الإمام عبد السلام ياسين مكتشفا
بقلم: يوسف بربيط
الإمام عبد السلام ياسين مكتشفا (1)
مقدمة:
إذا كان سؤال المنهاج النبوي وضرورة اكتشافه ملحا في كل المراحل التاريخية والأحوال التي مرت بها الأمة الإسلامية سواء في حال قوتها وعزتها، أو في حال ضعفها وانحطاطها، فإنه اليوم أشد إلحاحا وراهنية خاصة بعد مشاريع الإصلاح والنهضة المتعددة، وتجارب الحركات الإسلامية المتنوعة سواء قبل “الربيع العربي أو بعده”، وفي ظل التحولات الهائلة والعميقة التي شهدها وسيشهدها عالم اليوم، والإخفاقات والأزمات المتكررة للنموذج الحضاري الحداثي الغربي، والأسئلة الكبرى التي أصبح يطرحها عقلاء الإنسانية وفضلاؤها اليوم خاصة بعد “طوفان الأقصى المبارك” وما أحدثه من تحولات استراتيجية عميقة معرفيا وسياسيا وقيميا وحضاريا؛ فضحت النفاق الدولي وموازينه المختلة وشعاراته البراقة، وكشفت المأزق الحضاري والأخلاقي والتردي الإنساني الذي وصل إليه المنتظم الدولي، وبالمقابل شكل وعيا إنسانيا جديدا أصبح يسائل منظومة القيم التي تأسس عليها النموذج الغربي التقدمي بشقيه الليبرالي والاشتراكي (الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان الكونية، الشرعية الدولية ،المواثيق العالمية…)، ويطرح إشكالات وأسئلة تمس جوهره من قبيل: أي مستقبل للنظام العالمي؟ وأي نموذج معرفي بديل؟ وأي نمط حضاري وعمراني جديد؟ وأي تضامن وتكافل إنساني؟ وأية قيم جديدة؟ وأية أخلاق للمعرفة والبحث العلمي؟ وأي خلاص للإنسان المعاصر من فقره وبؤسه، وطغيانه وعبثيته؟
“ففي ظل هذا الواقع البشري الخطير الذي يستدعي التفكير الجدي في شروط، وموجبات العيش في العصر العالمي الذي سيمتد في مستقبل الحضارة البشرية بشكل واسع، وخاصة في القرن الواحد والعشرين، يتثبت في الأذهان تساؤل مهم هو:
-كيف يساهم المنهج النبوي في حل الإشكال العالمي الراهن؟ وبعبارة أخرى: ماهي المساهمة التي سيقدمها المنهج النبوي في مجال البناء الحضاري الجديد؟”[1]
-كيف يسهم المنهاج القرآني النبوي في تقديم الأجوبة عن أسئلة الإنسانية الحائرة بحداثتها، المتعبة باختراعاتها وسط ضوضاء العالم وجنونه؟
-ماهي وظيفة القرآن المجيد والسنة النبوية الكلية في البناء الإيماني والعمراني للأفراد والمؤسسات والأنظمة في الزمن الحديث؟ وكيف ذلك؟
-ماهي أسرار المنهاج القرآني النبوي وخصوصيته التي أثمرت أعمق وأوسع وأسرع وأبرك تغيير للعالم عرفته الإنسانية قديما وحديثا؟ وهل مازال –هذا المنهاج-صالحا لعصرنا الحديث؛ عصر العلم والحداثة والعولمة، وعهد الثورة المعرفية والتكنولوجية والمعلوماتية؟
-وإذا كانت إعادة البناء اليوم على ذلك المنهاج ممكنة، بل مطلوبة، فكيف يتحقق ذلك؟ وما المنهاج العملي التفصيلي لتربية الفرد وإعداده، ولتحرير الأمة ونهضتها، ولإقامة الخلافة الراشدة الموعودة كنظام إنساني أخوي، ونموذج عمراني إيماني؟ …
كيف نتعامل –على ضوء المنهاج القرآني النبوي- مع العصر ونقوم حركته، ونؤثر في مسالكه، ونعزز المشترك الإنساني، ونقوي الرحم الآدمية، وندافع عن حقوق الإنسان وبيئته ومحيطه، وعلى رأسها حقه في معرفة ربه؟ وكيف نتعاون-إلى جانب الفضلاء-في حماية الإنسانية ومستقبلها؟
لكن السؤال الأهم والأولى والأسبق في الاعتبار هو: ما الأزمة المنهاجية التي تعاني منها الأمة؟ وما طبيعة المنهاج المطلوب اكتشافه؟ وما خصائصه التي تميزه؟ ومن يكتشفه؟ وما خصوصيته وصفاته؟ وكيف يكتشف؟ وما منهجية ذلك؟
1-البناء النبوي المنهاجي:
قال الله عز وجل: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } (المائدة:48).
أصل المنهاج إلهي، ومصدره سماوي؛ فقد جعله الله عز وجل وأخرجه من عالم الغيب إلى عالم الشهود، وصير غايته التعبدية وحقيقته الإيمانية فطرة مغروزة في الإنسان منذ كان في عالم الذر. قال الله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } (الأعراف: 172).
بدأ الوجود العيني للمنهاج في جو ملائكي روحاني عندما خلق الله تعالى آدم عليه السلام. ولما نفخ فيه من روحه، كان سر وحقيقة ومعنى المنهاج تفيض على روح الإنسان وقلبه، وأسجد له الملائكة لما يحمله من أسراره وأنواره، وجعله خليفة في الأرض لما علمه من أسمائه وصفاته، وكلياته وأصوله، وغاياته ومقاصده “وعلم آدم الأسماء كلها” (البقرة: 30)
ولما هبط آدم –ومعه جنس الانسان- إلى الأرض شرع الله له المنهاج طريقا للعبادة والطاعة وطلب الإحسان، ومحجا لتحقيق أمانة الاستخلاف والعمران، وسبيلا للفوز بالله ورضوانه في رحلة العبور من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية.
ولكي ينجح هذا الإنسان في امتحان الابتلاء، ويبقى على الطريق المستقيم والسبيل القويم أرسل الله له بين فترة وأخرى أنبياء ورسلا بشرعة ومنهاج واحد في أصوله وكلياته ومقاصده وخصاله، متنوع ومتعدد في فروعه وجزئياته ومطالبه وشعبه ووسائله حسب اختلاف الزمان والمكان والأحوال، وظروف التنزيل والإمكان. “فأصل الدين واحد اتفق عليه الأنبياء عليهم السلام، وإنما الاختلاف في الشرائع والمناهج”[2].
جميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام بعثوا بالإسلام دينا، وتمايزوا في الشرعة والمنهاج لاختلاف الظروف والأحوال والسياقات؛ فكان كل رسول يأتي بمنهاج يناسب واقع قومه وعوائدهم ومقاصد هدايتهم. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الأنبياء إخوة لعلات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد”[3].
دين الله تعالى على ألسنة أنبيائه واحد في أصوله ومقاصده وكلياته، والاستعداد للآخرة بالإيمان والعمل الصالح الجامع لأركان الإسلام من صلاة وصوم وحج وصدقة…ولشعب الإيمان وخصال الإحسان من صحبة وذكر وإنابة وصدق وتصديق وصبر ومصابرة ودعوة وجهاد…أما المنهاج والشريعة الخاصة بالفروع والكيفيات والوسائل فهي محل التغيير في دعوات الرسل؛ لأنها أمور تتعلق بحركة الحياة، والحق تبارك وتعالى يعطي لكل بيئة على لسان رسولها ما يناسبها وما يعالج أمراضها. فمرد الاختلاف في الشرعة والمنهاج هو منكم ويفهم منه أن المخاطبين هم مرجع الاختلاف والتعدد والتنوع، لأسباب ومصالح[4] وحكم تختلف مظانها ومعانيها وصورها باختلاف العصور والعوائد.
كانت سيرة الأنبياء في أقوامهم بمثابة منهاج سلوكي وعرض عملي تاريخي سنني يرادف العرض النظري للمبادئ والقيم التي جاءت بها الشرعة، ويساير خصوصية المنهاج والتنزيل النبوي المنسجم مع طبيعة المجتمع وظروفه وأمراضه، وتغير الزمان وأهله وعوائده (سيدنا ابراهيم ومنهاج مقاطعة الظالمين، سيدنا لوط ومنهاج الإصلاح الأخلاقي، سيدنا موسى ومنهاج الدعوة القائمة في وجه الاستبداد والاستعباد الفرعوني، سيدنا شعيب ومنهاج الإصلاح الاقتصادي، سيدنا يوسف ومنهاج التسرب اللطيف لأجهزة الحكم، سيدنا داود ومنهاج الجهاد العسكري، سيدنا سليمان ومنهاج العمران الأخوي الحامل لرسالة الدعوة والإيمان…).
ولما تطورت البشرية ونضجت بعث الله لها رسولا خاتما ومصدقا وناسخا لما سبقه، بمنهاج كامل وجامع ومهيمن على ما دونه “وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا” (المائدة: 48). هكذا تكون الموكب النبوي النوراني حاملا الخير والهداية، قائما بأمر الله على صراط مستقيم. فإذا قلنا: “المنهاج النبوي” فإنما نقصد هذا الصراط السوي الذي يمر عليه الموكب الفخم الأغر الأزهر”[5] من أنبياء الله ورسله وورثتهم وأتباعهم.
هذا المنهاج الكلي المغروز في فطرة الإنسان، والممتد في الزمان الإنساني ماضيا وحاضرا ومستقبلا شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنيان جميل، وبيت فسيح، ومنزل مهيب. شيده خيرة البنائين وأحسنهم وأجودهم وأعلمهم وأصدقهم وأبركهم، من اختارهم الله تعالى لهذه المهمة الجليلة وأرسلهم لهذه الوظيفة النبيلة؛ فكل واحد منهم عليهم أزكى الصلاة والسلام وضع لبنة أو أكثر في هذا البناء، أو قوى سواريه، أو عمق أساسه، أو جدد أسقفه، أو رمم جدرانه، أو نقش وزين حيطانه، حتى اكتمل البناء وتجمل إلا موضع لبنة؛ هي الأهم والأعظم والأكمل والأجمل؛ فأصبح يسر الناظرين ويعجب الزائرين ويتسألون عن اللبنة الناقصة فيقال لهم خص بها الحبيب المكرم والمحبوب المعظم والنبي الخاتم المبجل؛ فبعثه الله عز وجل ليكون لبنة التمام والكمال في البناء الإلهي، وسمة الختم والجمال في العمران المنهاجي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين”[6].
واستمر أتباع الأنبياء والمرسلين وأنصارهم ومحبوهم في الحفاظ على هذا البناء العظيم والدود عنه والدعوة إلى السكن فيه والسكون إليه لكن عوادي الزمان كانت أسرع، ومعاول الهدم كانت أقوى، وكارهي النور والصلاح وناشري الظلم والفساد كانوا أشد وأخطر، فكان البيت يتعرض في كل وقت وحين لغزواتهم ومؤامراتهم لتدميره ونقض بنيانه وهدم أركانه، أو على الأقل لتشويهه وصد الناس عنه بالترغيب والترهيب.
كان هذا العدوان والتكسير والنهب من بعض الأبناء العاقين وسكان البيت المهوسين بالتسلط والتحكم في البيت وأهله؛ فحاربوا صلحاءه، وهمشوا علماءه، وحاصروا نصحاءه، وقربوا فساقه وجهاله، واستدرجوا أهل الطمع والغفلة والسذاجة، وسايرهم أهل الخوف والضعف، وقاومهم أهل الحق والعزة، واعتزلهم أهل الصدق والعجز.
ولما قل أنصار البيت، وعجز حماته، وضعفت أركانه، وتعتمت طريقه، هجم علي البيت –العزيز على القلوب رغم الأنقاض التي تتساقط منه والسوس الذي ينخر أساسه- غريب دخيل، أجنبي لئيم، ورغم أنه ليس من أهلها وسكانها إلا أن له في البيت أنصارا وأعوانا، جواسيس وعيونا. هدم البيت على أهله، وقسمه أجزاء، ومزقه مزعا، وفرقه أشتاتا، وأذاق أهله الذل والهوان، وأشارع فيه الفرقة والخصام بعد أن أثخنهم قتلا ونهبا، إفسادا وفسقا، تطويعا ومسخا.
ولما استيقظ بعض أهل الدار من نومتهم، وتنبهوا من سكرتهم، وتحرروا من ضعفهم وجبنهم. نهضوا وقاوموا، ناضلوا وكافحوا –أفرادا وجماعات- حتى طردوا الدخيل، وأجلوا الغريب، وحرروا وطنهم، وتداعوا إلى جمع الجهود لإعادة بناء بيتهم الجميل –الذي كان لهم المحضن والمأوى، السكينة والسكنى- فكانت محاولات هنا وتجارب هناك، نجاحات في جانب وفشل في جوانب…
لقد اعترت عملية إعادة البناء عدة عوائق وعقبات، منها:
-كيف كان البناء النبوي الأول: أساسه، أركانه، سواريه، جدرانه، طبقاته، سقفه،…كانوا في حاجة ماسة إلى اكتشاف التصميم الأصلي للبيت، أو نسخة طبق الأصل منه مؤرخة ومختومة ومصادق عليها.
-كانوا في حاجة إلى مهندس خبير، صادق أمين، موفق مكين، يكشف لهم عن التصميم، يوضحه ويبينه، يؤصله ويفصله. يترجمه بأسلوب ولغة العصر حتى يتيسر فهمه، ويبرمجه أعمالا فردية وجماعية، منظمة ومفصلة، متدرجة ومتنامية حتى يسهل تمثله وتطبيقه. يجسده وينزله ويشرف على عملية البناء والتشديد، ويباشر وظيفة الإرشاد والتدليل حتى يكون البناء والنسج على المنوال الأول وفق التصميم المكتشف.
-كانوا في حاجة إلى بناة علماء أقوياء، تلاميذ للخبير نجباء، يأمون العمال، ويشحذون الهمم، ويشاركون في الجهود، ويحسنون توظيف الطاقات والخبرات، والوسائل والإمكانات لإحسان البناء، ولبناء الإحسان.
فهلا بحث العلماء والدعاة والحركات الإسلامية والصادقون عن التصميم الأصلي لهذا البناء النبوي والعمران المنهاجي المكنون في سور القرآن وآياته، المبثوث في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته، المغروز في فطرة الإنسان وجبلته، الثاوي في نواميس الله في خلقه وكونه.
وهلا بحثوا عن المهندس الخبير (والمهندسون في كل حرفة ومهنة أفراد قلائل، ويقلون أكثر كلما كانت الحرفة تحتاج لجودة أكبر وخبرة أدق وحكمة أعمق) المأذون المؤهل للاكتشاف، والمستوفي لشروطه. وعن البناة الأمناء الأقوياء ليباشروا مع الأمة عملية البناء الكبرى: بناء الإيمان والإحسان، بناء الحكم ودولة القرآن، بناء الحضارة ومجتمع العمران، بناء الدعوة وحمل البلاغ لبني الإنسان على نهج النبي المصطفى، وعلى سبيل الرسول المجتبى عليه صلاة الله وسلامه. قال الله عز وجل: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } (يوسف: 108). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”.
بناء وعمران وبلاغ يكون اتباعا واستمرارا للنموذج النبوي الأول، ونسخة مطابقة ومصادقة على شبهها بالأصل النبوي الخالد، إن نحن اكتشفنا سر التربية النبوية وخصوصيتها، وخصال السلوك النبوي وشعبه، وشروط التغيير المنهاجي وموضوعه، وأبواب الجهاد ومداخله، وقواعد الاقتحام ومعالمه، ومقومات البناء ومراحله. فنكون عندئذ قد وضعنا أقدامنا على أول الطريق وأكمله وأطيبه في حفظ فطرة وبناء دعوة وإقامة دولة وصناعة أمة تزحف عليها روح الجاهلية المعاصرة بسطوها القاهر، ونهبها السافر، وفكرها الفاجر، وإعلامها الداعر، وفنها العاهر.
الإمام عبد السلام ياسين مكتشفا (2)
أكد المقال الأول من هذه السلسلة أن الله تعالى جعل حقيقة المنهاج فطرة مغروزة في الإنسان، وشرعه طريقا للعبادة والطاعة وطلب الإحسان، ومحجا لتحقيق أمانة الاستخلاف والعمران. ولكي ينجح هذا الإنسان في امتحان الابتلاء، ويبقى على الطريق المستقيم والسبيل القويم أرسل الله له بين فترة وأخرى أنبياء ورسلا بشرعة ومنهاج واحد في أصوله وكلياته ومقاصده وخصاله، متنوع ومتعدد في فروعه ومطالبه وشعبه ووسائله حسب اختلاف الزمان والمكان والأحوال، حتى ختم الله تعالى الشرعة والمنهاج ببعثة النبي المكرم محمد صلى الله عليه وسلم ليكون لبنة التمام والكمال في البناء الإلهي، وسمة الختم والجمال في العمران المنهاجي، وليكون النموذج الأكمل والشهادة التاريخية لكيفية بناء أمة الشرعة والمنهاج.
2-أمة الشرعة والمنهاج
قال الله عز وجل: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة: 50).
المنهاج القرآني النبوي ثاوي في ثنايا القرآن العظيم –المحفوظ بحفظ الله منذ عهد التنزيل-مكنون في سوره وآياته، وأوامره ونواهيه، وأحكامه وتشريعاته، ومواعظه وأمثاله، وقصصه وأخباره، ووعده ووعيده، وبشارته ونذارته، ومفاهيمه ومضامينه، ومسائله وقضاياه…فهو كتاب كريم ذو عطاء دائم متجدد تنكشف مكنوناته عبر الزمن للمطهرين صحبة وذكرا، الراسخين علما وإيمانا، المجاهدين استمدادا واستنطاقا، قال الله عز وجل:فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (الواقعة: 78-82).
“فالقرآن الكريم كتاب مكنون، وهو يتكشف عبر العصور عن مكنوناته؛ ليستوعب مشكلات وقضايا العصور-كلها-وبحسب سقوفها المعرفية وعلى اختلاف أنساقها الثقافية والحضارية، فهو مصدق ومهيمن ومستوعب ومتجاوز، وفي استيعابه يستطيع أن يستوعب الكون وحركته، والعالم وأزماته وإشكالاته؛ وليقوم القرآن بذلك لابد لتاليه من التطهر والتدبر”[7]، ليتمكن من اكتشاف المنهاجية القرآنية الكلية الكامنة فيه، والتي قد تحجبها الغفلة، أو الأنانية، أو التقليد، أو كثلة كثيفة من الشروح والآراء والاجتهادات المظروفة بزمانها، والمستجيبة لمقتضيات واقعها.
هذا المنهاج القرآني الجامع بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله وحاله وهديه تصديقا لقوله تعالى: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل: 44). وجسده سلوكا إيمانيا معاشا، وعملا بنائيا ميدانيا، ومسيرة جهادية متنوعة، وبلاغا رساليا مبينا.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ البعثة إلى انتقاله للرفيق الأعلى يؤسس للمنهاج النبوي، ويبين معالمه، ويوضح أصوله ومقاصده علما وعملا، فقها وحالا، فردا وجماعة، دعوة ودولة…ويربي الصحابة رضي الله عنهم عليه صحبة وجماعة، ذكرا وعبادة، صدقا وتصديقا، بذلا وعطاء، علما وتعليما، سمتا حسنا ونموذجا جذابا، تؤدة وصبرا، اقتصادا وعدلا، جهادا واقتحاما.
هكذا بنيت خير أمة أخرجت للناس على أكمل شرعة وأتم منهاج. قال الله عز وجل: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (المائدة: 4). الدين الإسلامي الذي اختاره الله تعالى ورضي به لهذه الأمة إلى يوم القيامة اكتملت شرعته وحيا وإنزالا، وتم منهاجه تلقيا وتنزيلا.
وبهذا شكلت السنة والسيرة النبوية المطهرة النموذج والقدوة للفرد والأمة في تحويل النظرية إلى ممارسة، والمبادئ إلى برامج، والقيم إلى منهاج، والمثال إلى واقع…وأضحت الناظم المنهجي والمعيار العملي لتنزيل مقاصد القرآن وأحكامه وأخلاقه وهداياته في النفوس والمجتمعات والأنظمة، والإطار المرجعي للنظر الاجتهادي، والسلوك الجهادي، والبلاغ الدعوي، والسير الإحساني، والبناء العمراني في الواقع الإنساني المعاصر مع مراعاة متغيراته وتحولاته، مقتضياته وإمكاناته، أحواله وعوائده، دون تقليد جامد، أو استنساخ ساذج، أو محاكاة شكلية، أو عجز” عن امتلاك القدرة على وضع الحاضر، بظروفه، ومشكلاته، واستطاعاته، في موقعه المناسب، من مسيرة السيرة، ليشكل لها المنهج النبوي، عطاء وسدادا للمسيرة، في كل الحالات والظروف التي تمر بها…إن مشاريع النهوض المأمولة، إذا لم تحسن الإفادة من المنهج النبوي، في التغيير والبناء الحضاري، وتصبح قادرة على وضع الحاضر في موقعه المناسب، من مسيرة المنهج النبوي، سوف تفتقد بصيرتها، وتفتقد مرجعيتها، وتفتقد مركز الرؤية، الذي يمكنها من حسن التعامل مع أنموذجها في القدوة”[8]. وحسن التمثل والإفادة من النموذج النبوي يحتاج إلى فقه إيماني حركي مقاصدي، ونظر كلي مصلحي تجديدي، وفهم نبوي متوازن يعيد سيرة زمن التنزيل على مستوى المبادئ والكليات والثوابت مع الاجتهاد في تنزيلها على أحوالنا وظروفنا وزماننا…
ورث الصحابة رضي الله عنهم الهدي النبوي كاملا فاعلا عمليا؛ لأنهم شهدوا التنزيل والوحي الإلهي يسدد مسيرتهم، وعاينوا الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وصحبوه وعاشروه حتى كان أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم، وأخذوا عنه الإيمان والعلم والجهاد، وعاصروا سيرته عليه السلام وتتبعوا أحوالها ودقائقها، وتشبعوا بهديها وأنوارها، وفهموا مقاصدها وغاياتها، وتمثلوا المنهاج النبوي علما وفقها، فهما وتنزيلا، تحملا وأداء، نصا واجتهادا، عبادة ونظاما، دعوة ودولة…
كان الخلفاء الراشدون والصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا –في حدود بشريتهم- مثالا رائعا في التأسي والاقتداء بالنبوة، والبناء على هديها في التربية والدعوة والجهاد…مع الاجتهاد في الحوادث والنوازل الطارئة الفردية والجماعية بنظر مصلحي واقعي أصيل، وعقل مقاصدي مبدع سديد، واجتهاد كلي جماعي رشيد…كانت الطريقة واضحة أمامهم، فساروا على سنن هذه المحجة البيضاء اللاحبة، وبدأوا يمارسون “مسؤوليتهم على ضوء الثوابت الإلهية، لأول مرة؛ فعلموا وتعثروا. طبقوا ما كانوا تلقوه من وحي، واجتهدوا بما لم يأت به خبر السماء، فأصابوا في معظم الأحيان وأخفقوا في أقلها وهم في كلا الحالتين ماضون في طريقهم الصاعد، محدقين في المستقبل بأعين ملأتها آيات الحكم المبين”[9].
الطريقة الواضحة الناهجة، والمحجة البيضاء اللاحبة التي تركنا عليها الرؤوف الرحيم صلوات ربي وسلامه عليه تعتمت وتجزأت؛ أول ما تعتم منها الحكم بتحوله من خلافة راشدة على منهاج النبوة إلى ملك عضوض وراثي كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الخلافة الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت.”[10]وتوالى التعتيم والتشويش والتمزيق حتى ضاعت المحجة البيضاء، وانحرفت الأمة -تدريجيا- عن الجادة المستقيمة والسنة الكاملة.
أصيب البناء النبوي الراشدي بأول نقض له بتحول الحكم من شورى وعدل وإحسان إلى قهر واستبداد وظلم وتنازع على الدنيا؛ فكانت هذه هي الصدمة الأولى التي هزت البناء وزعزعته، وجعلت فيه شروخا وأنكاثا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبت الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”[11].
كانت النتيجة الطبيعية لهذا التحول والانكسار أن تجزأ وتفرق المنهاج النبوي –الذي كان كاملا مجموعا في عهد النبوة والخلافة الراشدة كما سبقت الإشارة إلى ذلك-بتفرق المسلمين إلى طوائف (أهل السنة والجماعة، الخوارج، الشيعة،…) ومذاهب (أهل الحديث، الفقهاء، الصوفية، السلفية،…) وبتجزؤ العلم (علم الكلام، الفقه، السلوك، الأصول،…) وبانفصال الدعوة عن الدولة، والقرآن عن السلطان، بل إن التجزؤ أصاب حتى شخصية الفرد (العقل، القلب، العمل…)، يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين: “ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، جاء الاستبداد مع بني أمية، ومع القرون استفحل، واحتل الأرض، واحتل العقول…واغتيل الرأي الحر، وسد باب الاجتهاد. وفي ظلها وفي خفاء الصراعات تكونت المذاهب الدساسة، وتمزقت الأمة سنة وشيعة، وتشتت العلم مزعا متخصصة عاجز فيها أصحاب التخصص عن النظرة الشاملة. لا يجسر أحد على بسط منهاج السنة والقرآن مخافة السلطان”[12].
لقد مثل هذا التراجع عن المنهاج النبوي الراشد في الحكم بداية التحلل والنقض في عرى المنهاج ومعاقده وأصوله وخصاله. ومنذ تلك اللحظة التاريخية المفصلية بدأت الأمة تبتعد عنه تدريجيا-وإن استمرت في الإنتاج العلمي والعطاء الحضاري ونشر الإسلام وتوسيع الفتوحات-وتنحرف عن جادته، ومع مرور الزمن كبر هذا الانحراف واستفحل، وتعتم ذلك الطريق الناهج، والسبيل القاصد، وتنكبت عنه الأمة وتخلت، فضيعت الشرعة، وغابت عنها الغاية، وضلت الطريق، وانقطع فيها المنهاج عن مورده، فجفت ينابيعه، وأخذت تتسول الدروب، وهي تصطنع المورد عند كل باب، وترد في نهاية الأمر عند كل باب تطرقه، مدحورة مخذولة[13]، حتى تحولت إلى أمة غثائية ضعيفة، مهانة ذليلة، قصعة للآكلين كما أخبر بذلك الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.
ومنذ ذلك الحين –وطوال تاريخنا الفتنوي– عاشت الأمة وماتزال أزمة منهاج؛ أزمة عقل ونقل وإرادة. أزمة تلقي وفهم وتطبيق.
وعندما اشتدت الأزمة بالأمة من كل جوانبها نهض علماؤها ومصلحوها ومفكروها للإجابة عن السؤال العريض الذي طرح منذ فكر النهضة “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”. تعددت وتناقضت المدارس والاتجاهات المجيبة عن هذه الإشكالية، فمن فكر “المقاربات” إلى فكر “”المقارنات” إلى فكر “الحداثة” إلى مشروع “أسلمة المعرفة”…ومن تجارب “الحركات اليسارية” إلى تجارب “الحركات القومية” إلى تجارب “الدولة الوطنية” إلى تجارب “الحركات
الإسلامية” إلى تجارب “الثورات العربية”…
وإذا كانت أغلب الدراسات ومشاريع النهوض والتقدم تجمع أن الأمة تعيش أزمة؛ فقد اختلفت في تحديد طبيعتها (عقدية، فكرية، تربوية، سياسية، حضارية…) والأسباب والعوامل التي أدت إليها، ومن ثمة طبيعة المشروع المنشود: مرجعتيه، أهدافه، أولوياته، وسائله…فلم تقد هذه الجهود والطاقات والتضحيات إلى الخروج من الأزمة، بل عمقتها. والقليل من هذه الاجتهادات من بحث في السؤال العريض العميق المؤسس “سؤال المنهاج”.
الإمام عبد السلام ياسين مكتشفا (3)
بين المقال السابق أن الشرعة والمنهاج كانت أساس بناء الأمة المسلمة، وسبب عزتها وقوتها، ومناط خيريتها وشهادتها، ومعنى وجودها وغاية رسالتها في العالم. لكن سرعان ما بدأ الانحراف والتحريف والنقض في عرى المنهاج القرآني النبوي. ومع مرور الزمن كبر هذا الانحراف واستفحل، وتوسع النكث والتفتت واستحكم، واستمر السوس ينخر البناء حتى وصلت الأمة إلى أدنى دركات الضعف والغثائية. ومنذ ذلك الحين –وطوال تاريخنا الفتنوي– عاشت الأمة وماتزال أزمة منهاج؛ أزمة عقل ونقل وإرادة. أزمة تلقي وفهم وتطبيق.
3-أزمة منهاج
أجمعت أغلب الدراسات ومشاريع النهوض والتقدم أن الأمة تعيش أزمة، ولكنها اختلفت في تحديد طبيعتها والأسباب والعوامل المؤثرة فيها، ومن ثمة طبيعة المشروع المنشود: أهدافه، أولوياته، أساليبه ووسائله…فتعددت المقاربات والتوصيفات لهذه الأزمة: أزمة عقيدة، أو أزمة فكرية، أو سياسية، أو حضارية، أو أزمة ديمقراطية، أو أزمة حداثة…وعند التحقيق نجد أن الأزمة مركبة يتشابك فيها التربوي والعقائدي بالفكري والسياسي والاقتصادي…ويتداخل لدرجة يصبح الفصل بينها مستحيلا. ولكن الثابت أن أزمة الأمة لم تكن وليدة اليوم ولا الأمس القريب، بل جذورها ممتدة إلى فترة إسقاط الخلافة الراشدة، وقيام سلطان العصبية والأثرة والقهر والاستبداد مع بني أمية في نظام المجتمع الإسلامي.
لقد مثل هذا التراجع عن المنهاج النبوي الراشد في الحكم بداية التحلل والنقض في عرى المنهاج ومعاقده وأصوله وخصاله. ومنذ تلك اللحظة التاريخية المفصلية بدأت المحجة البيضاء الناهجة التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم تتعتم –أول ما تعتم منها الحكم-وتتعرض لغيوم الأوهام، وغبش التقليد، وقتامة البدع والضلالات، وظلام التحريف والانحراف لتفشي الظلم والجور وسطوتهما، ولسيطرة الأهواء وتعصبها، وتناقض العقول والأفهام وتمذهبها، ونفرة القلوب وتدابرها، واختلاف الإرادات وتخاصمها.
نحاول البحث –باختصار شديد- عن أصول هذه الأزمة المنهاجية وطبيعتها وامتداداتها وتجلياتها حتى نعرف من أين أوتي المسلمون، ونتعلم من أخطاء الماضي ونستعد عاطفيا وعقليا وعمليا لطي صفحة الفتنة التاريخية وما فيها من أحقاد ونزاعات ونكسات وانكسارات…التي عاشتها –وماتزال-أمتنا الإسلامية من أجل التحرر من ثقلها، والانفكاك من قيدها، والبناء من جديد على نهج الشرعة القرآنية والمحجة النبوية.
فما هي طبيعة هذه الأزمة؟ وما هي أسبابها وجذورها؟ وما هي مظاهرها؟ وكيف يمكن معالجتها؟
أولا: في طبيعة الأزمة المنهاجية
إن الأمة الإسلامية بكل فئاتها وطوائفها ومذاهبها (سنة بمدارسها المتعددة، وشيعة بفرقها المختلفة، ومعتزلة بتياراتها القديمة والحديثة…) حتى تلك التي تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، إلا وتدعي التمسك بالكتاب والسنة، وتنصب نفسها الناطقة باسمهما، الحافظة لمفاتيحهما، الأمينة على كنوزهما، الحامية لهما من انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين. بل وتعيب على من يخالفها في الرأي والاجتهاد بالبعد عن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة…
وكل الحركات الإسلامية والجماعات الدعوية والتيارات المذهبية –رغم اختلافاتها العميقة وتبايناتها الواسعة- تعلن أن خطها العلمي والعملي ومنهجها التربوي والدعوي والجهادي هو الكتاب والسنة. بل بعضها يغالي فيجعل فهمه واجتهاده ورأيه هو الكتاب والسنة، وجماعته هي الطائفة الناجية من دون الناس. فما من أحد من هؤلاء وغيرهم إلا و”يقول في معرض التحدث والتساؤل عن العمل الإسلامي ومنهاجه، ينطق بهذه العبارة الصارمة: كتاب الله وسنة رسوله.
لا مراء أن المحفوظ من حفظه الله من الشك في هذا. بيد أن الكتاب والسنة أصلان سماويان. فهما في منتهى الكمال إذا اعتبرناهما مجردين. فإذا نزلنا إلى الميدان، وشهدنا الناس في قابليات الفهم، وإرادة الجهاد، والإخلاص فيه، وجدنا أن تصور كل للكتاب والسنة يخالف تصور الآخرين. فكلما قيل جوابا عن تساؤلنا على عتبة العمل: “الكتاب والسنة”، قلنا “الكتاب والسنة نقل” فبأي عقل وبأي إرادة نحن مقبلون على تطبيقهما؟”[14].
الكتاب والسنة نقل ووحي، لكن بأي قلب نتلقاهما؟ وبأي عقل نفهمهما؟ وبأي إرادة نطبقهما؟ هناك طرف ثالث داخل هده المعادلة:
المنهاج النبوي = الكتاب + السنة + أنا.
المنهاج النبوي بين ثابتين هما: القرآن والسنة ومتغير هو: القارئ المتلقي للوحي. بل في الحقيقة هما متغيران: أنا الشخص القارئ وواقعه المتغير الذي يعيش فيه، ويؤثر في قراءته وفهمه وتمثله للوحي الثابت كتابا وسنة. فهذا هو محط الاختلاف وسبب التناقض في تلقي الوحي وفهمه وتنزيله.
هذه الأنا ما حظها من الله؟ ما سابقتها وغناؤها في دين الله؟ ما مقدار فهمها عن الله وتبصرها في شرع الله؟ ما فقهها في أحوال الناس والعصر؟ ما إرادتها، ما غايتها، ما نيتها في سعيها وجهادها؟ ما مقدار وراثتها الإيمانية وعمقها الروحي؟ وما مؤهلاتها العلمية وقدراتها الاجتهادية؟ وما خبرتها التنفيذية ومواصفاتها القيادية وكفاءتها الجهادية؟
هذه الأنا – كانت في تاريخنا الفتنوي –إما ماسكة بالنص الشرعي إمساكا حرفيا لا تستطيع استكشاف مقاصده وأسراره، وإما واضعة العقل في مكانة سابقة عن النص، بل جاعلة العقل حاكما على النص رافضا ما يخالفه – بزعمها – أو عكس ذلك جاعلة العقل منكوسا جامدا مقلدا لا يخرج – أبدا – عن اجتهادات السابقين، أو محرفة للنقل بدافع الأهواء السياسية والمذهبية، وموظفة له في حمى النزاعات الدموية في ساحة الحرب والجدالات الكلامية في ساحة الفكر. وإما معرضة عن العقل والنص معا مغرقة في الحقائق والبواطن والأسرار…
هذه الأنا –في تاريخنا- اختلفت إراداتها وتناقضت؛ فإرادات حاولت تمثل قيم القرآن والسنة، والوقوف في وجه الانحراف عن جادة الشرعة، والتحريف لحقائقها وصفائها، ونهضت لطلب الإصلاح، وقاومت جور الحكام وظلمهم؛ فمنها من أوذي في الله، ومنها من عذب، ومنها من استشهد… وإرادات استسلمت لقوة الباطل وجبروته، لقلة النصير وضعف “المكنة” حفاظا على “شوكة الإسلام” و”بيضة المسلمين”. وإرادات ثارت وحركها الغضب المكبوت والانتقام الحقود، أو الهوى الجامح والتعصب المقيت، أو الطمع في دنيا فانية ومتعة زائلة. وأخرى حركها طلب الآخرة والتوقان إلى الجنة ونعيمها، وأخرى طار بها الشوق إلى لقاء الله والنظر إلى وجهه الكريم.
هذه الطريقة النبوية المنيرة تجزأت وتشعبت، وهذه المحجة البيضاء الواضحة التبست وتعتمت، وهذه الإرادات اختلفت وتخاصمت، وهذه القلوب تدابرت وتباغضت، وهذه العقول تحجرت وسطت عليها الأهواء فحرفت النقل وبررت الظلم ونطقت بالباطل، أو سكتت عن الحق –على أحسن تقدير- ولم تجسر على بسط منهاج القرآن والسنة الكلي: الشورى والعدل والإحسان مخافة بطش السلطان وجبروته.
فالوحي الإلهي معصوم و”النقل ثابت والعقل متحرك بين سياديتين تتنازعانه، هما سيادة الإرادة الإيمانية الإحسانية أو سيادة الهوى، معادلة الاجتهاد العلمي لسلوك الشريعة تتراوح إيجابا وسلبا بين وضع يخدم العقل فيه الإرادة على ضوء النقل، ووضع يخدم فيه العقل سلطان النفس فيحرف النقل”[15].
إذا هناك أزمة على ثلاثة مستويات: أزمة نقل وعقل وإرادة.
أولا: أزمة نقل:
النقل ثابت، لكن طرأ على الكتاب والسنة واختلط بهما شروحا وتفرع عنهما علوما ومعارف في مجالات عدة (أصول الدين، التفسير، الحديث، الفقه، أصول الفقه…)، وخلف كل مذهب وطائفة الكثير من الاجتهادات والآراء المعبرة عن فهمه ونظرته للنقل. شكل كل هذا كتلة كثيفة حجبت عنا الأصول القرآنية النبوية، وحال التقليد والجمود، والتعصب للمذهب والطائفة والشخص من الاستمداد من هذه الأصول، والنهل من ينبوعها الصافي، واستثمار هداياتها ومعارفها في واقعنا المعاصر بدعوى تعظيم الوحي، والمحافظة على قداسته، أو أن الأولين ما تركوا للآخرين شيئا.
النقل محفوظ، لكن شكك فيه وتجرأ عليه واقتحم حماه دعاة العقلانية وأصحاب “القراءات المعاصرة والجديدة”، وأخضعوه -كباقي النصوص البشرية والتاريخية-لمناهجهم المادية الغربية من هرمينوطيقية وبنيوية وتاريخية وجدلية وتفكيكية…لتجريده من حرمته، وقداسة معانيه، وعصمة مصدره، وإلهية تشريعاته، وإلزامية أحكامه.
لذا فالمطلوب شرعا وواقعا التحرر من ثقل القراءات المختلفة التي أنجزها المسلمون منذ عصر التدوين إلي اليوم في التفسير وعلومه، وفي الحديث ومصطلحه، وفي الفقه وأصوله، وفي الفلسفة وعلم الكلام، وفي التصوف وعلم السلوك، وفي السياسة الشرعية والأحكام السلطانية…والتي حجبت أنوار القرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة وهدايتهما الفردية والجماعية والعمرانية، ومقاصدهما الدنيوية والأخروية، وشكلت بالتدريج جدارا صلبا وحاجزا كثيفا يحول دون الاستلهام والاستمداد المباشر من الوحي فقها لأحكامه، وتثويرا لمعانيه، وتدبرا لأسراره بعد الاستفادة –بطبيعة الحال- من كل هذا التراث وكنوزه، والإحاطة بكل هذه العلوم ومناهجها والبناء عليها التماسا وتطويرا وتجديدا في ضوء هدايات المنهاج ومقاصده، ومتطلبات العصر ونوازله، وإشكالات الواقع وتحدياته، ومقتضيات التجديد الكلي وشروطه.
الاجتهاد المنهاجي يبدأ من حيث انتهى إليه العلماء، ويوظف نتائج اجتهاداتهم ومناهجهم وأدواتهم لكشف واكتشاف المنهاج النبوي، ويؤسس أصولا جديدة تقتضيها طبيعته الدائرة ليست فقط في مدارات الحلال والحرام والحقوق الفردية والفتاوى الجزئية والنوازل الفردية. بل في مدارات التنظير الكلي (كلي الوحي، كلي الواقع، كلي المقصد والمصلحة، كلي المآل، كلي النوازل العمرانية…) والتأصيل التفصيلي (تربويا، علميا، سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا،…) والكيف التنزيلي (تربية، تنظيما، زحفا، تغييرا، بناء، عمرانا،…) لحركة الدعوة في تحولاتها وعلاقاتها ومساراتها وامتداداتها، ولعملية البناء الفردي والجماعي في مقاصدها وتعقيداتها وشروطها، ولبناء دولة القرآن وتنظيمها سياسة واقتصادا واجتماعا وعمرانا.
ثانيا: أزمة عقل:
في ظل الفتنة وثقلها وقبضتها، وواقع الانشطار والانكسار نشأت ذهنيات لم تستطع التحرر من تلك القبضة، وترعرعت عقليات لم تسلم من ذلك التكسير والتفتت، منها:
-ذهنية ناقصة لم تستكمل وسائل العلم والفهم ولم تفقه واقعها وحاضرها.
-ذهنية مقلدة جامدة تقفز على واقعها، وتعيش قضايا غيرها، وتفكر خارج زمانها.
-ذهنية لفظية: لا تصورات واضحة، أو أفكار هادفة، أو مناهج محكمة، أو مفاهيم محددة.
-ذهنية حرفية: لا تميز بين المقصد والوسيلة، بين الرخصة والعزيمة، بين مراتب الطلب وأولوياته.
-ذهنية تبسيطية ساذجة لا تعرف سوى “يجوز” أو “لا يجوز”: لا تبذل جهدها في فهم النص الشرعي، ولا فهم الواقع بتشابكه وتعقده وتحولاته، ولا تراعي فقه التدرج والتنزيل.
-ذهنية تكفيرية متعصبة تدعي الهداية والصلاح، وتنسب نفسها للفرقة الناجية من دون
الناس، وتضلل كل من خالف نظرتها الضيقة.
-ذهنية ذريّة لا تنظر إلى ما بين الشريعة والحياة والكون من ارتباط، ولا تستحضر الإشكالية المركبة من تداخل الأبعاد التربوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والوضع الداخلي والخارجي، وتنغلق في نظرة جزئية ضيقة بدل الرؤية الاستراتيجية الكلية.
-ذهنية رعوية تبريرية: درجت على الخنوع للحكام والانقياد لهم، وتبرير واقع الظلم والاستبداد والفساد، وتركز على جانب العبادات والأخلاق الفردية، مع الذهول المهول عن حالة الأمة ومشاكلها الحقيقية.
-ذهنية مادية: متأثرة بالعقلانية المعاصرة، ساكتة عن أمور الآخرة والغيب…
-ذهنية معارضة متهمة، همها نقد الواقع وكشف عيوبه دون العمل على إصلاحه، وبذل الجهد والثمن لتطهيره وكنس فساده، ومواجهة فساقه.
القرآن الكريم وحي من الله وحق لا باطل فيه، و”المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ليل يعميها، فهي نهر دائم في نفسها، لكن نظرة الناس إليها وفهمهم لحدودها وعزمهم على سلوكها ووسائلهم بالسير عليها عرضة لغيوم الأوهام وظلام الضلالات وغبش البدع وقتامة الكفر”[16].
قد يكون العقل مقلدا تابعا، والفهم جامدا حرفيا، والفقه جزئيا سطحيا، والوعي صعبا مستعصيا، إذا كان:
1-مصدر الفهم وأجهزة الفكر ومواطن التعقل كلها أو بعضها معطلا.
2-الجهل باللغة العربية وأسرارها، وبمقاصد الشريعة وحكمها. فلا يصح النظر والاجتهاد –كما يقرر ذلك الإمام الشاطبي- إلا “لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها”[17].
3-تفتت في النظرة، وانغلاق في الرؤية، وانحباس في المنهج الفردي التجزيئي التفريعي الذي يذهل عن المشهد الكلي والخيط الناظم، وعن الأهداف الكلية والغاية النهائية، ولا يستطيع النظر الكلي المباشر إلى الرسالة الإسلامية جمعية، وإنما يقرأها في شظايا الفقه الموروث شتيتة[18].
4-الخضوع لطوق تقليد الآباء والمؤسسين، والجمود على اجتهاداتهم وآرائهم. “فمن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، ومع هذا يقلده فيه ويترك من الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه، جمودا على تقليد إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب والسنة ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده”[19].
-اختلاف العلماء والدعاة المعاصرين في درجة الفهم ودقة النظر في النصوص الشرعية والمناطات الفردية والجماعية والحالية والمآلية، والتباين في مستوى الوعي بالواقع وتحولاته والقدرة على استشراف المستقبل والتخطيط له لضمان حسن التنزيل والتنفيذ لمطالب المشروع وأولوياته. فلكل مدرسة وجماعة من المسلمين نظرتها للإسلام ومقاصده، والجهاد ووسائله، والزحف ومراحله، والبناء ومداخله، والتربية وشروطها، والدعوة ومقتضياتها.
ثالثا: أزمة إرادة:
ما يغشى هذه الإرادات البشرية من فتور أو خوف أو طمع يدعو لمسالمة الواقع وشرعنته،
أو حماس مندفع يريد القفز إلى المستقبل قبل أن يوطد أقدامه في الحاضر، ويستعجل الثمرة قبل أن تنضج، أو نفور وتنافس مرضي بين الأشخاص، و حب للظهور والرئاسة، و إتباع للهوى وحب للدنيا. أو خضوع وخنوع لدين الانقياد وضغط الواقع، وتبرير للظلم والفساد المستشري بدعوى العجز وقلة النصير. أو استقالة تامة من الشأن العام وانصراف للتعليم والتدريس، أو انعزال ودروشة طلبا للخلاص الفردي. أو تحريف للنقل وافتراء على الوحي إرضاء للسلطان، أو إشعال للحروب وإسالة للدماء تعصبا للطائفة أو المذهب أو الشخص.
المطلوب تحرير الإرادة من كل ثقل وقيد يكبلها، ويضعف فعاليتها؛ قيد الهوى الذي يحرف النقل، وثقل حب الدنيا الذي يشوش على النية والقصد، ودين الانقياد والقعود عن الجهاد الذي يؤدي إلى الغثائية والانحطاط.
في الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن يتلى فيتجسد حقائق تسعى بين الناس. وحي يأتي به جبريل عليه السلام فلا يلبث أن يتحول التعليم القرآني حياة نابضة بالأخوة والقوة، وسلوكا فاعلا مؤثرا في الواقع. تنتقل التعاليم القرآنية بالجهاد النبوي الصحابي اليومي من دعوة إلى حياة، من مثال إلى واقع، من مطمح عال إلى إنجازات عينية. “كان القرآن ينزل طريا مواكبا للمسيرة التاريخية للنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه موجها لها. هو العلم، وهو المنهاج، وهو البرنامج، وهو النور الهادي إلى صراط الله. به ابتنيت نفوس مؤمنة، ومجتمع مؤمن، وحركة في العالم إيمانية[20].
جيل قرآني نبوي فريد يتلقى الوحي بنية التنفيذ، والأمر ليعمل به فور سماعه، والتوجيه ليتمثله ويتخلق به. شعور التلقي بنية التنفيذ –كما كان يعبر الشهيد سيد قطب- فتح لهم آفاقا واسعة مبدعة مؤثرة للعلم والعمل؛ لأن الوحي (القرآن والسنة) لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح: روح العلم المفضي للعمل، والنظر المنشئ للسلوك، والمعرفة المؤطرة للممارسة.
منهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول، وهو الشرط في صناعة أي جيل على نهج الرعيل الأول[21].
[1] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي، ص201.
[2] ياسين. عبد السلام، مجلة الجماعة، ع4، ص133.
[3] ياسين. عبد السلام، مجلة الجماعة، ع3، ص151.
[4] الشاطبي. أبو إسحاق ابراهيم بن موسى اللخمي، الموافقات، تحقيق محمد مرابي، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق-سوريا، ط1، 2013، ج 4، ص445-446.
[5] ياسين. عبد السلام، تنوير المومنات، دار لبنان، بيروت، ط2، 2018م، ج1، ص225.
[6] العز. بن عبد السلام السلمي، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ضبطه وصححه عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط1، 1999م،ج2، ص104.
[7] ينظر، ياسين. عبد السلام، القرآن والنبوة، مرجع سابق، ص13-14.
[8] ينظر قطب. سيد، معالم في الطريق، مرجع سابق، ص15-16.
[9] العلواني. طه جابر، أفلا يتدبرون القرآن؟ معالم منهجية في التدبر والتدبير، دار السلام، ط1، 2010م، ص 13.
[10] عبيد حسنة. عمر، من فقه التغيير ملامح من المنهج النبوي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1995م، ص8.
[11] الوزير. زيد بن علي، الفردية: بحث في أزمة الفقه الفردي السياسي عند المسلمين مركز التراث والبحوث اليمني، ط1، 2000م، ص114.
[12] أخرجه أحمد، واللفظ له، أول مسند الكوفيين، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، حديث: 18406. والبزار في مسنده، مسند حذيفة بن اليمان رضي الله، حديث: 2796. والطيالسي في مسنده، أحاديث حذيفة بن اليمان، حديث: 438.
[13] أخرجه أحمد، واللفظ له، مسند الأنصار، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، حديث: 22160. وابن حبان في صحيحه، ذكر الإخبار بأن أول ما يظهر من نقض عرى الإسلام من جهة الأمراء فساد الحكم والحكام، حديث: 486. والطبراني في المعجم الكبير، باب صدي بن العجلان أبو أمامة الباهلي، حديث: 7486.
[14] ياسين. عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، مطبعة فضالة المحمدية، ط 1، 1989، ص 10.
[15] ينظر أبو الفضل. منى عبد المنعم، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي: بين المقدمات والمقومات، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، ط1، 1996م، ص7.
[16] بن مبارك. برغوث عبد العزيز، المنهج النبوي والتغيير الحضاري، كتاب الأمة، قطر، عدد 43، 1995م، ص72.
[17] الدهلوي. أحمد شاه ولي الله بن عبد الرحيم، حجة الله البالغة، ضبطه ووضع حواشيه محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 2005، ج1، ص165.
[18] أخرجه البخاري في صحيحه، رقم الحديث 3443، واللفظ له، ومسلم، رقم الحديث 2365.
[19] الدهلوي. حجة الله البالغة، مرجع سابق، ج1، ص170.
[20] ياسين. عبد السلام، الإسلام غدا، مطابع النجاح، الدار البيضاء، 1973م، ص161.
[21] صحيح البخاري، رقم الحديث 3535، واللفظ له. وصحيح مسلم، رقم الحديث 2286.