منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هديه صلى الله عليه وسلم عند وقوع البلاء

يعقوب زروق

0

هديه صلى الله عليه وسلم عند وقوع البلاء

الأستاذ يعقوب زروق

مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

الابتلاء سنة إلهية يختبر الله به عباده ليرى منهم صبرا وتوكلا وتضرعا. قال تعالى: ” فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا” (الأنعام)  يبتلي الله عباده بما شاء من مصائب في الأنفس وفي الأرض كما يبتليهم بالخير . والسنة النبوية توجه المؤمنين إلى كيفية التعامل مع الابتلاء خيرا كان أو شرا. نقف في هذه المقالة مع هديه صلى الله عليه وسلم عند وقوع الكوارث.

1 -التذكير بالله:

عند كل حدث كان صلى الله عليه وسلم يذكر الناس بخالقهم، مقدر الأقدار ومسبب الأسباب. فما من حركة ولا سكون إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، وهو الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء.

بعد غزوة أحد التي أصيب فيها الصحابة، واستشهد منهم سبعون، فيهم أسد الله حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه وفيهم مصعب بن عمير أول سفير في الإسلام، الذي كان سببا في إسلام سادة الأوس والخزرج رضي الله عنه. وفي هاته الغزوة أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته ودخلت حلقة المغفر في وجهه الشريف . في هاته الأحداث يصف صلى الله عليه وسلم الصحابة صفوفا ليدعو ويثني على الله ويتضرع إليه سبحانه.

عَنِ ابْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:»اسْتَووا حَتَّى أثنى على ربى عزوجل، فَصَارُوا خَلْفَهُ صُفُوفًا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ وَلَا مُبْعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ الْعَيْلَةِ وَالْأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ.

اللَّهُمَّ إِنِّي عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا وَشَرِّ مَا مَنَعْتَنَا. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهِ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ تُوفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ.  اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ.

اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَّابَ، إِلَهَ الْحَقِّ«.[1]

وكان هذا دأبه صلى الله عليه وسلم عندما يحزبه أمر أو يهمه هم. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَن رَسُول الله كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْعَرْش الْعَظِيم ثمَّ يَدْعُو)[2]

وعقب غزوتي الرجيع وبئر معونة حيث استشهد عدد من القراء غدرت بهم قبائل العرب مكث صلى الله عليه وسلم يدعو شهرا

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ اؤْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا. إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ” [3]

2 – الصلاة:

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[البقرة: 45]

الصلاة خير ما يستعين به المؤمن عند البلاء لأنها صلة بالله. فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى[4].

 وعن ابن عباس: أنه نعى إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشى إلى راحلته وهو يقول: (واستعينوا بالصبر والصلاة([5]

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا»[6]

3 – التضامن والمواساة والتعاون:

المسلمون كالجسد الواحد. هكذا شبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين ما يجب أن يكون بينهم من المواساة والتضامن .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ أَوْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ “[7].

وفي عام الرمادة في خلافة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه تجلت المواساة في أعظم صورة حيث نزح إلى المدينة آلاف الجياع من الأعراب وغيرهم فطفق الصحابة يخدمونهم ويطعمونهم وطفق أهل الآفاق يرسلون بما عندهم لأهل المدينة حتى رفع الله القحط.

عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: لما كان عام الرمادة جاءت العرب من كل ناحية فقدموا المدينة، فكان عمر قد أمر رجالا يقومون بمصالحهم، فسمعته يقول ليلة: «احصوا من يتعشى عندنا». فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وأحصوا الرجال المرضى والعيالات فكانوا أربعين ألفا، ثم بعد أيام بلغ الرجال والعيال ستين ألفا، فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل بهم يخرجونهم إلى البادية ويعطونهم قوتا وحملانا إلى باديتهم، وكان قد وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم، وكانت قدور عمر يقوم إليها المال من السحر يعملون الكركور ويعملون العصائد.[8]

4 –  التبشير :

نتأمل هاته البشارات النبوية التي بشر بها صلى الله عليه وسلم عقب مصائب أصابت المسلمين:

عَن جَابر ابْن عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كُلَّ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ عَدِيدَةٍ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِيَسِيرٍ[9].

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لما انْصَرف عَن الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ، إِنَّهُ مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي سَبِيل اللَّهِ إِلَّا وَاللَّهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى جُرْحُهُ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ».[10]

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَابِرٍ: «يَا جَابِرُ أَلَّا أُبَشِّرُكَ؟ قَالَ: بَلَى، بَشَّرَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ.

فَقَالَ:»أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ: تَمَنَّ عَلَيَّ عَبْدِي مَا شِئْتَ أُعْطِكَهُ. قَالَ: يَا رب عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، أَتَمَنَّى عَلَيْكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فأقاتل مَعَ نَبِيِّكَ وَأُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى. قَالَ: إِنَّه سَلَفَ مِنِّي أَنَّهُ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُ«.[11]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } ، بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ، حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا “[12].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ مِنْ خَطَايَاهُ “[13].

عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ  مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا: الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ»[14].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أن رسول الله ﷺ قال: (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله).[15]


الهوامش:

[1]  – البداية والنهاية – المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)- ج 4 . ص 38

[2]  – مسند أحمد – مسند بني هاشم – 2411

[3]  – مسلم . كتاب الجنائز 918

[4]  – سنن ابي داود كتاب الصلاة . 1319

[5]  – الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل – المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (ت ٥٣٨هـ)

[6]  – صحيح البخاري. كتاب الكسوف. 1040

[7]  – سنن أبي داود كتاب الجنائز . 3132

[8]  – سير أعلام النبلاء – المؤلف: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)

[9]  – البداية والنهاية – المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)- ج 5 ص 430

[10]  – نفسه

[11]  – دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة – المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨هـ) – ج 3 . ص 298

[12]  – رواه مسلم. كتاب البر والصلة والآداب. 2574

[13]  – مسند أحمد . مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. 11450

[14]  – رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . أول كتاب الفتن والملاحم. 4278

[15]  – صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير. 2829

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.