منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حوار مع نازحة من غزة (7) دروس من غزة في ظل طوفان الأقصى

نوال البرطيع

0

حوار مع نازحة من غزة(7) دروس من غزة في ظل طوفان الأقصى

نوال البرطيع

في أحد الدول الأجنبية، وأنا على متن القطار، لمحت امرأة من بعيد تبحث عن مكان لتجلس فيه وكانت تبدو شبيهة إلى حد ما بسكان ذاك البلد، أشرت لها بأن تأتي بقربي لأن المقعد بجانبي كان شاغرا، ما إن اقتربت مني حتى ألقت علي التحية بلهجة عربية شرقية فسألتها إن كانت لبنانية الأصل فردت علي قائلة: أنا فلسطينية ثم سكتت برهة و قالت بنبرة مرتعدة: أنا فلسطينية من غزة، دُهشت و اختلطت المشاعر بداخلي و أحسست برهبة عارمة و كأنني أشمّ من قريب رائحة الجهاد وعطر المقاومة الزكي و كأنني بأحداث  الطوفان المجيدة تمر أمام عينيّ مسرعة، خاصة و أنني كنت قد التقيت قبل أن أستقل القطار بلاجئة سورية و كانت قد حدثتني عن الوضع المأساوي في بلدها، الشيء الذي جعلها و أبناءها تطلب اللجوء إلى نفس هذا البلد.

وا أمّتاه كيف أضحيت ذليلة مُهانة، مقطعة الأوصال!…

المهم، عدت إلى حيث كنت على متن المقطورة. استجمعت مشاعري لأكمل حديثي مع هذه المرأة الغزاوية ولتخبرني أن ابنتها ـ وهي لاجئة أيضا ـ قد طلبت لها اللجوء الاجتماعي فأخرجتها حكومة تلك الدولة من غزة عن طريق معبر رفح وهي الآن ذاهبة لتلتقي بثلاثة من أبناءها هم أيضا لاجئون في دول أوروبية أخرى. كان زوجها يجلس خلفي و كانت تبدو عليه علامات التعب و الحزن و كانت كلما كلّمته، استرقتُ النظر إليه لألمح شفتيه وهما تتحرّكان بالصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم, لعلّها تخفف عنه و تضمد جراحه.

كانت هذه المرأة في بلدها، طبيبة نساء وزوجها كذلك وكانوا من علية القوم وكانت لهم ـ فيلا فاخرة بعدة طوابق ـ أرتني صورتها على الهاتف قبل القصف وبعده و لأن المقاومة قصفت إحدى ذبابات العدو بقرب منزلها, اتصل بهم الصهاينة بعد الحادث مباشرة و أمروهم بإخلاء تلك المنطقة و بالفعل بعد نزوحهم منها، أحيلت المنطقة بأكملها إلى دمار ولم يكن بيت هذه المرأة مستَثنى من ذلك. قالت لي, وهي تصف لي المشهد بتحسّر بيّن: كل إشي راح…

أخبرتها أنني من المغرب وعلى استحياء قلت لها: أننا نساند القضية وأننا نخرج في مظاهرات أسبوعية للتنديد بما يحدث و وو.. وقد وجدتها على علم بذلك.

كان رنين هاتفها يقطع حديثنا بين الفينة والأخرى، فقد كان أبناءها يتصلون بها ليعلموا كم بقي من الوقت لللقاء, ينتظرون وصولها للمحطة في شوق عًكًس حجمه عدد المكالمات التي تلقتها منهم. تلك المكالمات التي لم تتوقف حتى قالت لهم: كلها نصف ساعة وأعانقكم.

كانت هذه حال تلك النازحة و غيرها في أمتنا كثير، لكنني كنت إذا نظرت إليها و أحسست بحجم الخيبة البادية عليها, تساءلت بيني و بين نفسي, ألم يكن من الأولى أن تبقى هذه المرأة في بلدها معززة مكرمة ؟ حتى إن أجاءها الموت بغتة، ماتت مرفوعة الرأس شهيدة عند ربها أم أنه سلطان الخوف الذي أنفذ أمره في الأخير عليها. عافانا الله وإياكم فنحن بإذن الله تعالى نقول كما قال الشاعر:

مالي سوى نفس تعز على الشِرا
قد بعتها لله ….. والله اشترى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.