الاستراتيجيات الكبرى والتفكير القزمي
بقلم: د. خالد العسري
1- تاريخ قريب
– في الحرب العالمية الأولى، نهاية سنة 1915، كانت قوات الحلفاء المكونة أساسا من بريطانيا وفرنسا تعاني في الشرق الأدنى مع وجود القوات التركية في فلسطين والتي كانت تناصر ألمانيا، ولتفكيك قوتي ألمانيا وتركيا جرت مراسلات بين بريطانيا والشريف حسين في مراسلات مشهورة منشورة تدعوه إلى الثورة العربية التي تعلن استقلالها عن الهيمنة التركية، وهو ما يشكل حربا أهلية داخلية ستدعم مطالبها الانفصالية بريطانيا والحلفاء.
– ابتلع الشريف حسين حينها الطعم، وحارب العرب أبناء دينهم الأتراك جنبا إلى جنب مع القوات البريطانية، وهم يمنون أنفسهم بسيادتهم المستقلة عن تركيا التي كانت سياساتها حقيقة أكثر من مجحفة ضد العرب، فاستغل البريطانيون كراهية العرب للأتراك وضموهم إلى صفوفهم في استراتيجية سعت إلى إعادة رسم الخرائط، في حين كان العرب يقدَّمون حطبا للحروب الهوجاء، بينما يُتلاعب بقادتهم برسائل وتطمينات تشبه التصريحات الأمريكية اليوم.
– وحتى حين علم العرب بوعد بلفور الذي يمنح فلسطين لكيان الشر الوليد الذي صدر سنة 1917، تم أيضا طمأنتهم بخطابات لم تصمد نهائيا بعد انتصار الحلفاء، وتحولهم إلى كيانات استعمارية فتت الخارطة العربية أيما تفتيت، بينما ظل العربان يتلهون بإعادة قراءة خطابات الطمأنة أمام مؤسسات دولية أنشأها الاستعمار لتمنح الشرعية لقراراته.
2- الآن .. قبل أن يصبح تاريخا
– اليوم، لا يمل رئيس حكومة الكيان الإسرائيلي في عرض الخرائط التي لا وجود فيها للقدس أو الضفة الغربية، كما أنه لا يضع حدودا محددة لهذا الكيان. وكل تشكيلاته السياسية تعلن سرا وجهرا رفضها المطلق لحل الدولتين،
– وحين يؤكد أن حربه هذه تسعى إلى تغيير خارطة الشرق الأوسط وما هو أبعد، وحين يسابق ترامب المرشح للرئاسة رئيس الكيان في عرض خدماته، ويعلن في خطاب جماهيري علني أنه يفكر في البقعة الجغرافية الضيقة للكيان، وأنه يفكر في كل لحظة في كيفية توسيعها ضد كل قرارات الأمم المتحدة التي تطالب الكيان بالتراجع إلى حدود 1967.
– نجد أقواما أعرابا، والأعرابية في القرآن الكريم صفات نفسية واجتماعية لا علاقة لها بالقومية، يتراشقون الكلام حول شرعية المقاومة، مستغلين مواقفها الصادمة حقيقة في أكثر من موقع.
ويقفز فقهاء قد يفقهون النص الشرعي في تجريده لكنهم أبعد عن الوعي السياسية المتقد الذي يمكنهم من حسن تقدير الموقف السياسي المطلوب،
أو تجد متsaهينين يثقون بوعود روح الشر كما وثق الشريف حسين بوعود بريطانيا،
أو تجد من يحمل جراحا شنيعة حقيقية من قوى من الم9اومة التي هجمت على الأرض والشعب…
تجد هذه الأصناف جميعها يكادون يقاتلون أبناء دينهم جنبا إلى جنب مع كيان روح الشر… ليعينوه على بسط نفوذه في أكثر من منطقة.
– مع العلم أن القتال اليوم لا ينحصر في جبهات المعارك فقط، بل هو ممتد على صفحات الإعلام، والتعليم، والتاريخ، وكل تراث المجتمع ومؤسساته، وإن كان القتال في المعارك يقتل الأجسام، فإن معارك الكلمة المكتوبة والمسموعة والمرئية تقتل روح المقاومة… وتلك لعمري المقدمات التي تشكل القابلية للاستسلام والاستعمار.
3-مكانك في القمة لا السفح
– فاحذر أخي الكريم، واحذري أختي الكريمة أن يكون فكرك قزميا، فتُستغل في استراتيجيات كبرى ترسم خرائط لعقود، وأنت لبلاهتك تتناقل أحقادا تاريخية متطاولة بين السنة والشيعة، وكأن رأس الكيان وساكن البيت الأبيض والأتباع الأوربيين من صحابة الأوس والخزرج!