منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بوابة الصمت

بوابة الصمت/ د. ابراهيم بومسهول

0

بوابة الصمت

د. ابراهيم بومسهول

 

في قلب أرض واسعة، حيث تتشابك الأنهار بالجدران العالية، كان ميدان الأمل. لم يكن مجرد مساحة من التراب والحجر، بل نبض المدينة وروحها، مكان يجتمع فيه الناس ليزرعوا أحلامهم، ويرفعوا أصواتهم ضد الظلام.

في صباح مشمس، ظهر نور. شاب يحمل قلبًا نابضًا بالعدالة، وعينين تريان ما لا يراه الآخرون. جلس على رصيف الميدان الكبير، حيث تتلاقى طرقات المدينة الأربعة، وتلتقي فيها أصوات الحالمين، من كل حي ومن كل فئة. كان نور يزرع الأمل في كلمات صغيرة، ويزرع بذور الحرية في صمت القلوب: “لن نرضى بالقهر، لن نرضى بالظلام، ستشرق شمس الحرية يومًا ما.”

مع مرور الأيام، بدأ الميدان يمتلئ بأرواح أخرى، كل واحدة تحمل حلمها الخاص. كان هناك الشيخ العجوز الذي حمل سنوات النضال على كتفيه، والفتاة الصغيرة التي رسمت على الحجارة ورودةً حمراء، والشاب الطموح الذي غنى أغاني لم يسمعها أحد من قبل، لكنها كانت تحمل وعد الحرية.

لكن ظل الظلام يراقب من فوق الجدران العالية. ظل لا يعرف الرحمة، ولا يسمع إلا صدى أوامر القمع. كان يتحرك في الليل والصباح، يهمس في آذان الحاكم: “أوقف هذا الوباء، اقتلع جذوره قبل أن ينتشر.”

وجاء اليوم الذي هجم فيه الظل على الميدان. لم يكن مجرد هجوم، بل زلزالا دمويا. الأرض اهتزت، والدخان غطى السماء، والأصوات التي كانت تملأ المكان صارت صدىً محطماً. سقط الشيخ، وتفككت الزهور الحمراء، وتلاشت أغاني الشاب الطموح في الهواء.

وسط الفوضى، اختفى نور بين الدخان والصراخ، لكنه لم يختفِ من القلوب. كل من كان في الميدان شعر بغيابه، لكنهم شعروا في الوقت نفسه بشيء غريب: الأمل لم يمت، رغم الدماء والغبار.

مرت الأيام، وأصبحت أبواب المدينة الأخرى مغلقة، وظهرت الأنهار كسلاسل تحاصر القرى المجاورة. في الجانب الآخر من هذه الأرض الممتدة، كان هناك أهل غزة، يعيشون وراء نهر بعيد، يشاهدون ما حدث للميدان، ويرتعدون خوفًا من الظل نفسه. كانوا ينتظرون أن يحمل لهم أحد ما الضوء أو كلمة تشجعهم على المقاومة.

لكن نوراً، رغم اختفائه، لم ينسَهم. ظل يحلم بهم، يرسل لهم همسات خفية عبر الرياح، كأنها رسالة تقول: “لن يُغلق الأمل مهما طغى الظلام.” كانت الرياح تحمل رائحة التراب الممزق، وصدى الأغاني المفقودة، وبذور الحرية التي زرعها الميدان قبل سقوطه.

المدينة التي بقيت تحت سيطرة الظل بدأت تتغير. الناس صمتوا خوفًا من القمع، لكن في البيوت والشرفات، وفي زوايا الأزقة، كانت هناك نقوش صغيرة على الجدران: كلمات نور، ورسومات الفتاة الصغيرة، وورود على الحجر، وأغانٍ مخفية في الصمت. كل هذه الرموز كانت تقول للناس: “الحياة لا تزال هنا، والحرية لم تمت.”

مع مرور السنوات، بدأ بعض السكان يشعرون بالتحوّل: الميدان، رغم غباره، أصبح رمزًا للثبات والصمود. نور، الذي اختفى جسده، صار روح المدينة. وكل من يأتي بعده يرى في الظل تحديًا لا يمكن تجاوزه بالقوة، بل بالصبر والأمل والعمل المستمر.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت الشمس تغرب خلف الجدران العالية، جلس طفل صغير على رصيف الميدان، يحمل حجرًا صغيرًا. نظر إلى الأفق حيث تختبئ الشمس وراء الغيوم، وهمس: “أنا لن أترك الظل يسيطر، سأزرع بذور الأمل كما فعل نور.” كانت كلمات الطفل بسيطة، لكنها تمثل عهدًا جديدًا، وصوتًا يهمس لكل من يقاوم الظلام: أن الحرية ليست شيئًا يُقتل، بل نور يُحيا في القلوب ويُنقل من جيل إلى جيل.

أما غزة، فقد بقيت على الجانب الآخر من النهر، تتلقى همسات الرياح المليئة بالأمل. كانوا يعرفون أن الظل قد يحاصرهم، لكنهم أيضًا يعرفون أن النور لا يموت في قلب من يرفض الظلم. كانت كل رسالة، وكل همسة، وكل بذرة أمل، بمثابة جسرٍ خفي بين الميدان والضفة الأخرى، يربط بين مصر وفلسطين، بين رابعة وغزة، بين الصمود والحرية.

وهكذا، بقيت بوابة الصمت مغلقة على سطح الأرض، لكنها مفتوحة في القلوب. كل من يعبر هذه البوابة لا يرى الظل، بل يرى نورًا ينبعث من الداخل، ويعلم أن الظلام لا يستطيع أن يقمع روح الحلم والعدالة.

في النهاية، صار نور رمزًا لكل من يبحث عن الحرية، لكل فلسطيني ينتظر شمسًا تفتح له بوابة الأمل المغلقة، ولكل عربي يتذكر أن الظل قد يسيطر على المكان، لكنه لا يستطيع أن يسيطر على الروح، ولا على الحلم، ولا على الأمل الذي يربطنا ببقية العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.