منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من وحي العيد

من وحي العيد/ بشرى بوطيب

0

من وحي العيد

بقلم: بشرى بوطيب

للأديب مصطفى صادق الرافعي رحمه الله رؤية أدبية فريدة لمعاني يوم العيد. فهو الأديب الفيلسوف الذي يجول بالقارئ العربي المسلم في كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية وغيرها. يفلسف المعاني وينحت من المواضيع الصغيرة الدقيقة الواقعية أدبا زاخرا يعبق بأنفاسه الأدبية وروحه الشعرية وأسلوبه البياني المتفرد رحمه الله.

في كتابه وحي القلم الجزء الأول يسرح الرافعي بمخيلة المسلم، يستجلب فيها كل صور العيد الدينية والاجتماعية. يستدعي بتحبير بياني وبلغته الجميلة ماهية هذا اليوم في قالب لوحة اجتماعية يرسمها وحي “الأدب الرافعي” المميز. سطر أنواع الفرح التي تعتري أجواء العيد بين الحقيقة والمتخيل. وتجده يجول بك بين عيد الصغار الأطفال وبين تعامل الكبار مع هذه الشعيرة الدينية، فيستخلص قيما تربوية وفكرية وفلسفية من هذا الحدث السعيد.

وصف الرافعي العيد بأنه يوم الخروج من الزمن إلى زمن آخر، أهم سماته أنه “لا يستمر أكثر من يوم، قصير ظريف ضاحك”[1]. يوم تتحقق فيه فطرة الإنسان، تتغير النظرة والبسمة والفكرة.

إن من يجتلي العيد في مظهرهم الحقيقي ماديا ومعنويا هم الأطفال.  تكون سعادتهم في أوجها نقية صافية. يصور الرافعي مشاهد الصغار وفرحتهم العارمة أجمل تصوير، فهم لا يعرفون حدودا ولا قياسا للزمن كالكبار. زمنهم يقيسونه بالسرور والبهجة. ملوك في مملكتهم السعيدة، يعيشون ويحكمون فيها بالسرور والسعادة واللعب والمرح. يحلمون ببهجة العيد ليلة العيد كيف سيعيشونها، ويلتذون بحلاوة اللهو الطفولي. فما أقرب الأطفال إلى حقيقة العيد، وما أبعد الكبار عنها.

 يرى الرافعي أن حقيقة العيد أن يبصر كل إنسان الآخر بتوقير ومحبة، فتتكشف معاني الجمال على الوجوه والقلوب. فالعيد هدية من الله للمسلمين ليبسطوا معالم الفرح بالنعم الخفية والجلية. لكنه في فلسفته لمس البون الشاسع بين مظاهر فرحة الأطفال البريئة وفرحة الكبار المصطنعة المتكلفة، فرأى في الصغار سلامة فطرة، وفي الكبار ضعفا واستعبادا وحضورا للمادة والمنفعة فقط.

لعل الرافعي حين يستقي هذا التحول من كون العيد عبادة أو بتعبيره ” الفكرة العابدة فأصبح (العيد) الفكرة العابثة”[2]، من وهن الأمة و رزوحها تحت احتلال الاستكبار وذل الاستبداد. ضعفت حقيقة العيد كما جاء به الإسلام أول مرة كما ضاعت مقومات أخرى في الشعوب العربية الإسلامية. فلما “كان العيد إثبات الأمة وجودها الروحاني في أجمل معانيه، أصبح إثبات الأمة وجودها الحيواني في أكثر معانيه”[3]. فغابت حقيقة أن العيد يجمع الأمة على إرادة واحدة كما جمعتها شعيرة وعبادة واحدة.  حل محل ذلك ” تقليد بغير حقيقة، له مظهر المنفعة وليس له معناها”[4].

 يرسل أديبنا رحمه الله دعوات يلتمس فيها شعوب الأمة كبار وصغارا ألا تكون فرحتهم بالعيد مهزوزة ضعيفة ” فالعيد صوت القوة يهتف بالأمة: أخرجي يوم أفراحك، أخرجي يوما كأيام النصر”[5]. تجديد لفهم حقيقة العيد يصبح فيها مقياس سعادة يضفيها الإنسان لكل أيامه، فكما يحيا الإنسان فرحة مخصوصة بذاك اليوم المعظم توقيتا وعبادة كذلك الشأن بسائر الأيام.

ترسم اللوحة الأدبية للرافعي معالم العيد السعيد لأمة الإسلام. كيف يخرجها هذا اليوم من حال الضعف إلى القوة بدينها، ومقوماتها الاجتماعية المتماسكة. حين تجتلي حقيقة العيد الروحانية، وتبرز الصفات الإنسانية على نفسية أبناء الشعب الواحد. حينذاك يجني الإنسان ومن حوله ثمار العيد ونفحاته الإسلامية الثمينة.


[1] وحي القلم مصطفى صادق الرافعي، ج1/28

[2] وحي القلم مصطفى صادق الرافعي ج1/33

[3] نفسه

[4] نفسه

[5] وحي القلم ص34

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.