منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دفاعا عن “الشعبوية”..

عبد القادر الدحمني

0
دفاعا عن “الشعبوية”..
بقلم: عبد القادر الدحمني
انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الاشمئزاز من كثرة انشغال الناس بتحليل ما يجري من أحداث، والخوض فيها حسب رؤية كل واحد وزاده من الفهم وإعمال المنهج، وتفاوت درجات العمق وشمول الرؤية.. وهي الظاهرة التي تريد أن تبدي امتعاضها من هذا “التطاول” على الفهم، و”التجرّؤ” على التحليل، و”المشاركة” في إنتاج المعنى وتحيين الرؤية..
وبعيدا عن التنذّر الطبيعي بطرافة الظاهرة وأعراضها من لدن بعض الأصدقاء.. يمكن أن نقول بأنها تريد أن تنبّه إلى أنه لا ينبغي استسهال الخوض فيما يتطلب قدرا غير قليل من آليات التفكير، والزاد المعرفي المطلوب لضمان سلامة المنطق، والابتعاد عن الخلط والتخبط والتشويش والتبسيط والسطحية والتحريف، وكل ما يشين التسرع والترامي، ويزري بالعقل وبآليات الفهم السليم، ويضرب سلامة التفكيك والتركيب والاستنتاج في مقتل، عن طريق التهافت، وسيادة العاطفة، وغلبة الاستعجال والابتسار، وغيرها من الآفات القاتلة لكل مقاربة تتغيّا الموضوعية والاتزان والعمق.. الخ..
غير أن الظاهرة، تحمل معها، من حيث حَسُنَتِ النيَّة أو ساءت، مجموعة من الإيحاءات الضمنية، ذات الأبعاد الاستعلائية الخطيرة، التي لا يمكن السكوت عنها أبدا..
أولا:
لكل واحد الحق في إبداء رأيه، والتعبير عن فهمه، وزاوية نظره، مهما بدت لنا نيّئة أو بسيطة ساذجة أو خرقاء حمقاء، وإلا فكيف لنا أن نعرف ما تنطوي عليه عقول الناس وأفئدتهم، إن لم يتكلموا ويبدوا مواقفهم، ويعلنوا أفكارهم.
ثانيا:
ليس لأحد الحق في مصادرة آراء الآخرين، لمجرد اعتقاده (الذي قد يكون واهما) أنهم ليسوا جديرين بالتحدث في بعض المواضيع، وكأنها حكرا على أمثاله من ذوي “الفهم” و”الحل والعقد”.
إن حديث الناس ومحاولات تحليلهم لما يحدث حولهم في العالم، مهم للغاية، وشيء إيجابي ينبغي استثماره، لأن الصمت دوما كان هو العدو، سواء كان صمت الخوف والتخوف، أو كان صمت الحياد والشك في الذات، أو كان صمت الجهل المطبق..
دعوا الناس يفكرون! دعوا الناس يتحدثون!
لأن التعبير حق من بديهيات الحقوق، دعوا الأفكار تتصارع، وتتلاقح، بذلك التعبير وحده، يمكن أن تتطور الافكار وتصقل نفسها، وتنتظم وفق خطاطات منهجية تفضي إلى تفكير منهجي سليم، يسهم في الفهم والمعنى، وبالتالي ينتج السلوك الملائم.
هذه فكرة حالمة، نعم، وهذا دفاع عن “الشعبوية”، نعم، لكنها شعبوية، ترفض احتكار النخبة للتفكير والتعبير، وترفض أن تكون مجرد قطيع يسوقه صاحب “الفهم” و”التفكير” وصاحب الحق الأوحد في أن يقول لنا ويخبرنا ويدلّنا..
هذا لا يطعن أبدا، في ذوي الملكات المتميزة، وأصحاب التخصص الذين يجب تقديمهم على ما سواهم في تحصيل المعرفة العميقة الحقيقية، ولا يتعارض أبدا مع ضرورة فتح الباب للجميع، ولو حسبناها “فوضى” غير منتجة في زَعْمِنا. وتأكدوا أن الكثيرين لم يتحدثوا إلا عندما صمت الذين من المفترض أن يتدخلوا قبل غيرهم للتوضيح والتحليل، أما حين يصمت المتخصصون، ويخرس “المثقفون”، ويخنس “الفاهمون”، فلا حق لأحد أن يمنع أحدا من التعبير، ولا حق لأحد أن يطلب من عامة الناس الانتظام في الصف، ريثما يستفيق “الفاهم” ليشرح ويضيء..
من حسنات وسائل التواصل الاجتماعي، أنها فرضت نسبيا، نوعا من عدالة الفرص، ووفرت نسبة معتبرة من حق التعبير للجميع، في حدود ما تتيحه الخوارزميات طبعا، وفي حدود ما تسمح به عصا السلطة وزجرها وتخويفها أيضا، لكنها حرية محمودة على أية حال. وهي حرية صادمة لأننا لم نتعود عليها.
ولذلك يتأفف المثقف المسكين الذي ألف أن يتحدث وحده من أن يتحدث الجميع، ويمتلك الكل نفس المنبر والفرصة ليقول ما يبدو له، يحس المثقف بأن “صلاحياته” قد انتُزِعت منه، وبأنه صار كائنا عاديا، وكلامُه صار -ابتداءً- في نفس مقام أي واحد، مهما كانت الفروق المعرفية والمنهجية والتخصصية.
نتعاطف مع “المثقف” المفترض ويؤسفنا ما حصل له، ولكن ليسمح لنا أن نخزه قليلا كي يستفيق ويتدارك تطورات العالم من حوله، فمن حق الناس عليه أيضا أن يسمعهم ويحاول فهمهم، بل والتتلمذ على أيديهم في كثير من الأحيان، ولا حرج ولا عيب في ذلك.
إن فكرة “الجمهور” المنتظر لما يقوله المحلل، أيا كان مستواه وطبقته “الثقافية”، فكرة ينبغي التوقف عندها قليلا، فالناس ينتظرون، تحليلا أوليا يزيل الانشداه الأول بسرعة الأحداث، وهم بحاجة أيضا لبوصلة، فكرية وعاطفية، سياسية واجتماعية واقتصادية، لما سيؤول إليه الأمر، وبحاجة لمن يخبرهم بانعكاسات الأمور وموقعهم منها، وبحاجة إلى من يربط الأحداث ببعضها، ويكشف زيفها أو يدعم حقيقتها، أو ينسّب بعض ما يبدو منها احتمالات صادمة مؤكدة..
انتظارات الناس تختلف وتتعدد، ومستويات العمق المطلوب مختلفة، ومستويات الشمول والتجريد متباينة أيضا. ولذلك، ليس على المنزعجين من ظاهرة “انتشار المحللين” أن يقلقوا ويبدوا امتعاضهم، بل عليهم أن ينصتوا، ويحفروا لأنفسهم منهجا، ومستوى معينا، يرون أنفسهم فيه، ويمكن أن يستفيد منه الناس حسب استعدادهم ومستوى فهمهم، وحسب ما تسمح به خوارزميات هذه المنصات أولا وأخيرا.
إن الحقيقة لا تلبس نفس الجبة دائما، قد تكون قريبة، على فاه طفل، أو في عبارة طائشة، أو أسلوب نزق، أو رأي تستهجنه الأنفس، وتفرّ من الطباع المدبوغة في مصنع الحداثة القشرية البئيسة التي لوّثت أفضيتنا، وكسرت أصالتنا، وأحالتنا إلى تَبَع مدجّن مهجّن..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.