خصال الفطرة|سلسلة خطبة الجمعة
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني
الحمد لله الذي خلق الإنسان قابلا بطبعه لخصال الفطرة، وأشهد أن لا إله إلا الله ليس كمثله شيء حكمة وقدرة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نال من مكارم الأخلاق التمام والوفرة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين اتخذوه أسوة فردا وأسرة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
ها هو موسم الحج قد اقترب، لمن له رغبة وفرصة في أداء حجه قضاء للأرب، ولا بد من أجل أدائه من دورس التفقه مع آداب الخصال وخصال الآدب؛ وأول ما يبدأ به الحاج مناسكه هو خصال الفطرة؛ فما هي خصال الفطرة؟
الاقتداء بالنبيﷺ واجب، لقول الله تعالى: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ}؛ ومواطن الاقتداء بهﷺ ثلاثة: في قلبه وسريرته، وفي معاملاته وسيرته، وفي مظهره وصورته؛ والاقتداء بهﷺ في صورته هو خصال الفطرة التي تطهر الرأس وما وعى، والجسد وما حوى؛ وهي من سنة سيدنا إبراهيم عليه السلام، والحاج قبل أن يحرم بالحج يسن له من خصال الفطرة: غسل الجسد، وإزالة شعر العانة وشعر الإبط، وتقليم الأظفار؛ روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللهﷺ: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البَرَاجِم(1) (أي أصابع اليدين)، ونَتْف الإبط، وحلق العانة، وانتِقاص الماء (أي الاستنجاء) والعاشرة المضمضة»، وفي رواية: «خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط» بزيادة الختان؛ وكلها توافق فطرة الله تعالى التي يقول فيها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}؛ وهي كثيرة، وأكتفي منها في هذه الخطبة بخمس في الرأس وخمس في بقية الجسد.
● أما خصال الرأس الخمس؛ فمنها ما يلي:
• الأول: تنظيف الشعر وتطييبه وترجيله؛ (أي: تمشيطه) وقد كان النبيﷺ يتعهد شعره بالنظافة والتطيب، وأحيان يسدله ويطلقه وأحيانا يفرقه فوق رأسه؛ ولا يتركه متجعدا متسخا أو متشوكا أو محلوق الجانبين كما يفعل من ابتلي من الشباب اليوم باتباع صيحات “الموضة”؛ كما نهيﷺ عن القزع وهو حلق بعض الرأس وترك البعض وقد أصبح اليوم موضة.
• الثاني: المضمضة؛ وتكون بإدخال الماء إلى الفم مع خضخضته، وهي من سنن الوضوء؛ كما يسن تنظيف الفم بها من بقايا الطعام والدسم أو من خروج الدم، ولو من غير وضوء.
• الثالث: السواك؛ وهو تنظيف الفم أيضا باستعمال عود نطيف كالأراك أو فرشاة لإزالة صُفرة الأسنان ورائحة الفم وبقايا الأطعمة التي لا تزول بالمضمضة، والأحاديث في فضل السواك كثيرة؛ منها: قول رسول اللهﷺ: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب»، وقولهﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» وفي رواية: «عند كل صلاة»؛ وليس معنى هذا الحديث في المذهب المالكي أن تأتي إلى الصف قبل تكبيرة الإحرام ثم تبدأ بتنظيف فمك بالسواك؛ بل معناه: أن تغسل فمك عند الوضوء؛ فذلك مثل قوله تعالى: {إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ}؛ فهذا لا يدل على أن غسل الوجه واليدين يكون في الصف قبل تكبيرة الإحرام،
ثم إن السواك نظافة والنظافة هي إزالة الأوساخ؛ فما مصير الأوساخ التي يزيلها من فمها من يستاك في الصف؟ فهو لا يخلو من حالتين: إما أن يطرح ما أزاله من تنظيف أسنانه في المسجد وهذا لا يجوز، وإما أن يبتلعه ويدخله لبطنه، وهذا أقبح من بقائه على أسنانه؛ ولهذا قال الإمام مالك -رضي الله عنه-: “لا أحب لأحد أن يتسوك في المسجد من أجل ما يخرج من فيه من السواك فيلقيه في المسجد، ولا أحب لأحد أن يتمضمض في المسجد”.
• الرابع: الاستنشاق والاستنثار؛ ويكون بجذب الماء بالنفس إلى الأنف حتى ينظف به خياشيمه ثم دفعه بالاستنثار مع وضع اليد اليسرى على الأنف، وهو من سنن الوضوء ومن خصال الفطرة حتى في غير الوضوء؛ بل في كل وقت تجمعت فيه الأوساخ في الأنف؛ والمبالغة فيه سنة لغير الصائم؛ قال النبيﷺ: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائما»
• الخامس: قص الشارب وإعفاء اللحية؛ فهما من سنة النبيﷺ ومن خصال الفطرة؛ فمن أخذ بهما حصل له أجرهما ومن ضيعهما فاته أجرهما؛ قالﷺ: «خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب».
● أما خصال الفطرة الخمس في بقية الجسد؛ فهي:
• الأول: الاختتان؛ وهو قطع الجلدة التي تغطي ذكر المولود، ويسمى عندنا بالطهارة، وقد أكد الأطباء فوائده الصحية، وهو من سنة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وكلما كان في الصغر كان أفضلَ للأطفال وأيسر.
• الثاني: الاستنجاء؛ ويكون بالماء عند قضاء الحاجة وهو المراد في الحديث بانتقاص الماء؛ وقد مدح الله به أهل قباء فقال سبحانه: {فِيهِ رِجَال يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ}، ويستحب الجمع بين الاستنجاء وبين الاستجمار، وذلك بالتنظيف أولا بالمناديل الورقية المستعملة اليوم، ويأتي في المرتبة الثانية الاقتصار على الاستنجاء فقط، وفي المرتبة الأخيرة الاقتصار على الاستجمار فقط.
• الثالث: تقليم الأظافر؛ وهو قطع الزائد منها باليد والرِّجْل لئلا تتجمع تحتها الأوساخ والنجاسات؛ ولكن بعض النساء يُطَوِّلن من أظفارهن؛ فالمرأة التي تربي أظفارها لا يمكن أن تربي أطفالها، وإنما الأظفار للوحوش كما قيل:
قـل للجميلة أرسلت أظفـارَها * إني لخوفٍ كدت أمضي هاربا
إن الـمخالب للوحوش نخالها * فمتــــى رأينا للظباء مخالبا
• الرابع: حلق شعر العانة؛ وهو شعر العورة؛ لأنها مكان تجمع النجاسات، وبقاء الشعر فيها يمنع تمام النظافة والطهارة.
• الخامس: إزالة شعر الإبط؛ لأنه مكان تجمع الأوساخ، وبقاء الشعر فيه تنتج عنه الروائح الكريهة.
أما وقت هذه الخصال فيختلف حسب نوعها؛ فمنها ما يحتاج إليه المسلم يوميا كالاستنجاء، ومنها ما يحتاج إليه أسبوعيا مثل الغسل وإزالة شرع الإبط والعانة، ومنها ما يحتاج إليه مرة واحدة في عمره وهو الختان؛ روى الإمام مسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: «وَقَّت لنا رسول اللهﷺ في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا تُترك أكثر من أربعين ليلة» وفي رواية: «أربعين يوما»؛ وليس معنى هذا الحديث أن يتركها أربعين يوما، وإنما المعنى ألَّا يتركها أكثر من أربعين يوما؛ فالحديث حدد الأجل أقصى، ولم يحدد الأجل الأدنى والأقل، ويمكن تنظيفها وإزالتها كل أسبوع.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
(1) البَراجِم هي: العُقَد التي في ظهور الأصابع، وهي من المواضع التي يَجْتمع فيها الوسَخ، فيجب معالجتها بالغسل والنظافة، الواحدة بُرْجُمة بالضم. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: (1/113).