منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لوكنت على فراش الموت وأنت تطلُّ على هذا الاحتفال الذي تابعه العالم ماذا سيكون تعليقك؟

الأستاذ ادريس قافو

0

لوكنت على فراش الموت وأنت تطلُّ على هذا الاحتفال الذي تابعه العالم ماذا سيكون تعليقك ؟

الأستاذ ادريس قافو

شهدت الانتخابات الرئاسية التركية 2023 دعما أمريكيا مطلقا للمعارضة، وهجمة شرسة لوسائل الإعلام الأوروبية على “الدكتاتور” أردوغان، وحملات التشكيك في الإنجازات والنوايا على مواقع التواصل الاجتماعي… فأدى ذلك إلى استقطاب حدِّ لم يترك أحدًا على الحياد، وأخرج تلك الانتخابات من كونها منافسة بين أتراك إلى أبعاد أخرى، فتجاوزت كونها صراعاً بين تحالف حاكم ومعاضة، لتصبح صراع معنويات بالوكالة بين شرق وغرب، وبين اسلام وعلمانية، وبين أمل في التغيير بثَّه الربيع العربي في النفوس وبين يأس و تيئيس يبُثُّه قادة الثورات المضادة في وجدان الشعوب.

لهذا ففوز اردوغان هو فوز يستحق أن يفرح به المسلمون الأتراك باعتباره استمرارا للتغيير والنهضة واسترجاعا للهوية التي حاول أتاتورك طمسها، ويفرح به المسلمون من غير الأتراك مشاركة للأتراك في عرسهم الديمقراطي، الذي لم يُقَمْ مثله في الدول الديمقراطية (جدا) على الأقل من حيث نسبة المشاركة، وفرحا ببثِّ الأمل في التغيير في نفوس الشعوب المستضعفة.

حتى لا يُفهم العنوان تبخيساً للإنجازات

حتى لا يُفهم العنوان تنقيصا من أهمية التدافع السياسي، وقد قال رسول الله ﷺ لرجل أراد أن يعتزل الناس: (لا تفعلْ فإنَّ مقامَ أحدِكم في سبيل اللهِ أفضلُ منْ صلاتِهِ في بيتهِ سبعينَ عامًا)([1]) أو يُفهَم تبخيسا لإنجازات الآخرين، لابد من الإشادة بإنجازات تركيا وأردوغان، وإنجازات الذي قادوا هذه الحملة الانتخابية الشرسة حتى النصر، والإشادة بالموقف البطولي للذين تصدوا بالصدور العارية للدبابات في الشوارع ليلة انقلاب 2016 دفاعا عن خيار الشعب، والذين لم يخذلوا أردوغان كما خذل بعض المصريين محمدا مرسي، بل خذلوا أنفسهم وبلدهم أم الدنيا: مصر، فأعادها العسكر إلى مصاف الدول المتسوِّلة.

فسؤال العنوان ليس صرفا للأنظار عن إنجازات الأتراك واحتفالهم، بل هو مما تقتضيه حقيقة أن أجل الإنسان لا ينتظر انتهاء الاحتفال والمشاغل، لذا يجب ألا ينسينا مثل هذا الفوزِ (الفوزَ العظيم)، وألا ننسى الهدف الأكبر حين تتقاذفنا الأهداف الصغرى والأمور المستعجلة الفورية، وألا تشغلنا مدافعة الخصوم، وهي ضرورة شرعية، وهموم الدنيا وهوسها وأطماعها، وآمالها وآلامها… عن همِّ الآخرة والمصير، فتشغلنا حتى لا نجد فسحة لطرح السؤال (الفطري السائل عن معنى وجودي، وحقيقة حضوري، وغاية مروري من هذه الحياة العجيبة الغريبة)([2])؛ سؤال العنوان هو للتذكير بأسئلة تنسيها مثل هذه اللحظات وتأجلها الى وقت لا يجدي فيه طرحها.

الأسئلة المصيرية المؤجلة

هناك أسئلة وجودية كبرى لابد لكل إنسان أن يطرحها، مؤمنا كان أو كافرا، لكن الفرق الجوهري في طرحها يكمن في التوقيت؟ يقول ستيف جوبز (Steve jobs) أحد كبار رجال الأعمال وهو على فراش الموت: (في هذه اللحظة، وأنا مستلق على سريري، مريض وأتذكر شريط حياتي، أدرك أن كل سمعتي والثروة التي أمتلكها لا معنى لها في وجه الموت الوشيك).

ومحطة الوقوف وجها لوجه مع الموت لابد لكل إنسان أن يمرَّ بها، وعندها يقترب من الحقيقة المطلقة واليقين اللذين يشعر بهما المُحتضَر([3]) حين يُكشَفُ عنه الغطاءُ، ويصبح بصره حديدا، وفي هذه اللحظة يتذكر الأسئلة الوجودية التي كان عليه استحضارُها دائما، من قبيل: (لماذا وجدت؟ ما مصيري بعد الموت؟ ما واجبي؟ كيف أستعد للحياة الأخرى؟ بأية أخلاق أسير في المجتمع؟)([4]) ويجيب عنها الإجابات الصحيحة، لكن الوقت حينها سيكون قد فات للعمل بمقتضى تلك الإجابات.

ولكيلا يعيش الإنسان حسرة تأجيل الإجابات الصحيحة التي يتأسس عليها مصيره في الآخرة عليه أن يبادر بطرحها وفرص العمل لا تزال قائمة أمامه.

توهَّم أنك في اللحظة التي وصفهاSteve jobs) ) وأنت تطلُّ على هذا الاحتفال

لا شك أن أول تعليق على الوقوف بهذه الساحة هو: (إن لم تكن النية خالصة لله فإنما هي دنيا تغرُّ وتلعبُ بأبنائها)، أما إن استدعيت ما مضى من نضالك أو جهادك الذي أدى إلى هذا النصر لتحتجَّ به، فهناك سؤال يختصر عليك تقييم عملك وانجازاتك، وهو:(هبْ أن الله جلت عظمته توَّج جهود العاملين للإسلام، وأنت منهم، بالتمكين في الأرض للجماعة [أو الحزب أو التحالف] التي نصرتَها، فما حظك أنت من عطائه. وما مرتبتك بين أوليائه؟ … فأين أنت في معارج الإيمان والإحسان؟ كيف نسيت مصيرك أثناء الاشتغال بمصير المسلمين؟)([5])

الخلاصة

الغاية من طرح هذه الأسئلة هو ألا يُضعِف التصورُ الخاطئ- الذي يرى الدنيا حلبة صراع مفتوح على المجهول، ودار متعة وانتهاز للفرص…- إرادة المؤمن فيضعف عن الإمساك (بتلابيب نفسه وهواه، ويحمل فكره على المكروه الذي تهرب منه النفس الراكدة في خبثها. ألا وهو مواجهة الذات بالسؤال المليح الصريح: أي إيمان هو إيماني؟ وما قضيتي مع ربي؟) ([6])


([1] ) – الترمذي: سنن الترمذي، وقال حديث حسن

([2] ) – ياسين، عبد السلام: تنوير المؤمنات، ج1، ص6

([3] ) – المحتضر: مَنْ حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ

([4] ) – ياسين، عبد السلام: الإسلام والحداثة، ص182

([5] ) –ياسين، عبد السلام: الاحسان، ج1، ص294

([6] ) – المصدر نفسه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.