منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من ذاكرة التاريخ (2)

أشرف شعبان أبو أحمد

0

من ذاكرة التاريخ (2)

أشرف شعبان أبو أحمد

في تونس تم إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية عام 1957م واختيار الحبيب بورقيبة رئيسا لها بصورة مؤقتة، وفي الأول من يناير 1959م صدر الدستور الأول لتونس وأجرى اقتراع عام على منصب الرئيس، فاز فيه الحبيب بورقيبة بالرئاسة وكذلك الحال في انتخابات عام 1964م وعام 1971م وفي 1977م اختير بورقيبة كرئيس لتونس مدى الحياة. وظل الحبيب بورقيبة على رأس السلطة في تونس طيلة ثلاثين عاما منذ عام 1957حتى عام 1987م حيث تدهورت حالته الصحية، فانتقلت السلطة إلى الوزير الأول “رئيس الوزراء” زين العابدين بن علي الذي استطاع الحصول على تقرير طبي من سبعة من كبار الأطباء التونسيين يؤكد إصابة بورقيبة بأمراض الشيخوخة وعدم قدرته من الناحية الصحية على إدارة شئون الحكم وفي الثاني من إبريل 1989م أجريت انتخابات نيابية ورئاسية فاز بها زين العابدين بن على بمنصب رئيس البلاد، وفي مارس 1994م أعيد انتخاب بن علي بعد انتخابات برلمانية ورئاسية، وفي أكتوبر عام 1999م أعيد انتخاب بن علي مرة أخرى واستمر في الحكم إلى أن قامت أولى ثورات الربيع العربي وأطاحت به وفر هاربا من البلاد، جاء بعده الرئيس المنصف المرزوقي ثم الباجي فايد السبسي ثم قيس سعيد الذي استمر في الحكم منذ عام 2019م حتى يومنا هذا، حيث فاز بولاية رئاسية ثانية، وصلت نسبة التصويت فيها إلى تسعين في المائة، وتولى مجددا رئاسة البلاد للسنوات الخمس القادمة، وفوز قيس سعيد بهذه النسبة في الانتخابات التونسية لدليل آخر على عودة الشعوب العربية إلى ما كانت عليه قبل ثورات الربيع العربي، وإن هذه الشعوب ستحتاج لعشرات من السنين لتهب مرة ثانية، فطول المدة والمرض لم يمنعا بورقيبة عن الاستمرار في الحكم، ومنعه أحد أذرع الحكم المقربين إليه، وثورة الياسمين هي التي أجبرت الأخير رغم طول مدته على التنحي، فطالما لم يفيق الشعب فالحكم فيما بين القائمين عليه، يتبادلونه معا أو يقتتلون عليه، فهل سيسير قيس سعيد على خطاهما؟.

وفي الجزائر وفي شهر سبتمبر من عام 1962م انتخب فرحات عباس رئيسا للجمهورية وأحمد بن بيلا رئيسا للوزراء، وفي 13 سبتمبر من عام 1963م وبعد انقلاب عسكري انتخب أحمد بن بيلا رئيسا للجزائر لمدة خمس سنوات، وفي 19 يونيو عام 1965م تزعم هواري بومدين انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس أحمد بن بيلا وتولى الحكم حتى وفاته في 27 ديسمبر عام 1978م، وفي فبراير عام 1979م اختير الشاذلي بن جديد رئيسا للجمهورية وظل في الحكم حتى استقالته عام 1991م حيث قد أجريت في البلاد انتخابات حققت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامي فوزا كبيرا كان سيمكنها من تشكيل الحكومة، لولا تدخل الجيش وإلغاؤه نتائج الجولة الثانية من تلك الانتخابات وإعلانه الأحكام العرفية، مما أدى إلى اندلاع عمليات عنف في البلاد راح ضحيتها بحسب المصادر الرسمية أكثر من 100 ألف قتيل، وبعد استقالة الشاذلي بن جديد من الحكم خلفه محمد بو ضياف الذي كان يعيش في المغرب منذ عقود طويلة ولم يدم حكمه غير عدة أشهر إذ اغتيل نهاية عام 1992م وتشكل مجلس عسكري من خمسة ضباط تولوا حكم البلاد حتى اختارت المؤسسة العسكرية الأمين زروال رئيسا جديدا للبلاد خلفا لمحمد بو ضياف في عام 1994م وفي 15 أبريل 1999م انتخب عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجمهورية بعد أن انسحب المرشحون الآخرون الذين كانوا يتنافسون على هذا المنصب، وظل في المنصب لمدة عشرين عام، تملك المرض من جسده وكان قعيد، وظل يحكم حتى حدوث حراك شعبي ضده عام 2019م، ثم عبد القادر بن صالح رئيسا مؤقتا لعدة أشهر عام 2019م، ثم عبد المجيد تبون منذ عام 2019م حتى يومنا هذا، أي تولي أو ترك الحكم في الجزائر أما بالانقلاب أو الاغتيال أو انتخابات بأيدي ونكهة عسكرية، ولا عزاء لمن فقدوا أرواحهم في العشرية السوداء.

في لبنان فقد تولى بشاره الخوري رئاسة البلاد بعد حصولها على الاستقلال ثم عزل من منصبه بالقوة وتولى اللواء فؤاد شهاب السلطة بصورة مؤقتة إلى إن انتخب كميل شمعون رئيسا للجمهورية في 23 سبتمبر عام 1952م لمدة ست سنوات كما ينص الدستور اللبناني والميثاق الوطني اللبناني، ورفض كميل شمعون التنازل عن السلطة رغم انتهاء فترة رئاسته مما أدى إلى تدخل الجيش وتم عزله بالقوة، وتولية اللواء فؤاد شهاب السلطة مرة أخرى في 23 سبتمبر عام 1958م وفي نهاية الست سنوات أعفى من منصبه ليتولى الحكم شارل الحلو بعد انتخابات غير مباشرة في 23 سبتمبر عام 1964م، واستمر في الحكم حتى عام 1970م وأعفى من منصبه ليخلفه الرئيس سليمان فرنجيه والذي استمر في الحكم منذ عام1970م حتى عام 1976م وعزل بالقوة، ثم إلياس سركيس من عام 1976م وحتى عام 1982م وأعفى من منصبه، ثم بشير الجمل بعد انتخابه من قبل البرلمان اللبناني يوم 23 أغسطس عام 1982م واغتيل مع عدد من زملائه يوم 14 سبتمبر عام 1982م وتولي السلطة أخوه أمين الجميل منذ عام 1982م حتى عام 1988م، ثم سليم الحص من عام 1988م حتى عام 1989م، ثم رينيه معوض الذي مكث في الحكم عدة أيام من يوم 5 إلى يوم 22 من شهر نوفمبر عام 1989م حيث اغتيل، ثم سليم الحص للمرة الثانية من يوم 22 إلى يوم 24 من شهر نوفمبر عام 1989م، ثم إلياس الهراوي من عام 1989م حتى عام 1998م، ثم أميل لحود منذ عام 1998م حتى عام 2007م، وظل المنصب شاغرا لمدة عام، ثم تسلمه ميشال سليمان حتى عام 2014م وبعد ذلك ظل المنصب شاغرا لمدة ما يقرب من عامين، ثم تولى بعد ذلك ميشال عون حتى عوان 2022م، ثم عاد شاغرا مرة أخرى. أي خضع من تولي منصب الرئاسة في لبنان لكل أشكال وطرق تولي السلطة سواء انتخاب أو العزل بالقوة أو الاغتيال وظل المنصب بدون رئيس فترات متفاوتة.

أما السودان فقد حصل على استقلاله عام 1956م تحت نظام حكم مدني برئاسة إسماعيل الأزهري وأطاح به انقلاب عسكري برئاسة الجنرال إبراهيم عبود، وظل الحكم العسكري قائما حتى أطاحت به سلسلة من الإضرابات والمظاهرات أجبرت عبود على التنازل عن السلطة وتولى الصادق المهدي رئاسة الدولة وهي حالة فريدة أن تعود السلطة بالقوة من أيدي العسكريين إلى المدنيين، وفي 19 مايو عام 1969م أطاح انقلاب عسكري بقيادة جعفر النميري بالحكم المدني وأقام حكما عسكريا وقد ظل النميري في الحكم حتى عام 1985م عندما أطاح به عصيان مدني جعل الجيش بقيادة الجنرال سوار الذهب يتدخل وعزل النميري وأقيم حكما انتقاليا برئاسته لمدة سنة واحدة مكث فيها الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب في الحكم منذ عام 1985م حتى عام 1986م حيث سلم السلطة لحكومة مدنية، فقد أجريت انتخابات عامة جاءت بحزب الأمة برئاسة الصادق المهدي إلى الحكم بالائتلاف مع حزب الاتحاد، وفي عام 1987م خرج الاتحاد من الائتلاف ليحل مكانه حزب الجبهة الإسلامية القومية برئاسة حسن الترابي، وظل الصادق المهدي في الحكم منذ عام 1986م حتى عام 1989م وفي العام 1989م أطاح انقلاب عسكري بقيادة عمر البشير بحكومة الصادق المهدي، وعززت الحكومة العسكرية المتحالفة مع الحركة الإسلامية وجودها بانتخابات برلمانية ورئاسية، وفي عام 2001م حدث اختلاف بين البشير رئيس الجمهورية والترابي رئيس البرلمان ورئيس حزب المؤتمر الشعبي الحاكم أدى إلى تنحية الترابي عن المشاركة في الحكم، وظل البشير في الحكم حتى أطاحت به مظاهرات السودانيين عام 2019م، ثم تولى الحكم عبد الفتاح البرهان ولم يستقر بالحكم حتى نشب صراع بين القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان وبين قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، بالإضافة إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان منذ عام 2023م، أي خلال سلسلة من الانقلابات انتقلت السلطة في السودان من يد عسكريين إلى عسكريين أخر، وها هم حلفاء الأمس أعداء اليوم يتصارعون على تولي المنصب.

وموريتانيا حصلت على استقلالها عن الاحتلال الفرنسي في 28 نوفمبر 1960م وتولى السلطة فيها المختار ولد داده وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1978م إلى أن قاد الكولونيل المصطفى ولد محمد السالك انقلابا عسكريا ناجحا تولى من خلاله السلطة، وظل هو الآخر في الحكم منذ عام 1978م حتى عام 1979م وأجبر على الاستقالة، ومنذ عام 1979م حتى عام 1980م تولى السلطة محمد ولد لولي حيث أجبر على الاستقالة هو الآخر، واستلم السلطة الكولونيل محمد خونه ولد هيداله واستمر فيها منذ عام 1980م حتى 1984م وبعد أربعة أعوام استطاع الكولونيل معاوية ولد سيدي أحمد طايع القيام بانقلاب سياسي استولى به على الحكم، في عام 1992م أجريت أول انتخابات رئاسية فاز فيها معاوية ولد سيدي أحمد طايع، ثم فاز في انتخابات أخرى أجريت عام 1997م واستمر على رأس السلطة في الجمهورية الإسلامية الموريتانية حتى قام رئيس الأمن الوطني “علي ولد محمد فال” بانقلاب في عام 2005م، وتعهد بإعادة السلطة للمدنين بعد انتخاب رئيس بديل. وفي مايو 2007 دخلت موريتانيا حقبة جديدة، تنتقل فيها من حكم العسكريين الذين تولوا السلطة في انقلاب إلى الحكم المدني، حيث تسابق على كرسي الرئاسة الخبير الاقتصادي والوزير الأسبق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله “69 عاما”، المعارض البارز أحمد ولد داداه “64 عاما”، وقد حاز سيدي ولد الشيخ على نحو 53% من الأصوات في الجولة الثانية من الانتخابات، في تقدم لا يعد كبيراً على منافسه أحمد ولد داده والذي حاز على47%من الأصوات.وقد أثنت مجموعات وهيئات المراقبين الأجانب والعرب على سير عمليات التصويت، وكان لافتاً مسارعة الولايات المتحدة، عبر سفارتها في نواكشوط إلى إصدار بيان، نوهت فيه بالظروف الشفافة والمرضية التي جرت فيها الانتخابات الموريتانية، وقالت إن هذه الانتخابات تجعل من موريتانيا التي وصفتها بالبلد الصديق نموذجاً يحتذي في العالمين العربي والإفريقي، ثم عادت ريما لعادتها القديمة وقام محمد ولد عبد العزيز بانقلاب عسكري عام 2008م واستقال من المنصب ليرشح نفسه للانتخابات الرئاسية والتي فاز فيها وظل في الحكم حتى عام 2019م، ثم محمد ولد الغزواني حتى يومنا هذا، سلسلة من الانقلابات بين العسكريين الذين لم يرضخوا لحكم رئيس مدني منتخب من قبل الشعب في انتخابات معترف بها دوليا.

والصومال نالت استقلالها عام 1960م تحت اسم دولة الصومال، وفي العام 1969م اتحد الصومال الإيطالي والصومال البريطاني تحت اسم الجمهورية الصومالية الديمقراطية، وغير الاسم في عام 1991م إلى جمهورية الصومال0 وقد حكم الصومال عبد الله عثمان دار منذ عام 1960م حتى عام 1967م، ثم عبد الرشيد على شرماكيه منذ عام 1967م حتى عام 1969م، ثم شيخ مختار محمد حسين بالوكالة في الفترة ما بين شهر يونيو إلى شهر أكتوبر من عام 1969م، ثم محمد سياد بري منذ عام 1969م حتى عام 1991م، وفي الفترة منذ عام 1991م حتى عام 2000م حدث غياب للسلطة، ثم تولى الحكم عبدي قاسم صلاد حسن منذ 2000م، ثم عبد الله يوسف أحمد حتى 2008م، ثم آدم محمد نور حتى 2009م، ثم شريف شيخ أحمد حتى 2012م، وفي عام 2012م ولعدة أيام تولى المنصب كلا من موسى حسن شيخ ثم محمد عثمان الجوازي، وفي نفس العام تولى حسن شيخ محمود حتى عام 2017م ثم محمد عبد الله حتى عام 2022م ليعود حسن شيخ محمود لذات المنصب ويظل به حتى يومنا هذا، وثمة واضحة في انتخابات الرئاسية الصومالية هي لم تجري انتخابات مباشرة إلا مرة واحدة عام 1969م أعقبها انقلاب عسكري بقيادة محمد سياد بري، والانتخابات بعد ذلك بطريق غير مباشر وباستخدام أساليب غير نزيهة.

وجيبوتي حصلت على استقلالها في يونيو عام 1977م وانتخب حسن غوليدا رئيسا للجمهورية وظل في الحكم حتى عام 1999م حيث قرر عدم خوض انتخابات الرئاسة التي جرت مما أتاح لمدير الديوان الرئاسي إسماعيل عمر جيله للفوز فيها ليصبح الرئيس الثاني والحالي للبلاد منذ الاستقلال0

وجزر القمر فمنذ استقلالها عام 1975م وهي تعيش حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي وشهدت خلال السنوات القليلة الماضية العديد من الانقلابات العسكرية ولا تزال تعاني من الفوضى والنزاعات الانفصالية حتى الآن0 فقد حكم جزر القمر على صويلح منذ عام 1975م حتى عام 1978م واغتيل، ثم أحمد عبد الله منذ عام 1978م حتى عام 1989م واغتيل هو الآخر، ثم محمد جوهر منذ عام 1989م حتى عام 1995م وحدث ضده انقلاب عسكري، ثم بوب دينارد “مرتزق فرنسي” منذ عام 1995م حتى عام 1996م ثم عزلته فرنسا بالقوة بعد أن قبضت عليه، ثم تقي عبد الكريم منذ عام 1996م حتى عام 1998م، ونستطيع القول إنه منذ عام 1999م حتى يومنا هذا تقلد غزالي عثمان مقاليد الحكم في جزر القمر حتى يومنا هذا في فترات متقطعة تخللها من 2006م حتى 2011م أحمد سامبي ومن 2011إلى 2016 إكليل ظنين وبعض الأشخاص لأيام معدودة ليعود غزالي عثمان لمقعدة مرة رابعة.

مما سبق نستخلص إنه: عندما خرجت شعوب دول العالم الثالث من جحيم الحكم الأجنبي المستبد وجدوا أنفسهم وقد وقعوا في براثن استعمار جديد، استعمار ليس له الوجه الأبيض أو الأشقر ولا العيون الزرقاء ولا الشعر الأصفر، وإنما يحمل بشرة من لون بشرتنا ويتكلم لغاتنا ويتسمى بأسمائنا ويعتقد عقيدتنا، إنما هو استعمار محلي، وأن هذا المستعمر أو المحتل بكل ما تحمله الكلمة من معنى ومضمون والذي بزغ فور أفول الاستعمار الأجنبي مازال رابض على أنفسنا ومازلنا خاضعين له، ومظاهر وقوعنا تحت سيطرته كثيرة ومتعددة لا يتسع المجال لحصرها، وإذا كان المستعمر الأجنبي مكث محتلا للبلاد عشرات السنين رغم مقاومة الشعوب له تارة باسم الدين وتارة باسم الوطنية، فماذا عن المستعمر المحلي وهو المرضي عنه من بعض فئات الشعب، بل في كل من الدين والوطنية يستغلهما في تبرير سطوته وسلطته على الشعب فيا ترى كم سيمكث؟. مع الوضع في الاعتبار أن المواطن العادي لا يهتم كثيرا بنوع النظام الذي تتخذه الدولة التي يعيش في كنفها بقدر ما يهتم بالامتيازات التي تعود عليه من جراء هذا النظم أو غيره.

وهل كان من شروط رحيل المستعمر عن البلاد تولي الجيوش مقاليد الأمور وأبعاد أي تيار إسلامي أو حتى تيار مدني عنها؟ وأخيرا ستظل ثورات الشعوب في كل وقت وحين هي الاستفتاء الشعبي الوحيد الصادق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.