منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف نقاوم ضروب المحاصرة للدعوة الإسلامية؟

الدكتور البشير قصري

0

كيف نقاوم ضروب المحاصرة للدعوة الإسلامية؟

بقلم: الدكتور البشير قصري

أصبحت الدعوة الصادقة والقومة الناصحة، بموازين الساسة الغافلين والعملاء المأجورين والبطالين المرجفين، عدوا مصنفا في المرتبة الأولى، لا ينبغي التهاون في شأنه، بل لا بد من حشد كل إمكانات التزوير والدعاية والتجريح والاتهام، وتوظيف مختلف أساليب المكر والقمع والإرهاب، لمحاربته وعرقلة زحفه، فلا شيء يغتاظ منه خصوم هذا الدين مثلما يغتاظون من الدعوة إلى رجوع الإسلام كما كان، قويا في حضوره ومبدعا في عطائه، وعلى قدر الغيظ الذي يأكل صدورهم، تكون محاصرتهم لهذه الدعوة ومضايقتهم للقائمين بها.

نعم هي خصومة معلنة ماكرة تبلغ أوجَها بتآمرهم على فرض حصار خانق على دعوة الله ورجالها ومشاريعها، فهناك قوى خارجية وداخلية وعالمية ومحلية هدفها الأسمى هو الصد عن سبيل الله، بنزع العقيدة الإسلامية الصحيحة من قلب كل مسلم، وتحويله من اليقين إلى الشك، ومن العمل إلى التواكل، ومن الأخلاقية إلى الانحراف، فتصير بلاد الإسلام غرضا لكل طامع، ولقمة سائغة لكل ناقم، فكان لزاما على كل مسلم -فضلا عن الدعاة المخلصين- أن يعي جيدا معالم هذا التآمر، وكيفية مواجهته، وأن يقف كالجبل الشامخ والأسد الهصور يدافع ويكافح ويعمل ويجاهد، إلى أن يحقق الله لهذا الدين انتصاره، ولهذه الأمة عزتها، وللإنسانية صلاحها وهدايتها، وما ذلك على الله بعزيز.

فكيف يمكن التصدي لهذا الحصار؟ وما مسؤوليات المسلمين والدعاة خصوصا في هذا التضييق والتشنيع؟ أليس جزءا مهما من المسؤولية يقع على الدعاة أنفسهم؟

 

تقديم

أولا: حقيقة الدعوة إلى الله تعالى.

قد لا يسعفنا كثيرا لتبين حقيقة الدعوة الإسلامية النظرُ في قواميس اللغة ومعاجم العربية، بقدر ما يفيدنا –بل يغنينا- الوقوف عند دلالاتها القرآنية وتمثلها النبوي.

أ- الدعوة في القرآن الكريم.

  القرآن الكريم كتاب هداية ودعوة قبل أن يكون كتاب أحكام وشريعة، لأن الهداية هي أساس الإيمان، والدعوة هي الأداة لنقل هذا الإيمان، ومن الآيات التي أحاطت بشأن الدعوة على وجازتها قوله تعالى:  ﴿اَ۟دْعُ إِلَيٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اِ۬لْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِالتِے هِيَ أَحْسَنُۖ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۖۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَۖ﴾ [النحل:125]، أطلق وقيد، وأوجز وأعجز، فسبحان الله العليم الحكيم.

أطلق وقال: (اَ۟دْعُ إِلَيٰ سَبِيلِ رَبِّكَ) ما حدَّد ولا عين شيئا معينا خاصا، فجاز دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده، وإلى العقيدة الصحيحة، وتحثون على الصلاة، تدعون إلى مكارم الأخلاق وإلى الفضيلة، أو تدعون الإنسان إلى تقدير الكرامة الإنسانية، وغيرها من المنافع والمصالح الدنيوية والأخروية، فسَبِيلِ رَبِّكَ يحوي كل شيء، إنه يمتد ليسع آفاق الحياة الإنسانية، وتأمل قوله عز وجل: (اَ۟دْعُ) وهو فعل لا يختص بالخطابة، ولا يختص بالكتابة، ولا يختص بالوعظ والنصيحة لتبقى الدعوة عامة تشمل هذه المعاني كلها وتعم هذه الأساليب جميعها.

وقد تضمن القرآن الكريم الكثير من النماذج الدعوية وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل عليهم صلاة الله وسلامه.

ب- الدعوة في السنة والسيرة.

كان النبي صلى الله عليه وسلم مفطورا على الدعوة والتبليغ، فكما تعيش الملائكة بالتسبيح كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يعيش بالدعوة، وبذلك وصفه القرآن (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مومنين) شفقة من الرحمن الرحيم على حبيبه، فلعلك مهلك نفسك مشدد عليها، محملها فوق طاقتها، فقد كان هم الدعوة يؤرقه لأنه رحمة مهداة، يشارك الإنسانية كلها آلامها ويشاطرها أحزانها، كما وصفه الله تعالى (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم).

وقد بين صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ودعا إليه وحرص على تمثله، فكان من أقواله:

«بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً، وَحَدِّثُوا عن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». [أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو]

فإضافة إلى ما يحمله الحديث من معاني التكليف والتشريف والتخفيف، نجد إشارة واضحة إلى ما ينبغي أن يُبَلغ، وهو قبل كل شيء القرآن وما كان منه أو إليه، لأنه عاصم لأهله من الضلالة، كما جاء في الأثر (ومن دعا إليه فقد هدي إلى صراط مستقيم).

وقال صلى الله عليه وسلم مخاطبا عليا رضي الله عنه لما أعطاه الراية: « … انْفُذْ علَى رِسْلِكَ، حتَّى تَنْزِلَ بسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى الإسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بما يَجِبُ عليهم مِن حَقِّ اللهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لكَ مِن أَنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ.» [أخرجه مسلم في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي] في هذا الحديث بيان فضل الدعوة إلى الله، وإشارة إلى المقصد الشرعي من الجهاد وهو الهداية لا القتل والنكاية.

وكان من حرصه على الدعوة والتبليغ ما أتحفتنا به كتب السيرة مفصلا، وأكتفي هنا بذكر بعض العناوين –يرجع لذلك في مظانه-

  • حرصه على هداية عمه أبي طالب.
  • دعوته وحشي بن حرب رضي الله عنه.
  • دعوته أقربائه من أفخاذ وبطون القبائل.
  • مراسلته إلى رؤساء الدول (النجاشي، وهرقل، والمقوقس، وكسرى …)
  • وكان أسلوبه على غرار جميع الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه يتميز بشدة التجرد والإخلاص والصدق. (لا أسألكم عليه أجرا)، (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه)، (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله).
  • وقد كان نجاح دعوته صلى الله عليه وسلم نتيجة طبيعية لما اتصف به من خلال، وفي مقدمتها ثلاث: الإيمان بقدسية الرسالة وضرورة حملها، الحب الخالص للإنسانية والاهتمام بإنقاذها، والأمل الكبير في بلوغ الغاية (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم).

بعد هذه النظرة القرآنية والنبوية يمكننا أن نتلمس مفهوم الدعوة إلى الله، فنقول:

  • الدعوة عرض رسالة ومبدأ يتمثلها إنسان استحوذت على فكره وسلوكه.
  • الدعوة إلى الله تعالى هي الحث على عبادته وتعبيد الناس لربهم، ومصداق ذلك قوله تعالى على لسان عيسى عليه وسلم: (ما قلتُ لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم) ومثله ما قصه القرآن على لسان رسل الله ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره).
  • الدعوة إلى الله هي تنوير وتحرير، توعية وتعبئة، فالتنوير لغة هو الإخراج من الظلمات إلى النور، وأبرزه التوعية المخرجة من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة والعلم، وأما التحرير فهو الإخراج من العبودية إلى الحرية، أي تعبئة عملية تُخرج المدعو من العبودية للمخلوق إلى العبودية للخالق. (ونستحضر هنا كلام ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم).

ج-  الدعوة إلى الله في الفكر الإسلامي المعاصر: عبد السلام ياسين نموذجا

يحرص الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله تعالى، على تدقيق المفاهيم، ويحفظ لها أصالتها وعمقها القرآني النبوي، ويبرز مداها الإحساني، وسعتها الواقعية وبعدها الإنساني، لذلك تجد بيانه حاملا كل هذه المعاني، فيقول: “إن الدعوة إلى الله عز وجل هي لبُّ الأمر كله، هي وراثة النبوَّة. والدعوة إلى الله غير الدعوة إلى الإسلام، وإن كانت الدعوة إلى الإسلام بدايتها. وهي غير الدعوة للحل الإسلاميِّ في الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وإن كان الحل الإسلاميُّ والجهاد لفرضه ونصرته بعضَ مُهماتِها، حين تكون دعوةً على المنهاج النبويِّ، وحين يكون الدعاةُ ورثةً جامعين. وهي غيرُ الدعوة إلى الإيمان وحلاوته، والذكر وتلاوته، والروحانية وكرامتِها، وإن كان كل ذلك بعضَ خصائصها”. (إمامة الأمة ص113-114).

ويزيد توضيحا في موضع آخر ” أيها الإخوة الكرام، إن الدعوة إن لم تكن دعوةً إلى الله حقا، دعوةً للعباد أن يُسْلموا وجوههم لله، دعوةً إلى كل فرد فرد أن يكون عبدا لله عز وجل، لن تكون إلا دعوة خِداجاً منقوصة مغشوشة”. (أحاديث في العدل والإحسان، ص102).

واستحضر الواقع والظرف الزمني والمكاني في الاعتبار فقال: ” إن دعوتنا دعوة إلى الله لكنها تنبعث في زمان ومكان، ليست نداء ملائكيا في جو معقم، فما بد أن نغالبَ عليها بكل ما نملك من صدقٍ تياراتِ الكفر السائدة بسيادة الجاهلية على الأرض، وعواصف الشك والخوف المتحكمين في علاقات الحكام والمحكومين ببلاد الإسلام، وفي علاقات طوائف المسلمين بعضهم ببعض” (مجلة الجماعة، العدد الثاني، ص13). إنه فهم شمولي يستحضر التأصيل والتفصيل والتنزيل.

     ويبقى سؤال مهم، وهو: ما حكم الدعوة إلى الله؟ هل هي فرض عين أم فرض كفاية؟ للعلماء في ذلك مذاهب لا يتسع المجال لبسطها، واكتفي بإشارة لطيفة للأستاذ الداعية منير الركراكي معلقا على قوله تعالى في سورة التوبة (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) قال: “إذا كان الله تعالى توعد بالعذاب الأليم من منع الناس الدرهم والدينار، فما بالكم بمن منع الناس السنة والقرآن، ودعوة العدل والإحسان”. إذن لا تفويض في الدعوة والتربية، ولا إعفاء ولا تنازل، هي واجب عيني يؤدى حسب الاستطاعة، ولا يسقط بحال.

ثانيا: أركان الدعوة إلى الله تعالى

للدعوة ثلاثة أركان أساسية، وهي:

أ- الداعية: من يدعو؟ يقول الدكتور طه عبد الرحمن: “الدعوة ليست عملا خاصا تتولاه فئة معلومة من المسلمين، وإنما هو عمل ينهض به كل مسلم مسلم، أيا كان وحيثما كان وأنى كان”[1]، وقد تقوم به الجماعة الواحدة أو الحركة أو الطائفة من الناس، بل يجوز أن يكون الشعب الملتئم الصف والمتحد المقصد بمنزلة الداعية الواحد. وذلك بالقول أو الحال، بالقدوة والموقف.

ب- المدعو: من يقع له الفعل؟ المطلوب أن نتوجه بالدعوة، ونرجو الهداية بصدق إلى كل من ينطوي على نصيب من الخير ولو قلَّ، ونعتقد أن الشر المحض الخالص انفرد به الشيطان الرجيم، والتاريخ القريب والبعيد خير شاهد على إمكانية التحول من الكفر إلى الإسلام، ومن النفاق إلى الإيمان، ومن إنتاج الشر إلى فعل الخير، ومن العداوة الشديدة إلى الولاية الحميدة.

ج- الرسالة: مضمون الدعوة؟  في عناوين رئيسة يمكن القول: عدل وإحسان، تنوير وتحرير، توعية وتعبئة .. وفي عناوين فرعية أذكر:

  • بث الإيمان وإثارة العاطفة الدينية في النفوس.
  • تنمية الوعي الصحيح وتربيته، والفهم للحقائق والقضايا، والتمييز بين العدو والصديق، وعدم الانخداع بالشعارات والمظاهر.
  • صيانة الحقائق الدينية والمفاهيم الإسلامية من التحريف، لأنها حصون الإسلام المنيعة، حماه، شعائره.

ثالثا: ضروب المحاصرة لدعوة الله

لا يخفى للناظر في تاريخ دعوات الإصلاح اطراد وجود دعوات فساد تخاصمها وتحاصرها، والمحاصرة هي كل تضييق يحد من قدرة الشيء على بلوغ مقصده الأصلي الذي يورثه قيمة معتبرة في الوجود، وهذا ظلم ظاهر.

ويمكن تصنيف هذه المحاصرة إلى أنواع، داخلية وخارجية وذاتية، ولكل صنف مبرراته ووسائله، وبيانه باختصار في الآتي:

أ- محاصرة خارجية: أي من خارج المرجعية الإسلامية، تتولى كبره القوى الخارجية المهيمنة عبر مؤسساتها المبثوثة في أرجاء العالم كله، ويُسايرها أغلب الحكام والحكومات والأحزاب العلمانية، والمنابر الإعلامية في البلاد الإسلامية، رغبا أو رهبا، إما بالتشجيع على الحصار، أو الرضى به، أو السكوت عنه، مستندة ومبررة ظلمها بادعاءين باطلين:

  • الإداء الأول: تصوير الدعوة إلى الله عملا إرهابيا، ويوظفون لذلك الإعلام والتدليس، ويرون أن الجهاد إرهاب محض وهمجية مقيتة.
  • الإداء الثاني: اعتبار الإسلام خطرا حضاريا، حيث يقدمون أنفسهم للعالم أنهم مشيدو حضارة علم وتقنية وحداثة، ديموقراطية ومساواة وحرية، وأن أي دعوة لعودة الإسلام وقيمه ما هو إلا انقلاب على هذه الحضارة، وهدم لمكاسبها. وبهذا الأسلوب ولغرض الإضرار والإذلال بالدعوة وأهلها يتم تقديم ما يعتبرونه شهود على مزاعمهم من خلال حقوق المرأة، الأقليات، الإرث، الأسرة، حرية الفكر والرأي ..، ومن مظاهر ذلك تعرض الدعاة للمراقبة والتضييق والإقصاء وإغلاق المقرات، ومنع الأنشطة، وتشميع البيوت، والسجن والقتل، وكل صنوف الدس والفتك.

ب- محاصرة داخلية: أقصد بها من داخل المرجعية الإسلامية، أي محاصرة الدعاة بعضهم لبعض، سواء من داخل الحقل الرسمي أو خارجه، والتنافس على النفوذ والحظوظ، والتنازع على السلطة، وطغيان الأهواء والأحقاد، ونزعة تبرير الفشل، وتحصين الحصون ولو بتنقيص الآخر لغرض ضمان ولاء الأتباع والأعضاء، وقد وُظف لهذه الأغراض الدنيئة الإعلام، المساجد، القضاء، المؤسسات التشريعية، السلطة التنفيذية، مجالس علمية، ومجتمع مدني في إطار مشروع استثمار سياسي مفلس، يأتي على الأخضر واليابس.

ويبررون ذلك بالخروج عن الثوابت، وأحيانا خدمة أجندة أجنبية، ومرة الترويج للبدعة، وأحيانا تنفلت من ألسنتهم بعض الحقيقة، وهي تكثيف أنشطتهم ومبادراتهم، وحلمهم ببلد مستقل يحكم نفسه، ويملك إرادته ويصنع مستقبله بنفسه.

ج- محاصرة ذاتية: وهي التي يتسبب فيها الدعاة أنفسهم في انحسار حركتهم وتضييق مسالكها، وذلك بانتهاج أساليب لا تتوافق مع طبيعة الدعوة إلى الله عز وجل، لخلل فكري، أو عجز تنزيلي (ضعف العوامل الذاتية أمام تصلب الواقع) أسقط صاحبه في نظرات قاصرة عن إدراك حقيقة الدعوة إلى الله بنظرة شمولية كما بينا سلفا، وهذه النظرات هي: النظرة الجزئية، السطحية، القطرية، الآنية، التلفيقية، التبريرية.

إنها مزالق إن هوت حركة الدعوة في واحدة منها ضاعت الوجهة، ودخلت في مأزق،  وقد أجملها صاحب المنهاج النبوي في ثلاثة: إسلام الزهد والدروشة، وإسلام الفكر والمعرفة، وإسلام الحركة والسياسة.

رابعا: كيف نفك طوق الحصار؟

والدعوة إلى الله تتطلب من الداعية إسلام الزمام لرسالته، يبذل في سبيلها الغالي والنفيس، كان النبي صلى الله عليه يتنفس الدعوة كما تتنفس الملائكة التسبيح لا يفترون، وهذا كلامه الخالد الذي كان نبراسا لكوكبة النور من أتباعه صلى الله عليه وسلم: ” يا عمَّاهُ ، واللهِ لَو وَضعوا الشَّمسَ في يميني والقمرَ في شمالِي علَى أن أتركَ هذا الأمرَ حتَّى يُظهرَه اللهُ أو أهلِكَ فيه ما تركتُهُ”[2] ، وكان لأبي بكر رضي الله عنه درجة عالية من اليقين جعلته يقول في حروب الردة كلمته الرائدة التي غيرت مجرى التاريخ: “أينقص الدين وأنا حي” وهكذا كل خريجي مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم تربية وتعليما على امتداد الزمان والمكان.

يقول الندوي رحمه الله ملخصا العوامل الكفيلة لنجاح الدعوة في أمرين:

 الأمر الأول: أن تملك الفكرةُ وتهيمن على الداعي، وأن تجري منه مجرى الروح والدم، وأن تمتزج بنفسه، يعني أن لا تكون الدعوة صناعة أو حرفة أو فنا، أو حذلقة ومجرد بلاغة في الخطابة، بل هي عقيدة وفكرة وإيمان يستحوذ على النفس الإنسانية.

 الأمر الثاني: التجرد عن المطامع، والزهد في الدنيا، لا أعني به زهدا نصرانيا رهبانيا. إذ لا رهبانية في الإسلام، ولكن الدعوة تحتاج إلى شيء من سمو النفس وعلو الهمة، والتجرد عن المطامع، والزهادة في المناصب والوظائف الكبيرة[3].

وأسرد بعض مبادئ وخطوات رفع المحاصرة فيما يلي:

  • البدء برفع الحصار الذاتي بتقوية الصلة بالله، والصدق في الدعوة، والمصاحبة الحسنة لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
  • تصديق الفعل للقول، أي التحلي بالأخلاق ولين الجانب، فالدعوة تحتاج إلى علم وحلم وصبر.
  • سعة الاطلاع وتحصيل العلم النافع، وتوسيع دائرة الإيمان والعمل الصالح.
  • دعم مادة الدعوة بالحجة والبرهان، فكلام عري عن البرهان لا تفيد به غيرك.
  • تحرير موضع النزاع، وإعلانه للجميع، حتى لا يتم تصوير القضية بصراع غالب ومغلوب، وطالب ومطلوب، وحسابات شخصية، وأطماع حزبية، وخلافات قومية، ورعونات نفسية.
  • بث الثقة بين الدعاة على اختلاف مذاهبهم، والتخفيف من حدة الخلاف، والتقريب بين الآراء والاجتهادات، والتعاون على البر والتقوى، وتوحيد الكلمة وفق ما تقتضيه كلمة التوحيد.
  • التوسل بجميع الوسائل المتاحة والمباحة لتحقيق أكبر درجة من التنوير وأعلى مقام في التحرير.
  • اليقين في نجاح الدعوة، فقوتها في ذاتية أصيلة، فرسالة الإسلام رسالة الفطرة السليمة، والأخلاق الكريمة، والسياسة الحكيمة، دعوة مستنيرة قائمة على نور البصيرة، فهي تدعو إلى نفسها بنفسها، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.

[1] -طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 2000م، ص173.

[2] – للعلماء فيه مقال لا يضر بمعناه.

4- محاضرة إسلامية في الفكر والدعوة، الجزء الأول، ص419-418

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.