منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

موقف المسلمين من السنن الربانية في نظر صاحب المنار -تتمة- (5) سنن الله في إهلاك الأمم

الدكتور رمضان خميس

0

موقف المسلمين من السنن الربانية في نظر صاحب المنار -تتمة-

(5) سنن الله في إهلاك الأمم

بقلم: الدكتور رمضان خميس

أولا: حث القرآن على تعلم التاريخ، والإفادة منه

حرص القرآن على دعوة المسلمين إلى العلم بتاريخ الأمم، والإفادة مما حل بهم من خير وشر وبؤس ونعم، حتى يصلوا بهذا الوعي إلى سعي يمنعهم من التردي فيما تردى فيه السابقون وأن يفيدوا من الخير الذي وصلوا إليه ومن ذلك ما عناه القرآن الكريم من دعوة المسلمين إلى السير والنظر والتفكر والتدبر في آثار الغابرين.

(فللتاريخ تأثير كبير على حياة الإنسان ومستقبله، ومع أن أحداثه مضت إلا أنها تبقى بصماتها وآثارها واضحة على سلوك الإنسان وممارساته، وتسهم بشكل غير مباشر في تحريك أحداث الحياة البشرية ودفع مسيرة الوجود الإنساني على الأرض.

ولقد اهتم القرآن الكريم بأحداث التاريخ، وفسح لها مساحة كبيرة فيه، وتخير منها الجانب المؤثر المنسجم مع الموضوعات التي يعالجها.

ولئن كانت دراسة التاريخ، وبيان الأسباب المحركة لحوادثه، من العلوم المتأخرة التي عرفها الناس، فلقد سبق القرآن الكريم إلى هذا العلم، فلم يكتف بعرض وقائع التاريخ كما حدثت، كما فعل قدماء المؤرخين وكتاب التاريخ، بل عرض الحدث التاريخي من خلال الأسباب الكامنة وراءه، ومن خلال النواميس الكونية الكبرى التي أبدعها الخالق العظيم لهذا الكون).

يقول ابن خلدون في مقدمته الرائدة: (اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت، يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكيان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق، وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سميناً ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات و تحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال و العساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب و مطية الهذر ولابد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد).

والمسلم الواعي لا يتوقف فقط عند أحداث التاريخ وسردها، بل يحللها ويعي ما وراءها من خلفيات حضارية وثقافية وعادات الشعوب وتقاليدها ويعي كيف يتجنب الوقوع في أسباب أودت بالسابقين من الأمم التي ذكرها القرآن الكريم وحذر من النسج على منوالها، ففرق بين العلم بالتاريخ وبين الوعي به وصناعته، لما يترتب على ذلك من إضافة خبرات إلى الواعي بالتاريخ فوق خبرته وأعمار فوق عمره.

(فالوعي بالتاريخ يكسب أصحابه إلى جانب عمرهم وعمر أسلافهم أيضا عمر الأجيال التي لم تأت بعد؛ لأن الوعي بالتاريخ تتجاوز فائدته وثمراته حدود الاستفادة بهذا الوعي في حياتنا الحاضرة وبناء واقعنا المعيش إلى التأثير في المستقبل القريب منه والبعيد، ومن ثم فنحن نضيف إلى أعمارنا إذا وعينا تاريخنا أعمار الأقدمين ونسهم كذلك في زيادة أعمار الأجيال القادمة، بما نضعه على دروبها من أضواء وما تقدمه لتجاربها وخبراتها من إضافات.. ومن هنا حق لنا أن نقول: إن الوعي بالتاريخ إنما يمثل سلاحاً من أكثر الأسلحة فعالية في بناء مستقبل الأمة التي تجاوز أبناؤها حدود (القراءة) لتاريخها إلى رحاب (الوعي) بهذا التاريخ.. إن قضية الوعي بالتاريخ لا تتطلب فقط ذكاء الدارس والباحث والمؤرخ، وقدرته على الفهم والتحليل، وإنما لابد لهذه المهمة من الارتكاز على منهج علمي في دراسة التاريخ وتناول صفحاته وأحقابه وأحداثه والعلاقات التي تربط ربطا موضوعياً وجدليا بين ما يراه البعض ركاما من الأحداث، ومن ثم اكتشاف الروح السارية دائما والنامية أبدا في هذا التاريخ، ودرجة النمو واتجاه السير، وعلاقة ذلك بالقوى الاجتماعية والتيارات القومية والتأثيرات الداخلية والمؤثرات الخارجية، وعوامل المد والتصاعد وقوى الجزر والهبوط التي اعترضت وتعترض مسار الأمم والطبقات في هذه المسيرة التي لا زالت زاحفة والتي بدأت مع بدء الإنسان ممارسة الحياة…).

ثانيا؛ العلم بالتاريخ وعلاقته بفهم القرآن

ربط القرآن الكريم بين فهم القرآن وإدراك تاريخ الأمم والجماعات البشرية فدعا الناس إلى السير في الأرض والتعرف على الوقائع والأحداث ولأمر ما كان نزول القرآن مرتبا على الحوادث والوقائع، ولأمر ما كان ما يعرف بأسباب النزول وترتب فهم القرآن على معرفة هذا السبب وما يحتف به من قرائن، يقول صاحب المنار وهو يتحدث عن الأمور التي تتم بها أعلى درجة من التفسير: (ثالثها): علم أحوال البشر، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب، وبين فيه ما لم يبينه في غيره. بين فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعهم والسنن الإلهية في البشر، وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها. فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم، من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، العلم بأحوال العالم الكبير علويه وسفليه، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه.

قال الأستاذ الإمام: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى: *كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين* وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتحدوا وكيف تفرقوا؟ وما معنى تلك الواحدة التي كانوا عليها؟ وهل كانت نافعة أم ضارة؟ وماذا كان من آثار بعثه النبيين فيهم).
*من كتاب سنن الله في إهلاك الأمم دراسة في تفسير المنار*

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.