(خطبة) كيف نستفيد من الانتصار في اللهو واللعب من أجل تحقيقه في الجد والنصَب؟ (فإذا فرغت فانصب)
الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
(خطبة) كيف نستفيد من الانتصار في اللهو واللعب من أجل تحقيقه في الجد والنصَب؟
(فإذا فرغت فانصب)
بقلم: الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
الحمد لله الواحد الجبار، جعل الإنسان في هذه الدنيا يعيش في إطار الامتحان والاختبار، فأكرم المجتهد بالفوز والانتصار، وامتحن المتكاسل بالهزيمة والانكسار، حتى يحاسب نفسه على الأخطاء ويتجنب الأخطار، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، عالم الخفايا والأسرار، والمطلع على مكنون الضمائر والأفكار، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خير الأبرار، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأطهار، وعلى التابعين لهم بإحسان ما اختلف الليل والنهار.
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
إن الإسلام يريد للمسلمين أن يتذكروا ويذَكِّروا فتنفعهم الذكرى، يريد منهم أن يتناصحوا فيما بينهم، وأن يتواصوا بالحق والصبر والمرحمة، يريد لهم أن يستعرضوا مشاكلهم الأسبوعية فيبحثون لها عن حلول شرعية، يريد لهم عقد اجتماعات أسبوعية يستمعون فيها لمشاكلهم ويتعلمون فيها حلولها، يريد لهم أن يتعلموا أمور دينهم ليمارسوا على مقتضاها أمور دنياهم، يريد لهم أن يكونوا على اتصال دائم بخالقهم عز وجل عند الفرح والحزن وعند الجد واللعب، يريد لهم أن يستمر تجديد الإيمان في قلوبهم وسرائرهم، ويُستثمَر في أعمالهم وسِيَرهم.
أتدرون ما الذي شرعه الإسلام ليؤدي هذه المهمة وليحقق هذا المبتغى؟
إنها خطبة الجمعة التي تعد مجلة أسبوعية، تعالج الأحداث التي يعيشها المسلم طيلة الأسبوع، فتبين له الفضائل ليتحلى بها، والرذائل ليتخلى عنها.
إنها خطبة الجمعة التي لا تصح صلاة الجمعة إلا بها، وهي من خصائص الإسلام، تجدد الإيمان في قلوب المؤمنين كلما ران عليها ما كانوا يكسبون.
إنها خطبة الجمعة التي تدل دلالة واضحة على أن الإسلام ليس طقوسا وعبادات؛ بل عبادات ومعاملات، لأنها لم تشرع لتبين للناس كيف يعبدون وكفى؛ بل لتربي في مجتمعهم ومعاملاتهم الصدق والوفاء، لتصلح مجتمعهم من براثين الفسق والجفاء، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يكون عقول الناس كلهم في واد وخطيب الجمعة وحده في واد آخر.
وإن من أبرز الأحداث التي شغلت عقول الناس في هذه الأيام الرياضة، ومن انتصر فيها ومن انهزم، والمسلم لا ينبغي أن يفوته أي حدث دون الاستفادة منه، لأنه دائما ينشد الحكمة ويبحث عن الفائدة، والحكمة ضالته يلتقطها حيث وجدها، والفائدة هدفه يغتنمها حيث ظفر بها، روى الترمذي عن أبي هريرة أن الرسولﷺ قال: «الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها».
ترى ما هي الفوائد التي ينبغي أن يستفيد منها المسلم من خلال كرة القدم؟
● الفائدة الأولى: رأينا أن جميع فصائل المجتمع المغربي بكل أنواعها وأشكالها قد اتفقوا واتحدوا وتوحدوا؛ من حكام ومحكومين، ومن أحزاب اليسار واليمن والوسط والإسلاميين، ومن العرب والأمازيغيين، ومن الأغنياء والفقراء، ومن الرجال والنساء؛ وحتى الأطفال الصغار، الكل يهتف بالنصر ويهدف إلى الانتصار، ولا يختلف فيها اثنان، ولا يتناطح عليها كبشان، فلو طرحت على طاولة المناقشة أي قضية مهما كانت أهميتها، لو جدت فيها أحزابا وفرقا وأشتاتا، ووجهات نظر مختلفة؛ وآراء متضاربة ومتدابرة؛ فحتى لو تعلقت بوجود الله تعالى، وبالرسول الأمينﷺ، وبالقرآن الكريم، وبالسنة النبوية الشريفة لو جدت فيها اختلافا كثيرا؛ فكيف بالقضايا الاجتماعية التي هي أصلا مثار الخلاف ومحل وجهات النظر! إلا في كرة القدم فالكل متحد، هدفه واحد، وهتافه واحد، وأمنيته واحدة.
ليتنا كنا هكذا في القضايا المصيرية التي نعاني منها في واقعنا؛ حبذا لو كان هذا الاتحاد الموحد، وهذا الاتفاق المنقطع النظير، على محاربة الأزبال في شوارعنا، ومحاربة الرشوة في معاملاتنا، ومحاربة البطالة التي قصمت ظهور شبابنا، ومحاربة الدعارة التي نشرت الأمراض الخطيرة المضرة بصحتنا، ومحاربة الخمور والمخدرات التي استفحلت في مجتمعنا، ومحاربة الأمية التي شوهت سمعتنا، ولا أقصد بذلك أمية القراءة والكتابة؛ بل الأمية أكبر من ذلك: الأمية في الإعلاميات، الأمية في التكنلوجيا، الأمية في العلوم الاقتصادية، الأمية في الأخلاق، الأمية في الدين، وأشدها فتكا بهويتنا ووجودنا هي الأمية في الدين؛ إذ منا من يحمل درجات الدكتوراة وهو لا يعرف كيف يتوضأ، ولم يمس المصحف قط.
● الفائدة الثانية: لقد رأينا الانتصار التي حققه فريقنا، لقد رأينا فعلا كيف كان النصر حلوا! هذا في اللهو واللعب فقط، ولكم الآن أن تتصوروا كيف ستكون حلاوة النصر لو انتصرنا في قضايا مصيرية: من البطالة المجحفة، والأمية المؤسفة، والرشوة المفسدة، والدعارة المجرفة! ولكم الآن أن تتصوروا حلاوة النصر لو انتصر المسلمون على الصهاينة فحرروا القدس أو انتصرنا على الصليبين فحررنا سبتة ومليلية!
● الفائدة الثالثة: لقد رأينا الانتصار التي حققه فريقنا؛ وحق لنا الآن أن نتصور بعد أن تذوقنا حلاوة النصر في اللعب كيف كانت حلاوة النصر في الجد؛ فلكم الآن أن تتصوروا حلاوة الانتصارات التي حققها أسلافنا وأجدادنا في تاريخ المغرب بالخصوص وفي تاريخ الإسلام على العموم:
كيف كانت حلاوة النصر في غزوة بدر الكبرى!
كيف كانت حلاوة النصر يوم فتح الرسولﷺ مكة المكرمة!
كيف كانت حلاوة النصر يوم فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس!
كيف كانت حلاوة النصر عند المغاربة يوم فتح قائدهم طارق بن زياد الأندلس!
كيف كانت حلاوة النصر عند المغاربة يوم انتصر سلطانهم الأمازيغي يوسف بن تاشفين في معركة الزلاقة قرب غرناطة!
كيف كانت حلاوة النصر عند المسلمين يوم انتصر صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين فاسترد القدس من جور الكفر إلى مجد الإسلام!
كيف كانت حلاوة النصر عند المغاربة يوم انتصر بجيشه السلطان السعدي العربي عبد الملك المعتصم على الجيش البرتغالي الغاشم في معركة وادي المخازن!
كيف كانت حلاوة النصر عند المغاربة يوم توجوا بالاستقلال وطرد الاستعمار الفرنسي الصليبي الظالم!
كيف كانت حلاوة النصر عند المغاربة يوم حررت المسيرة الخضراء الصحراء من نير الاستعمار الإسباني الصليبي الغاشم!
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛
هكذا تعلمنا من هذا الحدث الرياضي الأمور التالية:
1) تعلمنا منه كيف نتحدث ونتوحد، وكيف نرتفع عن خلافاتنا إلى وحدة في تنوعنا، كيف نتمسك بتوحيد الكلمة على أساس من كلمة التوحيد
(لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم)
2) تعلمنا منه كيف كان النصر حلوا في اللهو واللعب حتى نعمل من أجل تحقيقه في الجد والعمل و(المعقول).
3) تعلمنا منه بعد أن تذوقنا حلاوة النصر في اللعب كيف كانت حلاوة الانتصارات التي حققها أسلافنا وأجدادنا في التاريخ، والعاقل لا ينسى تاريخه.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…