منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حسن الاستماع

حسن الاستماع / مصطفى اسماعيلي

1

حسن الاستماع

مصطفى اسماعيلي

 

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:” نضر الله امرأً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.” (1)

أساس كل خير حسن الاستماع، قال تعالى:” و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ” (2) قيل: علامة الخير في السماع، أن يسمع العبد بكليته، و يسمعه بحق من حق. أما من تملكته الوساوس و غلب على باطنه حديث النفس؛ لا يقدر على حسن الاستماع، قال بعضهم: لو علمهم أهلا للسماع لفتح آذانهم للاستماع.

من صفي قلبه علم يقينا أن كلام الله تعالى، و رسائله إلى عباده، و مخاطبته إياهم و كل آية من كلامه؛ بحرا من أبحر العلم، بما تتضمن من ظاهر العلم و باطنه، و جليه و خفيه، و بابا من أبواب الجنة باعتبار ما تنبه أو تدعو إليه من العمل الصالح، و يرى كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ الذي لا ينطق عن الهوى، يتعين الاستماع إليه، فيتولد عنده الاستعداد للاستماع، بل و يرى أن حسن الاستماع قرع لباب الملكوت و استنزال بركة الرغبوت، و تتجلى له أن الوساوس أدخنة ثائرة من نار النفس الأمارة بالسوء، تحول دون حسن الاستماع، و أن الحظوظ العاجلة و الأقسام الدنيوية التي هي مناط الهوى؛ بمثابة الحطب الذي تزداد النار به تأججا و يزداد القلب به تحرجا.

قال الله تعالى:” إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد “، (3) قال الشبلي رحمه الله: موعظة القرآن لمن قلبه حاظر مع الله و لا يغفل عنه طرفة عين.

قال بعضهم: لمن كان له قلب سليم من الأمراض و الأغراض.

و قال الحسن بن منصور: لمن كان له قلب لا يخطر فيه إلا شهود الرب.

قال ابن عطاء: قلب لاحظ الحق بعين التعظيم، فذاب له و انقطع إليه عما سواه.

قال الواسطي: أي لذكرى لقوم مخصوصين، لا لسائر الناس. و قال: إن الله إذا تجلى لشيء خضع له و خشع. و أرباب التمكين يجمع الله لهم بين المشاهدة و الفهم؛ فموضع الفهم محل المحادثة و المكالمة و هو سمع القلب، و موضع المشاهدة بصر القلب. و للسمع حكمة و فائدة كما للبصر حكمة و فائدة.

قال محمد بن علي الباقر: السماع للأحياء لا للأموات، قال تعالى:” إنك لا تسمع الموتى “. (4)

قال سهل بن عبد الله: القلب رقيق تؤثر فيه الخطرات المذمومة، و أثر القليل عليه كثير. و القلب عمال لا يفتر، و النفس يقظانة لا ترقد، فإما العبد مستمعا إلى الله و إلا فهو مستمع إلى الشيطان و النفس، و قد ورد :” لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم؛ لنظروا إلى ملكوت السماء.” (5)

و قال ابن عطاء: هو القلب يلاحظ الحق و يشاهده، و لا يغيب عنه خطرة و لا فترة، فيسمع به بل يسمع منه، و يشهد به بل يشهده، فإذا لاحظ القلب الحق بعين الجلال فزع و ارتعد، و إذا طالعه بعين الجمال هدأ و استقر.

قال يحيى بن معاد الرازي: القلب قلبان،  قلب قد احتشى بأشغال الدنيا، حتى إذا حضر أمر من أمور الطاعة لم يدر صاحبه ما يصنع من شغل قلبه بالدنيا. و قلب قد احتشى بأحوال الآخرة، حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر صاحبه ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة. فانظر كم بين تلك الأفهام الثابتة وشؤم هذه الأشغال الفانية.

وقال بعضهم: لمن كان له قلب بصير يقوى على التجريد مع الله تعالى و التفريد له حتى يخرج من الدنيا و الخلق و النفس، فلا يشتغل بغيره و لا يركن إلى سواه، فسمع المسموعات و شاهد المشهودات، لتخلصه إلى الله تعالى و اجتماعه بين يدي الله و الأشياء كلها عند الله و هو عنده، فأبصر و سمع جملها و لم يسمع و يشاهد تفاصيلها، لأن الجمل تدرك لسعة عين الشهود، و التفاصيل لا تدرك لضيق وعاء الوجود، فالله هو العالم بالجمل و التفاصيل.

للهوى حلاوة، و النفس إذا تشربت حلاوة الهوى تركن إليه و تستلذه… و حلاوة الحب الإلهي تغلب حلاوة الهوى، لأن حلاوة الهوى كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، لكونها لا ترتقي عن حد النفس، و حلاوة الحب كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء لأنها متأصلة في الروح و فرعها عند الله تعالى، و عروقها ضاربة في أرض النفس، فإذا سمع الكلمة من القرآن أو من كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم، يتشربها بالروح و القلب و النفس و يفديها بكليته، و يقول:

أشم منك نسيما لست أعرفه   ( ( (  ) ) )  أظن لمياء جرت فيك أردانا

فتعمه الكلمة و تشمله و تصير كل شعرة منه سمعا و كل ذرة منه بصرا، فيسمع الكل بالكل و يبصر الكل بالكل، قال تعالى: ” فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه؛ أولئك الذين هدى الله و أولئك هم أولو الألباب.” (6)

و قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم”.(7) قال الجنيد: تنسموا روح ما دعاهم إليه، فأسرعوا إلى محو العلائق المشغلة، و تجرعوا مرارة المكابدة، و صدقوا الله في المعاملة، و أحسنوا الأدب في ما توجهوا إليه، و هانت عليهم المصائب، و عرفوا قدر ما يطلبون، و سجنوا همهم عن التلفت إلى مذكور سوى وليهم، فحيوا حياة الأبد بالحي الذي لم يزل و لا يزال.

قال الواسطي رحمه الله: حياتها تصفيتها عن كل معلول لفظا و فعلا.

و قال بعضهم: استجيبوا لله بسرائركم، و للرسول بظواهركم، فحياة النفوس بمتابعة الرسول صلى الله عليه و سلم، و حياة القلوب بمشاهدة العيوب، و الحياة من الله تعالى برؤية التقصير.

قال ابن عطاء الله: في هذه الآية الاستجابة على أربعة أوجه:

أولها: إجابة التوحيد.

و الثاني: إجابة التحقيق.

و الثالث: إجابة التسليم.

و الرابع: التقريب.

 

فالاستجابة على قدر السماع، و السماع من حيث الفهم، و الفهم على قدر المعرفة بقدر الكلام، و المعرفة بالكلام على قدر المعرفة و العلم بالمتكلم، و وجوه الفهم لا تنحصر، لأن وجوه الكلام لا تنحصر؛ قال تعالى: “قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي.” (8) فلله تعالى في كل كلمة من القرآن كلماته التي ينفد البحر دون نفادها، فكل الكلام كلمة نظرا إلى ذات التوحيد، و كل كلمة كلمات نظرا لسعة العلم الأزلي.

  • مقتطف بتصرف من باب “حسن الاستماع” من كتاب “عوارف المعارف”* للإمام شهاب الدين عمر السهروردي*

————————————————————————————————

  • رواه الترمذي في صحيحه من حديث زيد بن ثابت، تحت رقم: 2656.
  • سورة الأنفال الآية 23
  • سورة ق الآية 37
  • سورة النمل الآية 80 .
  • قال العراقي: رواه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه
  • سوة الزمر الآية 18 .
  • سورة الأنفال الآية 24.
  • سورة الكهف الآية 109.
  • شهاب الدين أبو حفص عمر السهروردي البغدادي ( 539 – 632 ) ينتهي نسبه إلى أبي بكر القرشي التيمي،

هو أحد علماء أهل السنة و الجماعة و من أعلام التصوف السني في القرن السابع الهجري، و مؤسس الطريقة السهروردية و صاحب كتاب عوارف المعارف، وصفه الذهبي ب ” الشيخ الإمام العالم القدوة الزاهد العارف المحدث، شيخ الاسلام أوحد الصوفية ” و قال عنه ابن النجار:” كان شهاب الدين شيخ وقته في علم الحقيقة، و انتهت إليه الرياسة في تربية المريدين و دعاء الخلق إلى الله و التسليك” ( من سير أعلام النبلاء للذهبي ).

أخذ العلم عن عمه أبا نجيب السهروردي و صَحِب الإمام عبد القادر الجيلاني و سَمِع من هبة الله أحمد الشبلي و غيرهم. و من تلامذته العز بن عبد السلام و سعدي الشيرازي و أحمد العراقي و ابن مودود الموصلي و تلاميذ كثر انتشروا في أنحاء المعمورة شرقا و غربا خاصة بالديار الهندية.

  • عوارف المعارف: كتاب للإمام أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله، الملقب شهاب الدين عمر السهروردي.

و يشمل على بعض علوم الصوفية و أحوالهم و مقاماتهم و آدابهم، و معرفتهم و توحيدهم و دقيق إشاراتهم، و ذكر فيه كثيرا من أعلام التصوف في ثنايا الكتاب الذي يشتمل على نيف و ستينا بابا.

تعليق 1
  1. بشرى يقول

    معاني دقيقة ورقيقة. اللهم اجعلنا منن سلمت قلوبهم وخلت إلا من ذكر الله وما والاه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.