منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“العولمة من تحت….قوة التضامن”

د. هشام العشوش

0

العولمة من تحت….قوة التضامن”

تقديم ومراجعة: د. هشام العشوش

رئيس المركز الدولي لقضايا التعليم والبحث العلمي

ICESRI

 كتاب “العولمة من تحت…قوة التضامن”،

تأليف مشترك ل: جيريمي بريشر وتيم كوستيلو وبرندان سميث،

وقام بترجمته وتحقيقه: أسعد كامل إلياس.

 

الكتاب مجهود فكري جاء في سياق الرفض الإنساني لتوحش النظام الاقتصادي “العولمة من فوق”، من خلال رصد دقيق لتغير مجتمعات العولمة، وتوثيق بداية نهضة حركة اجتماعية عالمية تحل محل ما هو كائن، وتكون بديلا عنه.

لقد سعى هذا الكتاب إلى التبشير بردة الفعل هاته، وهي عولمة من تحت، سعيا لإعادة دفة القيادة، وقوة المبادرة للمجتمع، من خلال مؤسسات المجتمع المدني، بعدما فشل الرهان على الشركات المتعددة الجنسيات والقوميات، إذ هو رهان خاسر أفضى إلى ما نشهده اليوم من تكريس مزيد من الطبقية والفقر والجهل…

الكتاب وإن ادعى أنه مستوعب لكل مطالب الحركات الاجتماعية،

معبر عن صرخاتها، إلا أنه بقي منقاداً خاضعا لتجارب مؤلفيه

الكتاب يعبر عن ذاته كونه إسهامًا في الحوار الدائر في هذه الزمنية العصيبة من حياة البشر، وتعبيرا عن ضمير كل الحركات الاجتماعية المناهضة للمد الجارف لعولمة الشركات الأحادية النظر-أو هكذا على الأقل عبر مؤلفوه -، وهو أمر صار متاحا نسبيا بالنظر إلى تعاظم واتساع دور وسائل الإعلام والاتصالات.

وينبه الكتاب في سياق آخر إلى أن المنشغلين بمقاومة هذه العولمة ليسوا على وفاق تام، ولا حتى متقارب لشكل البديل الذي ينشدونه، بل هم في الحقيقة على ضروب متباينة من الاختيارات، وكذا التطلعات المرجوة، فمنهم مثلا من يقترح فقط تهذيب وتصحيح تجاوزات هذه العولمة المتغولة، في حين تدعوا طائفة أخرى إلى الرجوع لشكل أنظمة الاقتصاد الوطني بصيغتها القديمة، لأنها كانت أرحم، وصنف ثالث ينادي بمواطنة كونية تمَّحي وتندثر فيها القيود القومية وولاءات اللغة والعرق والدين، بشرط تخلي هذه العولمة عن نمطها الاستعلائي من خلال ما سمي “بدمقرطة اقتصادية وسياسية”.

لكن الذي يلاحظ على هذه البدائل كلها، أنها أذعنت وخضعت للأيديولوجية ذاتها، فالكتاب وإن ادعى أنه مستوعب لكل مطالب الحركات الاجتماعية، معبر عن صرخاتها، إلا أنه بقي منقاداً خاضعا لتجارب مؤلفيه؛ إذ الأمثلة التي سيقت في صفحاته، إنما هي صورة عن تجربة الحياة الأمريكية، عُممت وسحبت بعد ذلك على سائر المجتمعات الإنسانية، وهو ما يناقض الزعم بأنه صوت لكل الحركات ذات النشاط الاجتماعي، خاصة أنه قُدم على شكل مساهمة لإيضاح الرؤية التغييرية، وتوفير الإطار المرجعي النظري من أجل تحصين الذات الاحتجاجية العالمية.

وهو إلى ذلك؛ يؤكد أن التغيير لا يمكن أن يكون نقلة من أعلى إلى أسفل بضربة لازب، إذ الناس في الأصل هي صانعة هذا التحول إذا ما تمثلوا روح هذا المنشود سلوكا وفعلا عمليا في حياتهم اليومية.

لقد وُضع الكتاب على هيئة محاور سميت بالاختزالات، وفيما يأتي أهم ما جاء فيها، بداية بالاختزال الأول الذي تضمن تقييما عاما للعولمة من أعلى، ومراحل تطورها، وكذا ما أحدثته من أزمات وانتكاسات، في حين عالج الاختزال الثاني نشأة الحركات الاجتماعية وارتباطها بالطبقات المسحوقة، ثم نبه إلى ما تواجهه من عقبات وتحديات.

وخُصص الاختزال الثالث لبيان طبيعة العلاقات التي تحكم العولمة – في صورتها الحالية – بالسلطة، كما عني الاختزال الرابع لكشف المشاكل التي يواجهها دعاة التغيير، ومنها تمثيلا قضية تحديد الأولويات بين حماية البيئة، وتلبية الاحتياجات البشرية.

بينما اتجه الاختزال الخامس الذي وُسم ب: “عالم للربح، ولكن لماذا؟”، إلى ضرورة أن تتخذ الرؤية التغييرية للعولمة من تحت شكلا محسوساً، فتبتعد -ما أمكنها ذلك- عن الشعارات التي الفضفاضة وغير الواقعية.

وعرج في الاختزال السادس على ملامح البرنامج العالمي للمشترك الجديد، في حين عُقد الاختزال السابع للتمييز بين آليات عمل الحركات الاجتماعية ذات البعد التعاقدي، وكذا ما أسماها ب “منظمات جماعات الولاء” مبرزا مكامن القوة والضعف فيهما.

وقد أُفرد الاختزال الثامن للتأكيد على ضرورة بناء منهجية متماسكة لربطِ العلاقات بين دعاة العولمة من تحت، وكذا المطالبة بحقهم في إجراء ما يرونه من تعديلات تمس جوهر النظام القائم.

“حرب من الجميع ضد الجميع، أو سيطرة قوة عظمى وحدها على العالم،

أو قيام تحالف طاغٍ بين النخب في العالم، أو كارثة بيئية على نطاقِ العالم، أو مزيجا من كل هذا”

 

في حين صُدِّر الاختزال التاسع والأخير لبيان أوجه التفاعل بين مطالب الحركة التغييرية، واستجابة النخب الحاكمة سياسيا واقتصاديا، محيلا على أهمية دور الجماهير في حسم الصراع، ومعولاً عليهم في تحقيق المراد.

الخاتمة جاءت تذكيرا بأهمية وجود هذه الحركة الاجتماعية، وأهمية المطالب التي تسعى لتحقيقها، وأن العالم اليوم لا

يقبل التراجع عما وصل إليه من ممارسات سياسية واقتصادية وثقافية، ممثلة في “العولمة”، وهو كذلك غير قادر على أن يستمر في سيره نحو الهلاك، على نهج هذه العولمة بشكلها الحالي المتوحش.

وفي هذا السياق حذر من أن عدم إيجاد صيغة إصلاحية، سيؤول لا محالة إلى ما وصفها ب “حرب من الجميع ضد الجميع، أو سيطرة قوة عظمى وحدها على العالم، أو قيام تحالف طاغٍ بين النخب في العالم، أو كارثة بيئية على نطاقِ العالم، أو مزيجا من كل هذا” ([1]).

هذا؛ ومما يجب التنبيه إليه بعد بسط مضامين الكتاب، وبعد الوقوف عند بعض أسباب وسياقات كتابته وتـأليفه، وكذا مقارنة ومناسبة ما جاء فيه مع مقتضيات عالمنا الإسلامي ورؤيتنا الحضارية، لا بد أن نؤكد أن المسلمين اليوم  -كما العالم-، هم جزء من هذا التفاعل أو بعبارة أصح، هذا التأثر بالعولمة، فقد استطاعت للأسف الشديد أن تخترق جدار الممانعة أو ما تبقى منه، وبذلك اجتاحت هذه العولمة الذات الإسلامية وتمكنت من التلاعب بدفتها وتوجيهها وفاق أيديولوجية استهلاكية، هي في الأصل انعكاس “لأَمرَكَة” الحياة الاجتماعية والثقافية، التي شيئت الإنسان وجعلت اللذة اللحظية غاية تسعى البشرية لتحصيل النصيب الأعظم فيها، بشكل متهور منفك عن كل قيد أخلاقي.

لقد أضحت البشرية اليوم في أمس الحاجة لمن يخلصها من براثن هذه العولمة المتوحشة، فينزع عنها التضليل والخداع

إن الإنسانية بكل ما حصلته من تقدم صناعي، وما أنجزته من تطور علمي،

هي في نفس الوقت تعيش وضعا عولميا يسير بسرعة جنونية نحو الهاوية،

مدعوما بقوة دفع تكنولوجي عابرة لكل حدود العقل

الذي سوَّقت نفسها من خلالهما، بوصفها امتدادا طبيعيا للتطور البشري، وأنها تجلٍ من تجليات النضج الذي وصل إليه النوع الإنساني؛ بينما هي على الحقيقة انتكاسة قيمية وحضارية ومعرفية أصابت جوهر الإنسان، وتردّ هدد كينونة بقائه، بطمس روح الفطرة التي هي روح الإنسان، معتمدة على نزعة أيديولوجية شاذة، سعت لتكريس أعراف استعبادية جديدة في تجلياتها وصورها، قديمة في حقيقتها وعمقها.

ومن ثم؛ لا بد من التأكيد على أن الإسلام هو نموذج جد متقدم، وقوة اقتراحية لما سمي في هذا الكتاب “العولمة من تحت”، لذلك؛ فالمسلمون اليوم، مطالبون بالتسلح بسلاح الإرادة والوعي وبروح المبادرة، لتقديم تصور ناضج وواضح عن طبيعة ما يجب أن تكون عليه حياة الناس في هذه الزمنية التي كثر بريقها الخدَّاع، في حين خفتت أنوار قيمها الإنسانية الأصيلة، لأن نجاح الصورة الحالية للعولمة متوقف على غياب هذه العناصر، ولذلك نجد هذه الأخيرة تستهدف القيم الأصيلة للإنسان تضعيفا وتسفيها وسحقا، لأنها تمثل خط المقاومة لكل مظاهر الاستلاب الاستهلاكي التي تُحول الإنسان من منتِج إلى منتَج.

 إن الإنسانية بكل ما حصلته من تقدم صناعي، وما أنجزته من تطور علمي، هي في نفس الوقت تعيش وضعا عولميا يسير بسرعة جنونية نحو الهاوية، مدعوما بقوة دفع تكنولوجي عابرة لكل حدود العقل، متجردة من كل قيم أخلاقية، ومستندة إلى تصورات مشوهة عن الماهية وعن الوجود.

كل هذا يزيد من حجم التحديات والمسؤوليات التي تقع على عاتق المسلمين، للتصدي لكل أشكال المسخ الحضاري، لبلورة بدائل نابعة من عمق مشروعنا الإسلامي العلوي، ومن قيمنا الأسمائية، منطلقة من أصالة تصوراتنا الخالدة، معبرة عن آلام الناس وآمالهم في حياة كريمة وعادلة.

والحمد لله رب العالمين


[1] : جيريمي بريشر وتيم كوستيلو وبرندان سميث،”العولمة من تحت…قوة التضامن”. قام بترجمته وتحقيقه: أسعد كامل إلياس، مكتبة العبيكان، ص 24.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.