقصى، وجعل ما بثُّوا في الأمة من روح وسُمُوّ همةٍ صدقةً جاريةً تتناقلها الأجيال تأسيساً للخلافة الثانية على منهاج النبوة، وجعل اتحاد فصائل المقاومة سنة وشيعة أساساً لاستعادة وحدة أمة رسول الله ﷺ، التي قال عنها القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ([10]).
([3])– الشاطبي: الموافقات، ج2، ص