منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مناسك الحج وآثارها الروحية والتربوية والاجتماعية

د. سعيد أصيل

0

مناسك الحج

وآثارها الروحية والتربوية والاجتماعية

 د. سعيد أصيل[1]

1- مدخل

       تمر الأيام والشهور وتمر… ويطل شهر من الأشهر الحرم؛ شهر الحج وإجابة نداء الخالق عز وجل، فيهب المسلمون في جميع أنحاء العالم يقصدون بيت الله خاشعين متضرعين مجيبين، يحيون سنة أبيهم إبراهيم عليه السلام؛ متخذين مناسكه ومواقفه عبرة وأسوة وقدوة كما أمر الحق سبحانه “قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه” (الممتحنة:4)، وهو فخر -وأي فخر- لهذه الأمة المحمدية أن يكون أبوها هذا الخليل الذي تسعى كل الأمم للانتساب إليه لفضله الكريم وعزمه ورشده وحِلمه وأوبته وقوة إيمانه… وفي هذا الموسم الحافل العظيم تنعكس بعض وجوه هذا الانتساب وهذا الانتماء الإبراهيمي الحنيفي: “ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا” (النساء :124)

2 – الحج سنة أبينا إبراهيم وفريضة إسلامية:

     والحج شعيرة قديمة ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حيث قال “وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير، ثم ليقضوا تفتهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق، ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه.” (الحج: 26 30)؛ ولذلك ذهب كثير من العلماء إلى أن البيت الحرام -ومن أسمائه أيضا: العتيق: أي القديمبني بعد خلق آدم عليه السلام تعظيماً لمقامه… ثم لما جاء سيدنا إبراهيم دله الله على مكانه وأمره بإقامته مع ابنه إسماعيل – عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسلي- فرفعا قواعده وجدرانه عن الأرض حتى يظهر ويبرز للناس كي يؤموه ويقصدوه لأداء مناسكهم وشعائرهم وتوحيد خالقهم؛ تعبيراً منهم عن الطاعة التامة للحق سبحانه و حسن عبادتهم له (ألا تشرك بي شيئا)، والقيام بين يديه بالركوع والسجود والطواف والدعاء والخضوع التام لجلاله وعظمته..

   وقد ورد أن سيدنا إبراهيم، عليه السلام، حين أمره الله تعالى: “أذن في الناس” قال: يا رب وما يبلغ صوتي، قال الله تعالى: يا إبراهيم؛ عليك الأذان وعلينا البلاغ، فنادى إبراهيم من فوق الجبل قائلا: يا أيها الناس إن ربكم بنى بيتاً فحجوه، فأجابته الأرواح في عالم الغيب: آمين… لبيك اللهم لبيك، إن الحمد لك والنعمة لك والملك لا شريك لك…

   ولذلك جعل الله الحج ركنا أساسيا من أركان الإسلام التي لا يتم إسلام المسلم إلا بها، وجعله فرض عين، مرة واحدة في العمر، على من توفرت له شروط الاستطاعة التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزاد والراحلة، ثم أضاف العلماء أمن الطريق وسلامتها من اللصوص وقطاع الطرق، وزادوا صحة البدن؛ وذلك قوله تعالى: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا” (آل عمران: 97).

3 – في فضائل الحج:

           والحج، قبل كل شيء، عبادة؛ أي قربة يتقرب بها العبد إلى خالقه شاكراً له فضله بالعبادة الكثيرة التي لا تنضب؛ ولذلك جعل الله لهذه القربة فضائلَ جليلةً وعظيمةً لا تعد ولا تحصى أجملها الحق سبحانه في قوله “ليشهدوا منافع لهم” وبين رسولنا الكريم بعضا من هذه المنافع والفضائل في أحاديث كثيرة؛ نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم “الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم” (رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة)… وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة “… وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه” (رواه البخاري ومسلم)؛ أي رجع خالياً من الذنوب التي يغفرها الله له… وعن ماعز رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئِل أي الأعمال أفضل؟ قال: “إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة بَرَّة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها” (رواه أحمد والطبراني)..

   وهذه القربة من الله تبعث في النفس الراحة والاطمئنان والمتعة الروحية العالية حيث يتولد منها إحساس بالقرب من الله والانشغال به عن خلقه جميعاً سواء كانوا أهلاً أو أقاربَ أو غيرهم… وتزداد الطاعة لله والخضوع له فتنزل الرحمات على القلوب ويشعر الإنسان أن الدنيا كلها، بما فيها ومن فيها، قد تضاءلت أمام القرب من الله ورضاه…(1)

4 – في غايات الحج:

   إن للحج غاياتٍ عظيمةً وجليلةً لا يمكن إدراكها كلها، ولكن حسْبُنا الوقوف عند بعضها مما يسمح به المقام والمقال؛ وهي غايات متعددة: نفسية وروحية واقتصادية واجتماعية… ويكفي أنه أحد أبواب الجهاد، كما ورد في الأحاديث الكثيرة…

   إن أول ما يستحضره الحاج، وهو يقف في تلك الربوع المقدسة، حين يصل إليها، بدايات الدعوة الإسلامية المحمدية؛ فيعيش تلك الربوع ويستحضر أولئك الرجال من الرعيل الأول المخلص المؤمن الذي تربى في أحضان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فحمل الرسالة وضحى من أجلها وجاهد بكل شيء، بالمال والنفس والجاه، وقدم كل ما يعز عليه مما عنده رجاءَ الحصول على ما عند الله… وهنا أيضا نستشعر القدوة من الرسول صلى الله عليه و سلم، ومن تم العودة إلى منابع وجذور الدين الأصلية التي لا يشوبها تعقيد ولا سفسطة ولا “كلام” ولا غيره مما أُدخِل وسُرِّب إلى الإسلام وحاد به عن الجادة في كثير من أموره الصافية البيضاء النقية التي لا تشوبها شائبة… فنستحضر هذا الماضي المشرق لمراجعة النفس والتوبة لبارئها.. إنه إحياء لهذا الماضي ليس للبكاء والنحيب عليه بل لبناء المستقبل المشرق الموعود وتشكيله تشكيلاً صحيحاً ومتيناً يستعيد التاريخ النبوي والراشدي وأصحاب العزائم والإيمان الذين بنوه وشيدوه، ويأخذ منها ويَمْتَحُّ روائع البناء والحب والإخلاص والتضحية… فالحج عودة أصيلة إلى أصول العقيدة منذ عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، يقول سيد قطب رحمه الله: “والحج مؤتمر المسلمين السنوي العام، يتلاقون فيه عند البيت الذي صدر ت لهم الدعوة منه، والذي  بدأت منه المِلَّة الحنيفية على يد أبيهم إبراهيم، والذي جعله الله أول بيت في الأرض لعبادته خالصاً،  فهو مجمع له مغزاه وذكرياته هذه، التي تطوّف كلها حول المعنى الكريم، الذي يصل الناس بخالقهم العظيم .. معنى العقيدة: استجابة الروح لله الذي من نفخة روحه صار الإنسان إنسانا. وهو المعنى الذي بالأناسي أن يجتمعوا عليه، وأن يتوافدوا كل عام إلى المكان المقدس الذي انبعث منه النداء للتجمع على هذا المعنى الكريم…”(2)

   والحج دعوة مستمرة إلى الشعور بالوحدة والعمل على تحقيقها؛ بعدما تفرق المسلمون شيعاً حتى تداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، يدعونا لتجاوز حواجز الزمان والمكان التي نحصر فيها أنفسنا، في هذا الوقت، وتكسير الحدود بشتى أنواعها من أجل لقاء رباني واحد متحقق في الآخرة، وعلينا السعي لتحقيقه في الدنيا لإعادة تشكيل مفهوم “الأمة” التي أمر الله بها وأثنى عليها؛ وتحقيق الخلافة الإلهية على الأرض..

   إن الحج تربية؛ وأي تربية للفرد وللنفس.. بل إنه من أكثر الفرائض مشقة على النفس المؤمنة، ولعل هذا من أسباب جعْل الله تعالى جزاءه مغفرة الذنوب وتكفيرها عن الحاج المطيع الذي يلتزم شروطه وشعائره وآدابه بشكل صريح، لقوله صلى الله عليه وسلم: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”.. ومن تم فالحج جهاد لهذه النفس وتربية لها على الطاعات ونكران الذات وترويضها وفطامها عما ألفته طيلة السنة -بل طيلة سنوات- من المُتَع والملذات بشتى أنواعها.. فتتدرب وتتعود، بفعل ذلك، على الانقياد التام لخالقها وطاعته وتقواه؛ ولذلك فهو جهاد –كما ذكرنا- بل إنه قـُرِنَ في آيات كثيرة وأحاديث عديدة بالجهاد بأنواعه.. قال تعالى في سورة البقرة: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم. هن لباس لكم أنتم لباس لهن() وكلوا اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل() وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل() وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و أحسنوا إن الله يحب المحسنين، وأتموا الحج و العمرة لله() الحج أشهر معلومات. فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب. ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله. إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا، فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة والآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أولئك لهم نصيب مما كسبوا. والله سريع الحساب. واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى، واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون” (البقرة الآيات 187-203) ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات الصيام أولا، وهو جهاد، ثم ذكر قتال الكفار والمشركين، مقرنا ذلك بالإنفاق في سبيله بالمال بعد النفس، وكل ذلك جهاد، ثم أردف  بالحديث عن الحج، وهو جهاد أيضاً، بل أفضل وأعظم الجهاد كما ورد في الحديث الشريف…

    كما أن الحديث عن شعائر الحج يرتبط في القرآن الكريم بالدعوة إلى التقوى لأنها هي الغاية الكبرى من كل تلك الأفعال والشعائر، ليتوجه الحاج إلى ربه بقلبه وسلوكاته التي أمره أن يقوم بها زيادة في تعظيمه عز وجل وتقديره وطاعته وتقديسه بتعظيم تلك الشعائر وذلك المقام الحرام بكافة أمكنته وجوانبه، بل حتى نباته وحيوانه وجماده. فقد تغيب عنا العديد من دلالات وحكم تلك الشعائر الإلهية التي نقوم بها أثناء الحج، ولكن ما أدركناه من ذلك كله فيه خير عميم وكفاية جَمَّة ما دام الأمر يتعلق بأهم شيء، وهو الطاعة التامة والمطلقة للحق سبحانه واليقين فيه عز وجل وفي فضل ونفع ما يأمر به، ودليلٌ منا على الإيمان به وبسنة نبيه صلى الله عليه سلم، يقول الشيخ متولي شعراوي (رحمه الله): “ما دُمْتَ قد دخلت مع الله في عقد إيماني فقد آمنت بأن الله تبارك وتعالى له صفات الكمال المطلق.. فيه كمالات لا تتناهى.. فإذا تلقيت الأمر الإلهي ولم تفهمه ونفذته فإنك ستجد في صدرك راحة وفي نفسك صفاء. فالله لا يأمرك إلا بشيء يعود عليك بالنفع”(3) وأعْظمْ به من نفع وخير عميم! …

   وقد ورد في سبب نزول الآية الكريمة “وتزودوا ” عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “كان ناس يخرجون من أهليهم ليس معهم أزودة يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا؟، فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس”… وقال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير هذه الآية: وقوله: “فإن خير الزاد التقوى” لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها كما قال “وريشاً ولباس التقوى، ذلك خير”.. لما ذكر اللباس الحسي بته مرشدا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع”(4)، وختم الحق سبحانه ذلك بقوله “واتقون يا أولي الألباب” لأن أولي الألباب والعقول والفطرة السليمة هم أدرى وأعلم من غيرهم بمعنى التقوى وفائدته ومداركه …

 5 – في رحاب الشعائر والمناسك: 

   إن الحج كله إعداد للنفس لتترقى في مدارج التقوى والإيمان فتعبر عن مظاهر هذه التقوى والطاعة.. يبدأ ذلك منذ الاستعداد القبلي للحج في البلد الأصلي، حيث يعمل المسلم على جمع ما يحتاجه من مال يكفيه ليتزود به التزود المادي الدنيوي، ويعاني في سبيل ذلك، لكنها معاناة الراحة والاطمئنان والتطلع والتشوق للقاء الله في أعز بقعة عنده.. فلا يشعر بذلك العسر المادي أمام الراحة النفسية؛ وهو يجمع ويجمع ويَدَّخر ما سيحتاجه لتلك الأيام المعدودات والمعلومات لا سيما إذا لم يكن غنيا موسراً، ولكن الله من وراء القصد؛ إذ ييسر لعبده التكاليف والإعدادات ما دامت النية والقصد وجهه الكريم وطاعته المطلقة… ثم ها هو يُحْرِم متخليا عن كل رغائب الدنيا الفانية ويدخل في عهد مع الله يؤكد فيه التزامه بما أمر به من شعائر، وامتثاله التام له ولرسوله عليه السلام؛ فيعلن ” التلبية ” وإجابة دعوة الحق؛ معلنا – في الوقت نفسه- تأدبه التام مع مقامه بل والأدب مع الكون كله حتى الجماد منه، مرتديا لباسا أبيض غير مخيط ولا محيط يعلن من خلاله مساواته مع كافة الخلق …هذا المظهر الرائع الذي تتجلى فيه إشاعة روح المساواة ليتخلى كل مسلم عن كبريائه وتعنته وغروره ما دام البقاء والملك لله الواحد القهار وحده؛ ولا عظمة ولا كِبْر إلا له سبحانه…

 وها هو الحاج يطوف حول البيت ويقبل الحجر الأسود، ليس باعتباره جمادا وحجرا – رغم أنه يراه كذلك!- ولكنها الطاعة والامتثال سواء عرفنا الهدف والغاية والحكمة أم غاب عنا ذلك، ولكن الآمر أدرى بما يصلح لعبده ومأموره… وها هو يسعى بين الصفا والمروة متذكرا تلك القصة الرائعة والجليلة والواعظة؛ قصة هاجر وابنها إسماعيل حين تركهما الخليل في صحراء قاحلة جرداء مجدبة؛ لا ماء فيها ولا نبات ولا ثمر ولا بشر…فاستنفدت هاجر كل الأسباب الأرضية في سعيها بحثاً عن الماء وبحثاً عن قادم أو مارٍّ يحمل مزودة تطفئ بها عطش صغيرها وعطشها… لينبع الماء من تحت قدم هذا الرضيع الضعيف وبحركة بسيطة هينة منه… لقد أراد الله – كما يقول شعراوي – بهذه القضية أن تكتمل فصولها ليلفتنا إلى هذه القضية الكونية، وهي أنه إذا استنفدت أسباب الأرض فلا تيأس… فإن الله سبحانه لن يتركك: “أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض“… فيرجع الحاج المؤمن ليستقبل كل أسباب الحياة بثبات وهِمَّة  وعدم يأس …

 وها هو الحاج يقف بعرفة؛ أهم ركن في الحج وأعظم شعيرة تتجلى فيها أبهى معاني الطاعة والتضرع والفقر لله والمساواة… فقد أورد البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: “من حيث أفاض الناس “… وليس من حيث أفاضت قريش ومن معها. فكان هذا دعوة إلى نبد الامتيازات والفوارق الطبقية أو القبلية أو العرقية، ودعوة إلى هؤلاء المسلمين الواقفين في هذا المكان العظيم إلى المساواة بين الناس كيفما كانت أجناسهم وألوانهم و أنسابهم… هكذا ـ إذن ـ يقف الناس متضرعين خاضعين في مكان وزمان معيَّنَيْن مُحَدَّدَيْن لا يتأخر منهم أحد عن الموعد؛ “مثل هذا المكان المبارك، ولشعائر الله المثل الأعلى، مثل قاعة الانتظار التي تسجل فيها أسماء الزائرين قبل الحظوة بالاستقبال في الحجرة الخاصة الكريمة، هكذا قبل أن يطوف الحجيج بالكعبة المكرمة الطواف المفروض الذي لا يعتد به ركنا من أركان الحج إلا في اليوم العاشر أو فيما بعده، يجب أن يكونوا قد سجلوا حضورهم قبل ذلك في مدخل الحرم (…) قبل حدود الحرم على جبل عرفات أو في الوادي الذي يحتضنه ذلك الجبل في اليوم التاسع أو في عشيته أو فيهما معاً… ذاك هو يوم عرفة الذي قال فيه الرسول صلوات الله عليه وسلامه “الحج عرفة” فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته الحج من عامه. (5).

   وفي هذا المقام، أيضاً، نتذكر يوم الحشر حين تقف جميع الخلائق أمام الله منتظرة الحساب والجزاء، وهو أمر يجعلنا أكثر ارتباطا وخشوعا لتدارك ما فاتَ وإخلاصِ النية والعمل فيما هو آت، لا سيما حين نتأكد ونتيقن – حق اليقين- أن هذا الوقوف بعرفات تعقبه مغفرة للذنوب السابقة، مما يحتم علينا العزم – تمام العزم وأكمله وأصدقه – على عدم العودة إلى الذنوب، بعد ذلك، وإلى ما يغضب الله، وبداية صفحة جديدة تُملأ بالطاعات والاستعداد للآخرة… وليس أعظم من أن ينصت الحاج إلى مباهاة الله تعالى ملائكته بعباده هؤلاء وهم في هذا الموقع حين يقول لهم: “انظروا عبادي تركوا كل ما يملكون وجاءوني شعتا غُبْرا يطلبون مغفرتي ورحمتي، أشهدكم أني قد غفرت لهم”.. فهل بعد كل هذا الخير والفضل من شيء!؟.

   وهكذا يعود الحاج وقد حقق انتصارات كبيرة وعظيمة على النفس والهوى ومثبطات الحياة، والشيطان ووساوسه.. بل إنه، وهو يرجمه، يكون بذلك قد تخلص منه وهزمه شر هزيمة وأعلن أنه أقوى منه بكثير إذا تسلح بالطاعات والتزم الحدود وعمل بأوامر الله ورسوله، مجتنباً نواهيهما؛ متبعاً سبيل المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.. والهلاك لا يكون إلا باتباع الهوى والشيطان. ومن تم على الحاج – بعد عودته – أن يحترس من هذا اللعين الذي انتصر عليه لأنه مغتاظ منكسر حاقد لن يفلت أدنى فرصة يتمكن منها للانتقام والإضلال…

6 – عودة إلى بدء      

     إن الحج مدرسة، وأي مدرسة!، فيه تتجلى أعظم المعاني والعبر والعِظات وأفضل أساليب التربية الروحية والإيمانية، بل وحتى الاقتصادية.. وفيه تبرز أبهى معاني الطاعة والعبودية التامة للحق سبحانه وتعالى… فلنعمل على أن نجعل من هذا الموسم مؤتمرًا إسلامياً كبيراً نستشعر منه الحاجة والضرورة إلى الوحدة لإعادة مجد الأمة.. ولنخلصْ فيه لله تعالى، جاعلين كل مناسكنا وشعائرنا فرصة للعودة والأوبة إلى الله عز وجل، مصححين عقيدتنا ومشاعرنا… فالإسلام “يوحد المشاعر والاتجاهات، ويتوجه بها كلها إلى الله، ومن تم يعنى بتوجيه الشعور والعمل، والنشاط والعبادة والحركة والعادة، إلى تلك الوجهة الواحدة. وبذلك تصطبغ الحياة كلها بصبغة العقيدة. وعلى هذا الأساس حُرِم من الذبائح ما أُهِل لغير الله وتحتم ذكر اسم الله عليها، حتى ليجعل ذكر اسم الله هو الغرض البارز؛ كأنما تذبح الذبيحة لقصد ذكر اسم الله: “لكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام”.

   ويعقب بتقرير الوحدانية: “فإلهكم إله واحد“.. وبالأمر بالإسلام له وحده: “فله أسلموا” وليس هو إسلام الإجبار والاضطرار، إنما هو إسلام التسليم والاطمئنان (حيث) بمجرد ذكر اسم الله يحرك الوجل في ضمائرهم ومشاعرهم (…).

   وهكذا يربط بين العقيدة والشعائر، فهي منبثقة من العقيدة وقائمة عليها. والشعائر تعبير عن هذه العقيدة ورمز لهما، والمهم أن تصطبغ الحياة كلها ويصطبغ نشاطها كله بتلك الصبغة، فتتوحد الطاقة ويتوحد الاتجاه، ولا تتمزق النفس الإنسانية في شتى الاتجاهات…”.(6)


إحالات:

1-    محمد متولي الشعراوي: “الحج المبرور” مكتبة الشعراوي الإسلامية، “مؤسسة أخبار اليوم “، القاهرة، مصر، (ب . ت)، ص:6.

2-     سيد قطب: “في ظلال القرآن”، دار الشروق، بيروت/ لبنان، الطبعة “26” 1418هـ/ 1997م ـ المجلد الأول ـ ص:436.

  • محمد متولي الشعراوي: المرجع السابق – ص: 41.
  • ابن كثير: “تفسير القرآن العظيم”، دار الجيل، بيروت/ لبنان، الطبعة الأولى: 1408هـ/ 1988م ـ الجزء الأول ـ ص:227.
  • عبد الحميد كشك: “في رحاب السكينة “، مكتبة الشيخ كشك (ب. ت) ـ ص:47.

6ـ سيد قطب: المرجع السابق، المجلد الرابع ـ ص: 2423.

[1] – أستاذ التعليم العالي (مؤهل)- المغرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.