موقف المسلمين من السنن الربانية في نظر صاحب المنار (7) سنن الله في إهلاك الأمم
الدكتور رمضان خميس
موقف المسلمين من السنن الربانية في نظر صاحب المنار (7)
سنن الله في إهلاك الأمم
الدكتور رمضان خميس
الآثار المترتبة على جهل المسلمين بالسنن:
➖ يعالج صاحب المنار الحديث عن جهل المسلمين بعلم السنن ويشخص الأسباب ويلمس الواقع الذي يدفعهم لذلك، مبينا أثر هذا الجهل بقوانين الله تعالى والإعراض عنها فيقول:
(ترى شعوب المسلمين يجهلون هذه السنن الإلهية، وما ضاع ملكهم وعزهم إلا بجهلها الذي كان سببا لعدم الاهتداء بها في العمل، وما كان سبب هذا الجهل إلا الإعراض عن القرآن، ودعوى الاستغناء عن هدايته بما كتبه لهم المتكلمون من كتب العقائد المبنية على القواعد الكلامية المبتدعة، وما كتبه الفقهاء من أحكام العبادات والمعاملات المدنية والعقوبات والحرب وما يتعلق بها، وهذه السورة الجليلة الكبيرة القدر والفوائد (الأعراف) خالية من هذه الأحكام كلها، ومن نظريات المتكلمين في العقائد وتقريرهم لها، وكذلك غيرها من السور المكية. فهل أنزل الله تعالى هذه السور كلها للتعبد بتجويد ألفاظها بدون فهم، أو لاتخاذها رقي وتمائم، وكسبا لقراء المآتم؟
وأعجب من هذا كله أن الجهل بلغ بهم بعد ذلك أن ظهر فيهم فريق خصم لهذا الفريق المقلد المحافظ على كتب القرون الوسطى دون هدي السلف، خصم يقول: إن دين الإسلام هو السبب في جهل المسلمين وضعفهم، ولا حياة لنا إلا باقتباس علم الاجتماع وسنن العمران من الأمم غير الإسلامية التي سادتنا بهذه العلوم، وما يؤيدها من الفنون والصناعات، وهؤلاء أجهل بالإسلام من أولئك، فكتاب الإسلام هو المرشد الأول لسنن الاجتماع والعمران، ولكن المسلمين قصروا في طور حياتهم العلمية عن تفصيل ذلك بالتدوين لعدم شعورهم بالحاجة إليه، وكان حقهم في هذا العصر أن يكونوا أوسع الناس به علما لأن كتاب الله مؤيد للحاجة بل الضرورة التي تدعو إليه).
وفي هذا تلخيص دقيق، ووصف عميق لواقع المسلمين، بين جمود واقف على كتب المتكلمين والمبتدعة، أو وقوف عند ما كتبه الفقهاء لزمانهم وعصرهم، وبين إنكار يتجاوز الطرف الأول ويلصق تهمة التأخر بالإسلام، وينسب إليه سبب التراجع وعدم النهوض، وكلا الفريقين يجهل أن أصل السنن وعلم الاجتماع موجود في كتاب الله تعالى.
➖ إن صاحب المنار يحذر من البعد عن سنن الله تعالى وعدم وعيها فيقول – وهو يتناول سورة الأنعام: (إن ربك سريع العقاب وإله لغفور رحيم) أي إنه – تعالى – سريع العقاب لمن كفر به أو بنعمه وخالف شرعه وتنكب سنته، وسرعة العقاب تصدق في الدنيا والآخرة، فإن العقاب العام عبارة عما يترتب على ارتكاب الذنوب من سوء التأثير، وهو في الدنيا ما حُرِّمت لأجله من الضرر في النفس أو العقل أو العرض أو المال أو غير ذلك من الشئون الاجتماعية، فإن الذنوب ما حرمت إلا لضررها، وهو واقع مطرد في الدنيا في ذنوب الأمم وأكثري في ذنوب الأفراد، ولكنه يطرد في الآخرة بتدنيسها النفس وتدسيتها كما وضحناه مرارا، وقد يستبطئ الناس العقاب قبل وقوعه؛ لأن ما في الغيب مجهول لديهم فيستبعدونه وهو عند الله معلوم مشهود فليس ببعيد (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ).
➖ ويمكن أن نلخص بعض الآثار المترتبة على إهمال المسلمين لعلم السنن في نقاط على النحو التالي:
– ضياع ملكهم وعدم أخذ العبرة من التاريخ الذي يعيد نفسه بصورة أو بأخرى على اختلاف بين المؤرخين، فلم يقف كثير من المسلمين على أسباب سقوط دولهم وأسباب نهضتها مما جعلهم يحذون حذو السابقين حذو القذة بالقذة مهما عرفوا مصيرهم ومآلهم.
– ضياع عزهم من جراء تسلط عدوهم عليهم وامتلاك خيراتهم والتحكم في سلطانهم فقد خرج الغرب من بلاد المسلمين وهو يضمن أن المسلمين أنفسهم سيعيدون الكرة ويقعن في الشرك الذي نصبوه لهم، وقد كان فلا يفيد اللاحق من السابق، ولا يعتبر بما حل به، ونظرة عجلى- فضلا المتأنية- في أسباب سقوط الدول بداية من الدولة الأموية حتى الآن ترينا بجلاء ووضوح هذا الأمر.
– اضطراب نظرتهم إلى المفاهيم لفقدانهم المرجعية الصحيحة مع وجودها وبعدهم عن مصدر الهداية على الرغم من وضوحه وثباته.
من كتاب: سنن الله في إهلاك الأمم دراسة في تفسير المنار