منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غزة والمشترك الإنساني

غزة والمشترك الإنساني/ عبد الهادي مرزاق

0

غزة والمشترك الإنساني

بقلم: عبد الهادي مرزاق

مقدمة:

يتعرض العالم على مر العصور إلى أزمات وأحداث وقضايا، لتكون شاهدة على حقيقة لا يجب أن ننساها: أننا بشر، وأن ما يجمعنا من آلام وآمال، ومن معاناة وكرامة، يفوق ما يفرقنا من حدود جغرافية أو قوميات أو تدينات أو انتماءات سياسية… ومن بين هذه القضايا، تبرز غزة كجرح مفتوح في ضمير العالم، وكصرخة متجددة في وجه تبلد الحس الإنساني، إنها ليست مجرد قضية فلسطينية، بل صورة مكثّفة للصراع بين الظلم والعدالة، بين الاحتلال والحرية، وبين الصمت الإجرامي والصوت الحر.  تذكّرنا جميعًا بأن “المشترك الإنساني” ليس مجرد شعار فقط، بل هو ضرورة وجودية وأخلاقية وواجب حضاري.

التذكير بوحدة الأصل الإنساني والمشترك بين البشر:

قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(سورة الحجرات، الآية 13)

ففي هذه الآية الكريمة تذكير بأن خالقنا واحد وأن أصلنا واحد؛ قال عليه الصلاة والسلام: (كلكم من آدم وآدم من تراب)، وأنه سبحانه جعلنا مختلفين ليحصل التعارف وتبادل التجارب والمنافع والخبرات الإنسانية، وهذا الاختلاف لا يُلغِي أصل الإنسانية، بل يزيد من جماله، ويُعلي من قيمة التعدد الذي يُغني التجربة الإنسانية. كما بين سبحانه أن مقياس التفاضل بيننا هو التقوى، وأنه سبحانه وتعالى كرم الإنسان تكريما مطلقا، لا يختص بعرق أو دين… قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء، الآية 70). هذا الأصل المشترك بين البشر يُحتّم علينا أن نتعامل مع آلام الآخرين كأنها آلامنا، ومع قضايا المظلومين كأنها قضايانا، وأن نستشعر وحدة المصير، وارتباط الوجود. فالإنسانية، حين تكون حاضرة، لا تُقصي أحدًا، ولا تبرر الظلم تحت أي مسمى.

الدعوة إلى المشترك الإنساني في ظل الأحداث العالمية:

المشترك الإنساني هو القيم الفطرية التي يتفق عليها جميع البشر: كرامة الإنسان، حقه في الحياة، الأمن، الحرية، والعدالة…

لقد مرّ العالم في السنوات الأخيرة بأحداث جسيمة كشفت للجميع هشاشة الإنسان وضعفه؛ باعتباره مخلوقا أمام قدرة الله الخالق عز وجل، وأظهرت أن الخطر إذا حلّ، لا يفرّق بين غني وفقير، بين شرقي وغربي. جائحة كورونا مثال واضح؛ إذ ألزمت الجميع بيوتهم، وأعادت التذكير بأننا نوعٌ واحد، وأن تهديد الإنسان في صحته أو بيئته هو تهديد لنا جميعًا. وكذلك الكوارث الطبيعية، أو الحروب، أو التلوث البيئي، كلها تؤكد أن مصيرنا مترابط، وأن الحلول لا يمكن أن تكون إلا إنسانية، شاملة، عادلة.

وفي قلب هذه المشاهد، تبرز غزة اليوم كأحد أهم الأحداث المعاصرة التي تنبّه العالم إلى ضرورة استحضار المشترك الإنساني. إن ما تعرّض له أهل غزة من حصار، وتجويع، وتشريد، وقتلٍ للمدنيين، واغتيال للطفولة، ليس شأنًا محليًا أو دينيًا فحسب، بل هو قضية إنسانية خالصة. فالألم الذي عاشه أطفال غزة ونساؤها وشيوخها هو ألم بشري بامتياز، يُفترض أن يهز ضمير كل إنسان، بغض النظر عن عرقه أو دينه أو وطنه. وأن يستشعر أن ما يحدث في غزة هو مأساة إنسانية عابرة للحدود؛ فأهل غزة لا يعبّرون فقط عن “قضية فلسطينية”، بل عن إنسانية تُذبح أمام شاشات العالم. ويوجهون رسالة واحدة: “أين ضمير الإنسانية؟”

غزة صوت للحق.. وصدى للضمير العالمي:

غزة لا تطلب أكثر من حقها في الحياة، وكرامتها في أرضها، وحرّيتها في دينها وهويتها. ومن يعادي غزة في سعيها هذا، فهو في الحقيقة يعادي الإنسان، ويقمع تطلعه الفطري نحو الكرامة والعدالة والحرية.

لقد رأينا كيف هبّت الشعوب، من أقصى الأرض إلى أقصاها، وخاصة من دول غير إسلامية، تنادي بحق غزة، وتستنكر الظلم، وتبكي على مشاهد القصف والدمار. وبرزت أصوات حرّة، ومؤثرون عالميون، ونساء حرائر وقفن إلى جانب الحقيقة والإنسان. كل هذا يُثبت أن غزة أشعلت فتيل الوعي الإنساني في العالم، وذكّرت الجميع بأننا، رغم الحدود والاختلافات، نشترك في أصل واحد، وفي قيمة واحدة: الإنسان.

في مواجهة هذه المعاناة، تظهر القيم الإنسانية المشتركة جليّة؛ التضامن، الرحمة، التعاطف، ورفض الظلم… ملايين البشر حول العالم عبّروا عن تضامنهم مع غزة، ليس لأنهم فلسطينيون أو عرب، بل لأنهم بشر، يرون في معاناة الإنسان الغزّي مرآةً لضعف الإنسان أمام آلة الحرب، وإعلانًا صارخًا لفشل العالم في تحقيق العدالة.

المواقف… بين الصمت والخيانة:

  • دور الحكام… بين الواجب والتخاذل:

الحكام في العالم العربي والإسلامي يتحمّلون مسؤولية كبرى أمام الله عز وجل وأمام شعوبهم والتاريخ. فمنهم من التزم الصمت، ومنهم من مارس التطبيع أو وفر الغطاء السياسي للعدوان. لكنّ التاريخ لا يرحم، والدماء لا تُنسى.

في المقابل، هناك دول وقادة اتخذوا مواقف مشرّفة، دعموا القضية سياسيًا وإنسانيًا، وأدانوا المجازر علنًا. هذه المواقف – وإن كانت قليلة – تؤكد أن بإمكان الحكام أن ينحازوا إلى الإنسانية حين تتوفر الإرادة.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾   (سورة النساء، الآية 58)

في هذه الآية الكريمة دعوة إلى أداء الأمانة، وإشادة بالعدل والإنصاف، خاصةً في مواضع السلطة.

قال النبي ﷺ: “ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته…” (رواه البخاري ومسلم)

فهذا الحديث الشريف يشمل الحكام والعلماء، ويحمّلهم المسؤولية الأخلاقية.

  • دور العلماء… صوت الحق ومرآة الأمة

العلماء هم ورثة الأنبياء، وصوت الضمير في الأمة. دورهم لا يقتصر على الفتاوى الفقهية، بل يشمل توعية الشعوب، وبيان الموقف الشرعي من نصرة المظلومين، وفضح العدوان…

وموقفهم من غزة هو معيار صدقهم؛ فقد صدرت عن عدد من العلماء والهيئات الإسلامية مواقف قوية، دعت إلى مقاطعة الاحتلال، ودعم المقاومة، ونصرة غزة بكل الوسائل الممكنة. ولكن، ما زال هناك من يختار الصمت، أو يتماهى مع المواقف الرسمية، ويحاول تبرير ما لا يُبرر فيخون رسالته العلمية والدينية.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾  (سورة آل عمران، الآية 187)

ففي هذه الآية الكريمة تنبيه للعلماء بعدم كتمان الحق، ووجوب بيانه للناس.

  • دور الشعوب… نبض الأمة وسلاحها الأهم

رغم الحصار الإعلامي والسياسي، لم تخذل الشعوب غزة. من كل أنحاء العالم، خرجت الملايين تهتف لفلسطين، ترفع أعلامها، وتقاطع المنتجات الداعمة للاحتلال، وتُسعف المنكوبين بالتبرعات والدعاء…

هذا الحراك الشعبي، يعكس أن المشترك الإنساني ما زال حيًا، وأن الأمة – مهما تمزقت – لا تنسى قضاياها الجوهرية. الشعوب اليوم تُحرج الحكام، وتذكّر العلماء، وتضغط من أجل مواقف أكثر شجاعة.

  • دور الفنانين والمؤثرين في نصرة غزة مهم وحيوي، نظرًا لما يمتلكونه من جماهيرية واسعة ومنصات قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص حول العالم. من أبرز أدوارهم:

*نشر الوعي: حيث يمكنهم تسليط الضوء على ما يحدث في غزة من خلال منشورات، فيديوهات، أو مشاركات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتصحيح المعلومات المغلوطة ومحاربة الروايات المنحازة للاحتلال الصهيوني في الإعلام.

*الضغط الإعلامي والسياسي: باستخدام شهرتهم، يمكنهم التأثير على الرأي العام العالمي ودفع وسائل الإعلام الكبرى لتغطية الأحداث بعدل. والمشاركة في حملات عالمية ومبادرات حقوقية (مشاركتهم في أسطول الصمود والحرية) للضغط على الحكومات والمنظمات الدولية.

*الدعم الإنساني والمادي: جمع التبرعات من خلال حملات موثوقة لدعم القطاع الطبي والإغاثي في غزة. والتعاون مع منظمات إنسانية لنقل المعاناة والدعوة لتقديم المساعدة.

*الفن كأداة مقاومة: توظيف الفن (الغناء، التمثيل، الرسم، الكتابة…) لنقل صوت الفلسطينيين. وإنتاج أعمال فنية تعبر عن الظلم والاحتلال وتعيد تسليط الضوء على المقاومة الفلسطينية.

*كسر الصمت: باتخاذ موقف علني كخطوة جريئة ومؤثرة، خاصة في ظل الضغوط التي تُمارس على من يتحدثون عن القضية. وتشجيع فنانين ومؤثرين آخرين على التعبير عن تضامنهم وعدم الخوف من حملات التشويه أو الإلغاء.

خاتمة:

إن المشترك الإنساني يدعونا اليوم لأن نُعلِي صوت الحق، وأن نرفض كل أشكال الظلم والقهر، لأن الصمت لم يعد خيارًا. في غزة تُكتب دروس الصمود، وفي وجعها يولد الأمل، وفي أنقاضها تنبت قيم إنسانية لا تموت. وأن ما يحدث في غزة ليس مجرد صراع سياسي فحسب، بل هو استهداف صارخ لكرامة الإنسان التي قال الله عنها: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء، الآية 70).

فغزة، رغم جراحها، تظل منارة للكرامة، وصوتًا لا يُسكت في وجه الطغيان. والواجب علينا، كجزء من الإنسانية الواحدة، أن نُبقي هذه القضية حيّة في قلوبنا، لا شفقة فقط، بل إيمانًا عميقًا بأن العدالة لا تتجزأ، وأن الإنسان أخو الإنسان في كل مكان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.