محاسبة النفس قبل أي عمل ضرورة شرعية ملحة|سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا
عباد الله، يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة يوسف: ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) [يوسف: 53]، كلمة نطقت بها امرأة العزيز؛ صاحبة الأمر المطاع والخدم، والتي آتاها الله ما آتاها من جمال ومال ومكانة مرموقة وجاه، ورغم كل هذا؛ استعبدتها نفسها؛ فأصبحت سجينة لها، تطيعها إذا أمرت، وتكف عن الفعل إذا نهت، فأصبح بالتالي إلهها هواها، وأصبحت هي الأمة المطيعة، قال تعالى في سورة الجاثية: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية: 23] ، هكذا يكون الإنسان – المجرد عن منهج الله، الذي يرفض أوامر الله – ذليلا للنفس، وذليلا بالتالي حتى أمام الناس، لا قيمة له ولا مكانة رغم الجاه والسلطان والمال والمتاع .
عباد الله، لاحظوا كيف كانت هذه المرأة، وكيف نزلت من مكانتها العالية السامقة، وارتكست إلى الحضيض، بسبب هذه النفس الخبيثة، فتجرأت بذلك على اقتراف جريمة خيانة زوجها، وارتكاب أعظم فاحشة تهدم أركان الأسرة، وتفكك أواصر العائلة، وتنخر اللبنة الأولى للمجتمع؛ إنها فاحشة الزنا التي مقتها الطبع البشري السليم في كل عصر وفي كل مصر، وما كل هذا الخُبث وهذا الفجور وهذه الفاحشة، إلا بسبب طاعة النفس الماكرة الخبيثة، تقول هذه المرأة بعد ظهور الحق وانبلاجه، وخروج يوسف الصديق الذي نهى النفس عن الهوى من السجن بريئا، بعد أن لبث فيه بضع سنين، صيانة لكرامته وعرضه: ولست مبرئة نفسي، فإن النفس أمارة بالسوء إلا من عصمه الله تعالى الذي من صفاته العليا أنه غفور رحيم.
عباد الله، لن يستطيع الإنسان أن يعيش سعيدا في هذه الدنيا المحدودة الأجل، إلا إذا ميز بین أعدائه وأصدقائه، وهجر الأعداء، وصاحب الأحباب والأصدقاء، وأعدى أعداء الإنسان هما: النفس والشيطان، ولقد شاءت قدرة الغفور الرحیم، أن لا يكلنا إلى هذين العدوين اللدودين، بل کفانا شر الشيطان اللعين في شهر رمضان، وترك الأمر لنا لنروض العدو الذي بین جنبينا، والذي هو النفس الأمارة بالسوء، ومن رحمته الواسعة؛ أنه أمدنا بالوسائل النافعة والناجعة لقهر هذه النفس وترويضها حتى تصبح سهلة الانقياد، ومن أهم هذه الوسائل، هو الصيام فرضا مرة في السنة، ونفلا طيلة السنة، فعلى كل عاقل وعاقلة، أن يعرف أن قمع شهوة النفس يكون بالجوع، فإذا جاع الإنسان، وأخذ من الطعام ما یسد به رمقه، قهر عدو الله الشيطان اللعين، لأن وسيلة الشيطان الإغرائية هي الشهوات البطنية والفرجية، روى البخاري في صحيحه، وأبوداود في سننه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ) [رواه البخاري في صحيحه ج2/ص717 ح1934، وأبو داود في سننه ج4/ص230 ح4719]، وبالصوم يتم تضييق مجرى الشيطان، وبه نصح الرسول صلى الله عليه وسلم من لم يستطع الباءة على الزواج ليتحكم في الشهوة الفرجية، بدل أن تتحكم فيه. روى مسلم في صحيحه، أن الرَسُول ا – صلى الله عليه وسلم- قال: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ؛ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ)، [رواه مسلم في صحيحه ج2/ص1019 ح1400].
عباد الله، إن من أعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن، فبشهوة البطن أُخرج آدم وحواء علیہما السلام من الجنة التي كانا فيها، إلى دار الابتلاء، إذ نهاهما ربهما عن أكل الشجرة، فغلبتهما شهوتهما البطنية، حتى أكلا منها؛ فعراهما الله جزاء عصيانهما، فانكشفت سوءاتهما، من هنا يتبين بكل الأدلة والحجج، أن البطن هو ينبوع الشهوات، فهل استفدنا من مدرسة الصيام، أم أن بطوننا قد تحكمت فينا؟.
عباد الله، ألا تعلمون أن من استولت عليه النفس فقد صار أسيرا في حب شهواتها، محصورا في سجن هفواتها، وهكذا يمنع قلبه من الفوائد، ومن سقى أرض الجوارح بالشهوات، فقد غرس في قلبه شجرة الندامة، لأن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة ضروب:
1 – خلَق الملائكة عليهم السلام، وركب فيهم العقل، ولم يركب فيهم الشهوة.
2 – وخلق البهائم، وركب فيها الشهوة، ولم يركب فيها العقل.
3 – وخلق ابن آدم، وركب فيه العقل والشهوة، فمن غلبت شهوته عقله؛ فالبهائم خير منه، قال تعالى في سورة الأعراف: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179]، ومن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة .
عباد الله، إن الشهوة البطنية والفرجية قادرة على أن تُصيّر الملوك عبيدا، وكبح جماح النفس بالصبر يُصير العبيد ملوكا، ألا ترون إلى قصة يوسف عليه السلام، وامرأة العزيز الحاكمة المطاعة، فبالصبر والعفة، صار يوسف سلطان مصر، وصارت امرأة العزيز ذلیلة حقيرة فقيرة عجوزا عمياء، لأجل شهوتها، لأن امرأة العزيز لم تصبر عن محبة يوسف في الحرام.
عباد الله، اعلموا أن للنفس خطرا عظيما على المرء إذا لم يستوقفها عند حدها، ويلجمها بلجام التقوى والخوف من الله، ویسوقها إلى الحق، قال لقمان الحكيم لابنه – کما نقل ابن الجوزي رحمه الله في کتابه ذم الهوى – : ( يا بني، إن الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، فإن فتر سائقها ضلت عن الطريق، وإن فتر قائدها حرنت، فإذا اجتمعا؛ استقامت، إن النفس إذا أطعمت طمعت، وإذا فوضت إليها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت، وإذا تركت الأمر إليها فسدت، فاحذر نفسك، واتهمها على دينك، وأنزلها منزلة من لا حاجة له فيها، ولا بد له منها، وإن الحكيم يذل نفسه بالمكاره حتى تعترف بالحق، وإن الأحمق يخير نفسه في الأخلاق، فما أحبت منها أحب، وما کرهت منها کره، فالنفس بطبيعتها كثيرة التقلب والتلون، تؤثر فيها المؤثرات، و تعصف بها الأهواء والأدواء، فتميل إليها وتنقاد، وهي في الأصل تسير بالعبد إلى الشر) [ذم الهوى لابن الجوزي ص 40]
عباد الله، من هنا كان لزاما على كل عبد يرجو لقاء ربه، أن يطيل محاسبته لنفسه، وأن يجلس معها جلسات طوالا، فينظر في كل صفحة من عمره مضت، ماذا أودع فيها؟ ويعزم علی استدراك ما فات، ويشحذ همته لسفره الطويل إلى الله تبارك وتعالى.
عباد الله، إذا عرفنا حقيقة هذه النفس التي جعلها الله بين جنبينا، فما هي المحاسبة؟ وما هي أهميتها على النفس؟ أسئلة أساسية، لا يمكن الاستغناء عن معرفة أجوبتها لأنها مصيري ومصيرك في الدنيا وفي الآخرة.
عباد الله، إن من معاني المحاسبة، أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموما استدركه إن أمکن وانتھی عن مثله في المستقبل.
عباد الله، أما أهمية المحاسبة التي أهملها جل الناس إلا من رحم الله، وکأنهم غیر متبوعين لا بموت ولا بحشر ولا بحساب من رب العالمین، ولا بعقاب أو جزاء، من هذه الفوائد وهي كثيرة:
1 – الاطلاع على عيوب النفس ونقائصها، وبالتالي نعطيها مكانتها الحقيقية إن مالت إلى الكبر والتغطرس، ولا شك أن معرفة العبد لقدر نفسه يورثه تذللا لله، فلا يفتخر بعمله مهما عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر، وفي هذا الصدد، قال أبو الدرداء رضي الله عنه، کما ذكر الإمام أحمد في کتاب الزهد: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في حب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتا) [کتاب الزهد، للإمام أحمد: ص 196 ].
2 – ومن فوائد المحاسبة؛ أن يتعرف الإنسان على حق الله تعالى عليه، وعظیم فضله ومنّه، وذلك عند ما يقارن نعمة الله عليه، وتفريطه في جنب الله، فيكون ذلك رادعا عن فعل كل قبيح، وعند ذلك يعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقن أنه من حقه سبحانه وتعالى أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
3 – ومن فوائد المحاسبة، تزكية النفس وتطهيرها وإصلاحها وإلزامها أمر الله تعالى، ليكون الشخص من المفلحين، مصداقا لقوله تعالى من سورة الشمس: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: 9، 10]، وقال مالك بن دینار: (رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم فطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا).
4 – ومن فوائد المحاسبة؛ أنها تربي عند الإنسان الضمير داخل النفس، وتنمي في الذات الشعور بالمسؤولية، ووزن الأعمال والتصرفات بمیزان دقيق، والذي هو ميزان الشرع.
عباد الله، كل واحد منا يريد أن يعرف هل تقبل الله طاعته من الواجبات والنوافل أم لا؟ ولمعرفة ذلك، لابد من النظر إلى أثر هذه العبادات في نفسه، فإذا کانت هذه الشعائر الدينية؛ ما شرعت إلا لتتحقق التقوى في النفوس، فإن هذه التقوى لا تتحقق في الإنسان إن لم يحاسب نفسه، يقول ميمون بن مهران: ( إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شریکه ).
عباد الله، إن في ترك المحاسبة ضرر كبير على الإنسان، حتى قال ابن قيم الجوزية في كتابه إغاثة اللهفان: ( أضر ما على المكلف، الإهمال وترك المحاسبة، والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب، ويمشي الحال ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه، والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك، سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليه فطامها ) [ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، ص: 81 ].
عباد الله، اسمعوا إلى هذه الكلمات الربانية التي تخرج من فم أبي حامد الغزالي رحمه الله، بل من قلبه؛ حين يصف أرباب القلوب المنيبة وذوي البصائر الحية فيقول: (فعرف أرباب البصائر من جملة العباد لله، أن الله تعالی لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر في الخطرات واللحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب، خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآله، ومن لم يحاسب نفسه، دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته).
عباد الله، أما كيفية المحاسبة فتكون على توعين: محاسبة قبل العمل، ومحاسبة بعده :
النوع الاول: محاسبة قبل العمل: وهي أن يقف الشخص عند اول همّه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه، وكل شخص إذا نفى الخطرات قبل أن تتمكن من القلب، سهل عليه دفعها، فالخطرة النفسية، والهم القلبي، قد تقويان حتى يصبحا وساوس، والوسوسة تصير إرادة، والإرادة الجازمة لابد أن تكون فعلا، قال الحسن البصري رحمه الله: (كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة تثبت، فإن كانت لله أمضاها، وإن كانت لغير الله توقف)، ومعنى كلام الحسن البصري رحمه الله، أنه إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال، وهمّ به العبد، وقف أولا ونظر، هل ذلك العمل مقدور عليه، فإن لم يكن مقدورا عليه، لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا عليه، ومعانا عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك، فليقدم عليه فإنه منصور بإذن الله، وإن لم يكن له أعوانا، أمسك عنه، كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصارا، هذا إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك، أما إذا لم يكن محتاجا إلى ذلك، وكان مقدورا عليه، وقف وقفة أخرى ونظر، هل فعله خير له من تركه، أم تركه خير له من فعله؟ فإن كان الخير في تركه؛ تركه، وإن كان الخير في فعله، وقف وقفة ثالثة ونظر، هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه، أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان إرادة الجاه والثناء والمال، لم يقدم عليه، وإن أفضى به إلى مطلوبه لئلا تعتاد النفس الشرك، ويخف عليه العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك، يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء عليها، فهذه المحاسبة التي ذكرنا تكون قبل أي عمل.
عباد الله، هذا ما يتعلق بالمحاسبة الأولى والتي تكون قبل العمل، أما التي تكون بعد العمل، فسنراها إن شاء الله تعالى في الجمعة المقبلة، (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) [الكهف: 23، 24]، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.