وفاة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي
بعد مسيرة من العطاء والعمل البناء المبارك، المتميز بالاجتهاد العلمي والتدافع الميداني لخدمة الإسلام ونصرة قضايا المسلمين، توفي اليوم الإثنين 29 صفر الخير 1444 هجرية الموافق ل 26 شتنبر 2022 ميلادية، العلامة الدكتور يوسف القرضاوي الرئيس المؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وذلك عن عمر ناهز 96 عاما، بعد معاناة طويلة مع المرض، وقد ورد الخبر عبر صفحته الرسمية على تويتر حيث جاء فيها “انتقل إلى رحمة الله سماحة الإمام يوسف القرضاوي الذي وهب حياته مبينا لأحكام الإسلام، ومدافعا عن أمته”
وبمجرد ما تأكد الخبر توالت بيانات التعزية من عديد الهيئات والقامات العلمية راجين من المولى أن يتولى الفقيد برحمته وأن يعلي مقامه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، عربون محبة وفاء لما بذله الفقيد في خدمة الإسلام والمسلمين.
فالفقيد رحمه الله تعالى عالم وداعية مصري، واسع العلم غزير الإنتاج، ضرب بسهم وافر في الخطابة والأدب والشعر، وكان من أكثر الدعاة المعاصرين وسطية وقربا من الجماهير وأكثرهم تأثيرا في الشعوب، ويعد من أبرز المنظرين لمدرسة التيسير والوسطية القائمة على الجمع بين مُحْكَمات الشرع ومقتضيات العصر.
وجدير بالتذكير أن الفقيد رحمه الله تعالى ولد يوم 9 شتنبر سنة 1926 في قرية بالمحلة الكبرى بمحافظة الغربية بمصر، وعاش اليتم فقد فقد والده وعمره عامان فتولى عمه تربيته، فحفظ القرآن وأتقن أحكام تجويده وهو دون العاشرة، وأتم دراسته الابتدائية والثانوية بالأزهر متفوقا على أقرانه، قبل أن يلج كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ومنها نال الشهادة العالية عام 1953، وبعدها بعام حصل على إجازة التدريس من كلية اللغة العربية.
وفي عام 1958، حصل على دبلوم معهد الدراسات العربية العالية في اللغة والأدب، قبل أن يحصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين عام 1960، ثم نال شهادة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من الكلية نفسها عام 1973، وكان موضوع الرسالة “الزكاة وأثرها في حل المشاكل الاجتماعية”.
كان الفقيد رحمه الله تعالى عالما عاملا، وداعية مهتما بأمته، لذلك انتسب مبكرا لجماعة الإخوان المسلمين وابتلي بسبب ذلك، وكان من أبرز قادتهم حتى أنه عرض عليه قيادتهم في أكثر من مناسبة، لكن شاءت مشيئة الله تعالى أن يبتعد عنهم تنظيميا مع بقاء الانتساب الفكري والعاطفي لهم، عرف الفقيظ رحمه الله تعالى بالتجديد الجامع بين السلفية والتجديد، والمازج بين الفكر والحركة، والمتمركز على فقه السنن وفقه المقاصد وفقه الأولويات، أثير حوله الكثير من الجدل، فبعض آرائه الفقهية واختياراته السياسية لا تلقى ترحيبا عند بعض العلماء وجل الحكام لأنه ظل دائما مناصرا للشعوب، مراعيا لمصالحهم وحاجياتهم فدعم ثروات الربيع العربي وحركة التحرر العربي، وكان نعم السند لكل حركات المقاومة الإسلامية.
شغل الدكتور القرضاوي رحمه الله تعالى عدة مناصب علمية وتدبيرية في مصر ، قبل أن يعار إلى دولة قطر عميدا لمعهدها الديني الثانوي عام 1961، فأسس بها قسم الدراسات الإسلامية في كليتيْ التربية للبنين والبنات بجامعة قطر، وفي عام 1977 تولى تأسيس كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في الجامعة نفسها، وظل عميدا لها منذ تأسيسها إلى نهاية العام الجامعي 1989-1990، كما كانت له تجربة علمية بالجزائر خلال العام الدراسي 1990-1991 حيث ترأس المجالس العلمية لجامعتها ومعاهدها الإسلامية العليا.
كانت له تجربة إعلامية حيث ترأس مجلس إدارة جمعية البلاغ الثقافية في قطر المموِّلة لشبكة “إسلام أون لاين” حتى 23 مارس 2010، واختير لرئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منذ تأسيسه عام 2004، إضافة إلى عضويته في عدة مجامع ومؤسسات علمية ودعوية عربية وإسلامية وعالمية، منها المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة، ومنظمة الدعوة الإسلامية بالخرطوم، ومركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد.
نسأل الله العلي القدير أن يرحم الفقيد رحمة واسعة، وأن يلهم أسرته الصغيرة والكبيرة الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.