نظام الإرث في الإسلام
بقلم: الأستاذ الدكتور عبد السلام المجيدي
كيف بنت الشريعة نظام الإرث؟
وكيف كان ذلك النظام حماية للمرأة من الجاهلية القديمة والجاهلية المعاصرة؟
“لِلرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقرَبونَ وَلِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقرَبونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أَو كَثُرَ نَصيبًا مَفروضًا” [النساء: ٧]
بنت الشريعة الإسلامية مقادير الإرث على تكامل الجنسين وإثبات الحقوق لكل منهما.
فالحياة قائمةٌ على التكامل، وليس على التنازع،
كما بينت بأنه يجب الاهتمام بتوزيع الإرث لأصحابه مهما قل المقدار، ويُبَصِّرُنا بذلك قوله جل ذكره:
“لِلرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقرَبونَ وَلِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقرَبونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أَو كَثُرَ نَصيبًا مَفروضًا” [النساء: ٧]
هذا القانون أخذ الصبغة الدستورية العظيمة في إثبات حق الرجال الذين ربما كانوا ضعفاء، مثل الولد الذي ليس له جاه في المجتمع، وكذلك في إثبات حق النساء،
وفرَّع عن هذا القانون العام الأنصبة وفق نظامٍ عادلٍ، بخلاف أهل الجاهلية الأولى حيث كانوا يختارون من النسب ما يشاؤون، فيحرمون الصغار، والنساء، ويجعلون الوصية حاكمة في التوزيع حتى للحليف الذي يقولون عنه: الدم الدم والهدم الهدم، وربما كانت الوصية للمتبنى الذي يُعامل معاملة الولد، وهذا قريبٌ من الجاهلية الـمعاصرة التي تجيز استئثار الكلب بالوصية،
فذِكْرُ استحقاقِ الرجال والنساء للإرث انتصارٌ للفئتين اللتين كانت تحرمهما الجاهلية الأولى والجاهلية المعاصرة من الإرث،وهما: من لا يرغب المورثون بأن يرثوا المال من الرجال والنساء، وأخبر عنهما الإمام عبد الرحمن بن زيد فقال: “كان النساء لا يورَّثن في الجاهلية من الآباء، وكان الكبير يرث، ولا يرث الصغير وإن كان ذكرًا” فمارست الأنظمة البشرية القديمة والحديثة أبشع الظلم في توزيع الإرث.
وبهذه الآية يمكن تقرير أن الإسلام قرر أن أسباب الإرث الباقية ثلاثة: النسب، والنكاح، والولاء،
ويبين لنا عكرمة أن الآية أعادت الحقوق المصادرة للنساء والصغار مما لم تكن تعرفه العرب ولا بقية الأمم غالبًا، فيقول: نزلت في أم كحلة (كُجَّة)، وابنة كَحْلة، وثعلبة، وأوس بن سويد، وهم من الأنصار، وكان أحدهم زوجها، والآخر عم ولدها، فقالت: *يا رسول الله، توفي زوجي، وتركني وابنته، فلم نورَّث! فقال عم ولدها: يا رسول الله، لا تركب فرسًا، ولا تحمل كلًّا، ولا تنكأ عدوًّا، يكسب عليها، ولا تكتسب!* فنزلت هذه الآية.
لاحظ كيف منع الأم وابنتها من الإرث وجعله للذكور فقط أو للأكبر فقط؛ وجعل معيار الإرث هو القوة والغلبة.
وهذا قريب من بعض القوانين الدولية القائمة على عنصرية نظام الفيتو، وهل هذا إلا شرع القوة الأقرب إلى أن يكون شريعة الغاب؟، وأما البنات عندهم.. عند كثيرٍ من العرب فلا يرثن شيئًا في ذلك النظام المجرم، وأما الزوجات فهن في الجاهلية القديمة موروثات لا وارثات، وفي الجاهلية المعاصرة يحتال على حرمانهن؛ لأن الأمر فقط قائم على وصية المورث.
ويُبَصِّرُنا قوله تعالى: *وَلِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقرَبونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أَو كَثُرَ نَصيبًا مَفروضًا* [النساء: ٧]
بالـمدى الذي تقوم فيه الشريعة بالاهتمام بحقوق النساء بصورة واضحة:
ولذا كرر النص عليهن؛ لأن الـمقام مقام إثبات حق منتزع ومغتصب أصلًا، فلا بد من الإطناب الواضح فيه، ولأنه قائم على العدالة فلا ينبغي أن يلعب الهوى بالأنصبة، ولا يجوز أن توجد المحاباة لأحد من الجنسين؛ إذ ذلك يؤدي إلى أن يعيث الشيطان فسادًا في النفوس، وهذا الانتصار العظيم لحقوق النساء لا يعني المحاباة لهن أيضًا على حساب الرجال، بل يأخذن من الإرث ما تقتضيه العدالة، وينتجه المنطق العقلي على وفق الواقع المتميز للحماية والرعاية مما تحظى به المرأة أمًا كانت أم زوجة أم أختًا،
ويناسب أن نذكر من طرائف المسائل المسألة الدينارية الكبرى التي تسمى الشاكية أو الركابية، وسميت بذلك لأنهم زعموا أن امرأة جاءت إلى علي رضي الله عنه ، فقالت: مات أخي عن ستمائة دينار، فلم أعط إلا دينارًا واحدًا.
فقال لها: لعل أخاك ترك زوجة وبنتين وأُمًّا واثني عشر أخًا وأنت.
فقالت: نعم.
فصوب قضاء شريح الذي قضى لها بذلك؛ إذ للزوجة: الثمن خمس وسبعون، وللبنتين: الثلثان أربعمائة، وللأم: السدس مائة، وللإخوة مع الأخت الباقي تعصيبًا وهو خمس وعشرون: للذكر مثل حظ الأنثيين.