الإزراء بمُطلقِ مُقدماتِ الكتب
عبد الهادي المهادي
أحدُ الكَتَبَةِ المُكثرين مِمَّن ينشرون لدى “عصير الكتب” أصدر روايةً سمّاها “تلك الأيام” صَدّرَها بإهداء سوّدَ به كلّ الصّفحة الأولى، مُتيقّنا أن “مُتابعيه” سيتهافتون ـ لا محالة ـ على حفظه. ولكنّه، في الصفحة الموالية، “تَجاسرَ بدون أدنى أدب أو لياقة تحت عنوان “مقدمة” قائلا: “المقدمات لا يقرأها أحد…. اِقلب الصفحة !” ، وقد علّق أحد محبيه الفايسبوكيين بِحَفاوة قائلا: “أجملُ مقدمةِ كتابٍ في التاريخ”؛ يقصد ـ طبعا ـ كتب الجيب من سلسلة “المغامرون الخمسة” و”الرجل المستحيل”!
لو أنه اطّلع ـ مثلا ـ على المقدمات التي وضعها العلّامة محمود محمد الطناحي لكتبه أو تحقيقاته، لما وجد من نفسه الجرأة على أن يصدمنا بمثل هذه الأحكام التبسيطية حدّ التفاهة؛ أحكام لها وجه إيجابي على أية حال: كونها تفضح المُدّعين وتُشَنّعُ بهم.
عُد إلى تقديم كتاب “أمالي ابن الشجري”، أو تقديم كتاب “الشعر” لأبي علي الفارسي، وكلاهما من إنشاء الطناحي، أو المقدمات التي مهّد بها الشاطبي لكتابه “الموافقات”، وهي في بضع عشرة مقدّمة، أو مقدمة وتقديم كتاب “المنن الكبرى” لعبد الوهاب الشعراني، أو لمقدمة كتاب الجابري الموسوم بـ “العقل الأخلاقي العربي”، ناهيك بمداخله المنهجية وأحاديثه عن المحدّدات والرؤية في الكثير من مؤلفاته الأخرى… عُد ـ أيها المسكين ـ مُتواضعا لتكتشف أن معارف وفوائد ومُتعا لا يقبضُ عليها الوصف مازالت تنتظر كل عاشق حقيقي للمعرفة والمنهج.
بالفعل لم تكذب: تلك الأيام… يا حسرة عليها !