منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف يعيد الصيام تنشيط جيناتنا؟

كيف يعيد الصيام تنشيط جيناتنا؟/ د. محمد السقا عيد

0

كيف يعيد الصيام تنشيط جيناتنا؟

 بقلم: د. محمد السقا عيد

يُعدّ الصيام من أعظم العبادات التي تجمع بين تزكية الروح وصحة الجسد، وقد بدأت الدراسات الحديثة تكشف عن جوانب مدهشة لتأثيره في جسم الإنسان، تمتد حتى إلى داخل خلاياه الدقيقة. فخلال ساعات الامتناع عن الطعام والشراب، لا يقتصر الأمر على شعور الإنسان بالجوع أو العطش، بل يدخل الجسد في حالة من إعادة التوازن والتنظيم الداخلي، وكأن أجهزة الجسم المختلفة تعيد ترتيب أولوياتها وتستعيد هدوءها الطبيعي.

وتشير الأبحاث إلى أن فترات الامتناع المنتظمة عن الطعام تساعد الجسم على تنشيط ما يُعرف بعملية الالتهام الذاتي، وهي عملية طبيعية تقوم فيها الخلايا بتنظيف نفسها من الأجزاء التالفة وإعادة تدوير مكوناتها لتستعيد نشاطها بصورة أفضل. وقد نال العالم الياباني يوشينوري أوسومي جائزة نوبل عام 2016 بعد أن كشف أسرار هذه العملية وأبرز دورها في الحفاظ على حيوية الخلايا وتأخير مظاهر التقدم في العمر، مما يعكس قدرة الجسد المدهشة على التجدد حين تُتاح له فرصة الراحة والامتناع المنظّم عن الطعام.

ولا يتوقف أثر الصيام عند حدود تجدد الخلايا فحسب، بل يمتد إلى ما يُعرف بآليات التنظيم الجيني، أي الطريقة التي تتحكم بها الخلايا في تشغيل بعض الصفات أو تهدئتها دون تغيير أصل الشيفرة الوراثية نفسها. فالصيام لا يبدّل تركيب الجينات، لكنه يساعد على ضبط نشاطها؛ فيُهدّئ بعض الأنشطة المرتبطة بالإجهاد والالتهاب، ويُنشّط ما يدعم المناعة والتوازن الداخلي. ومع تكرار الصيام بصورة منتظمة، يكتسب الجسد قدرة أكبر على التكيّف، فيتحسن مستوى الطاقة، ويزداد الانضباط الداخلي لأجهزة الجسم المختلفة.

وهكذا يتجلى لنا أن الصيام ليس مجرد عبادة روحية أو عادة صحية عابرة، بل هو منهج متكامل يعيد للإنسان توازنه على مستوى عميق، في انسجام بديع بين توجيهات الشريعة وما يكشفه العلم الحديث يومًا بعد يوم. فكلما تقدّم العلم خطوة، ازداد يقين المؤمن بعظمة هذا التشريع، وأن في الصيام سرًّا من أسرار الرحمة الإلهية التي تجمع بين صفاء الروح وقوة الجسد في آنٍ واحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.