منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أُحدّثكـم عن الفقيـه القانونـي “محمد سليم العــوّا”

 محمَّـــد عبد الشَّــافي القُوصــي؛

0

أُحدّثكـم عن الفقيـه القانونـي “محمد سليم العــوّا”

 محمَّـــد عبد الشَّــافي القُوصــي؛

      منذ انطلاق “طوفان الأقصى”، وأنا حريص على الوقوف على رؤية المفكر الإسلامي (محمّد سليم العــوّا) وفهم تحليله لِمجريات ذلك الحدث الجلل- فهو صاحب نظرةٍ ثاقبة، ورؤيةٍ نقديةٍ عميقة، كلماته تُحسَب بعددها، وتوزَن بميزان الذهب، وذلك راجع إلى بلاغته المعروفة، وأمانته المعهودة، ومرجعيّتهِ الثقافية … فهو مع “المقاومــة” إلى النهاية، وقد وصف عملية معبر الكرامة عند الحدود الأردنية، بأنه عمل متوقَّع مِن كل ذي كرامة! وعندما اندلعت الحربُ بين إسرائيل وإيران، قال: إذا هُزِمت “إيران” فستُهيمن إسرائيلُ على الدول العربية. ويرى أنَّ ما يحدث في فلسطين سيتكرر في كل بلد عربي! ويرى أنَّ “يحيى السنوار” أحيا القضيةَ الفلسطينيةَ على مستوى العالَم. وأنَّ صمود المقاومة طوال عامين متواصليْن أمام أعتى آلات الحرب الحديثة هو انتصار كبير، وأنَّ فشل الاحتلال في تحقيق أي هدفٍ من أهدافه هو هزيمة كبيرة، وأنَّ ما بعد “طوفان الأقصى” ليس كما قبله، وأنَّ الاحتلال دقّ أول مسمار في نعشه! وأنَّ إسرائيل تتصرف الآن تصرف اليائس وترقص رقصة المذبوح!

     عندما تستمع للدكتور “سليم العــوا”، تشعر بأنك تعيش في القرن الثاني أوْ الثالث الهجري؛ حينما ازدحمت الأرضُ بالعلماء والفلاسفة والنوابغ في مختلف العلوم والفنون … فمَن زعم أنَّ (العـوّا) تسلَّلَ مِن عصر الخليل والزمخشري والفرّاء والجاحظ والمُبرّد والثعالبي والجرجاني، فما ظَلَم! ومَن ظنَّ أنه خرج مِن طبقات المتكلّمين “الأشاعرة”، كالجوينـي والقرافـي والنووي والرازي والباقلاّني، فما جانبه الصواب … إذْ يرى أنَّ “الاجتهاد” ليس له باب يُغلَق، ولا دار تُخرب! وأنَّ السلَف الصالح تعامل مع الثقافات الوافدة بعقول أكثر انفتاحاً. وأنَّ اكتشاف المقاصد الشرعية أمر ضروري لفهم الأحكام النصية. وأنَّ الإحاطة بعلوم الشرع واللغة أهم شروط الاجتهاد الصحيح. وأنَّ فتاوى الفضائيات شاذة لأنها تخالف القاعدة الفقهية. وأنه عندما نفصِل بين ثقافتنا وديننا نفقد القدرةَ على الصمود والتحدّي.

   أتذكَّر عندما قرأتُ كتابه “الإسلام بين الاجتهاد والتقليد”؛ لمْ أتمالك نفسي من جمال أسلوبه، وروعة بيانه، ودقّة تعبيره! ولمَّا قرأتُ كتابه “النظام السياسي للدولة الإسلامية”؛ أدركتُ مدى رجاحة عقله وعُمق تفكيره. لذا؛ حرصتُ على اقتناء جميع مؤلفاته التي تربو على خمسين كتاباً.

   عندما أنشأَ صالونه الثقافـي –منذ ثلاثة عقود- حرّكَ المياه الراكدة، وبعثَ الأملَ في النفوس، واستنهضَ الشبابَ، ونقلهم من حالة الاستكانة والهمود إلى بحرٍ متلاطمٍ بروح الوطنيّة الفتيّـة، فصدح بصوتهِ الرنّان أمام الآلاف الذين كانوا يَترقَّبونَ ندواته، ودعا إلى فتح أبواب المعرفة، وضرورة التفكير العلمي وإعمال العقل، وقدّم إسهامه الفكري الذي امتاز بنزوعهِ التحديثي إلى استيعاب القيم الحديثة في المنظومة الإسلامية!

   نعـم، إنك بمجرد أن تستمِع للدكتور “العــوّا”؛ تُدرِك أنه صاحبُ مَنطِقٍ بديع، وصاحب قضيّة واضحة وهي “العدالــة”، يُجيد التعبير عنها بمهارةٍ فائقة، ولديهِ إحساس مُرهَف بجماليّات اللغة وآدابها، وكأنه يُؤسّس لنوعٍ جديدٍ من أدب السياسة؛ لتتحوّل خُطبه إلى أدبٍ صِرف … حتى استطاع أن يَخلِب الألباب، ويُصبح قُدوةً للشباب الواعد!

     ولن ينسى الناسُ دفاعه -فيما عُرِفَ بـ”خليّة حـزب الله”- إذْ شخصت الأبصار، وأصبح القضاةُ مشدوهينَ ومذهولين، وهم يسمعونَ ويَستمتعونَ بتلكَ “المرافعــة” الفقهية السياسية الأدبية التي قيلَ: إنها أبلغ مرافعة في تاريخ القضاء المصري!

   (حكـايـة): عندما ترشَّح الدكتور (العــوّا) لرئاسة الجمهورية -بعد ثورة يناير 2011م-علّقت صحيفة(الصن The Sun) قائلة:(ليس هذا زمن الفلاسفةThis is not the time of philosophers)!

   نعــم، ليس هذا زمن الفلاسفة ولا زمن المُصلحين، إنما هو زمن الأشاوس؛ الذين بصقوا في جُـرح فلسطين، وساقوا لهولاكـو كلّ بنات صلاح الدين!

   إنه زمن الجبابرة المستبدّين الذين تحرسهم الشياطين؛

  إنه زمن “العسكْر” الذين يَسطونَ على الحُكم عبر جسورٍ من الجماجم وبحارٍ من الدماء!

    فمَن قال إنَّ “الحجّـــاج” مات .. ففي كلّ بلدٍ عندنا حجّــاج!!

    لقد أخذ الدكتور “العــوَّا” خطوةً إصلاحيةً شديدةَ الأهمية في مجال الفقه السياسي فيما يتعلق بحق المشاركة السياسية للمرأة وغير المسلمين، وتوليهم المناصب العامة داخل الدولة، حيث أجاز الأمر معتبرًا أنَّ العالَم الإسلامي خرج من إطار نظام الخلافة التي عرفناها في تاريخنا إلى إطار الدولة المدنية الحديثة، التي يجوز فيها أن يتولى المناصب العامة والسياسية أيّ إنسانٍ مسلم أوْ مسيحي، أوْ أي مواطن في الدولة ذكرًا أوْ أنثى؛ مُرجِعًا الأمر لطبيعة الحُكم الحديث التي تتوزع فيه المهام على مؤسسات دستورية مختلفة ولا يقوم بها شخص واحد، وكذلك طبيعة المناصب فيها التي تعتبر وكالة عن المواطنين لا ولاية من أيّ نوعٍ كان!

   الخلاصــة: أنَّ مشروع المفكّر الكبير “محمد سليم العــوَّا” يُدندِن حول الوسطية والاعتدال، وهو صاحب “المشروع الإسلامي الحضاري الوسطي”، الذي يهدف إلى تكوين المؤسسات القادرة على إعادة تشكيل العقل الإنساني. وقد تجلَّى ذلك في كتاباته التي تنزع نحو التجديد في مسائل الفقه السياسي عبر استيعاب قيم الحداثة خصوصًا الديمقراطية في منظومة القيم الإسلامية، فهو لا يساير هوى العامة، ولا يوافق قادة الحركات الإسلامية، وفي الوقت ذاته لا يصنع معهم قطيعة، إنما يدعوهم إلى عدم الخلط بين “قِيَـم الإسلام المستمدة من الوحي” و”التجارب التاريخية للمسلمين”، معتبرًا أنَّ الشأن السياسي متروك للاجتهاد، وأنَّ نظام الخلافة في مدلوله السياسي أوْ الدستوري ليس أكثر من عملية تنظيم رئاسة الدولة التي تشتمل على اختيار الرئيس وتحديد صلاحياته ومسؤولياته … مَن كان له أُذُنـان فليسمَع!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.