عظمة القرآن من خلال عظمة ليلة القدر في سورة القدر |سلسة خطبة الجمعة
الشيخ بنسالم باهشام
عظمة القرآن من خلال عظمة ليلة القدر في سورة القدر |سلسة خطبة الجمعة
الشيخ بنسالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا
عباد الله، عند النظر في الآيات القرآنية، نجد أن الله تعالى في القرآن الكريم قد تحدث عن اختياره لليلة بعينها من بين السنة كلها لكي تحمل حدثاً عظيماً، هذه الليلة هي التي قال تعالى عنها في سورة الدخان: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾،[سورة الدخان، الآية 3]، وهي التي أرادها سبحانه بالقول في سورة القدر: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
عباد الله، هذه الليلة نزل فيها أشرف وأعظم كتاب، وهو كلام الخالق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ( في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السَّنَة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها إلى آخرها)، [تفسير القرآن العظيم،لابن كثير 4/173.]، (وأنه أنزل القرآن ليلة القدر وهي الليلة المباركة). [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير 4/529.]، ولقد أضاف النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الليلة مكانة جديدة عندما حث العابدين بأن يقوموها بالعبادة والطاعة والتسبيح والاستغفار، ليزيدها بذلك علوا ورفعة يليق بها، بقوله صلى الله عليه وسلم فيمل رواه البخاري في صحيحه: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). [صحيح البخاري1/ 21ح35.].
عباد الله، لقد شاءت إرادة الحكيم جل وعلا؛ أن تدور ليلة القدر على كل أيام السنة الشمسية، إذ لو أخذنا اختلاف السنة القمرية عن السنة الشمسية، لوجدنا أن ليلة القدر جاءت في كل يوم من أيام السنة، فرمضان يأتي تارة في الربيع، وتارة في الخريف، وأخرى في الصيف، وأخرى في الشتاء، أي أنه يدور في العام كله، فما من شهر من شهور السنة الشمسية، إلا وتشرف برمضان، أو جزءاً من رمضان، ومع طول الزمن نجد أن ليلة القدر هي الأخرى قد مرت في العام كله، وفي كل يوم من أيامه، لتشمل الزمن كله. فالزمن كله تشرف بهذه الليلة العظيمة والمباركة.
عباد الله، إن السر في اختيار الليل لهذا الحدث العظيم الذي هو نزول القرآن الكريم، هو أن هذا الوقت تكون فيه العبادة لله وحده فيه صفاء وهدوء، وفيه صدق التعبير، فالذي يرائي بعبادة الله، لا يمكن أن يقوم الليل، والذي يريد أن يقال عنه: إنه رجل صالح رياءً ونفاقاً، لا يمكن أن يقوم الليل، ولكن الذي يقوم الليل هو الخاشع لله سبحانه وتعالى، المؤمن به، وهذا هو السر في اختيار الليل على النار. [من كتاب معجزة القرآن لمحمد متولي الشعراوي، بتصرف].
عباد الله، اقرؤوا سورة القدر، وتدبروها، فهي خمس آيات فقط، بعدد الليالي التي تُرجى فيها ليلة القدر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: “نطلبها في الوتر من العشر الأواخر”، وهي خمس ليالي: (21 – 23 – 25 – 27 – 29)، فهي خمس آيات، إذن فليلة القدر هي خمس آيات بعدد الليالي التي تُرجى أو تلتمس فيها ليلة القدر. و(ليلة القدر) تسعة أحرف؛ تكررت ثلاث مرات في هذه السورة،﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، والمجموع 27 حرفاً، فلعلّها أرجى ليلة، وهي ليلة الـ 27. وفي سورة القدر كلها ثلاثين كلمة بعدد أيام الشهر، وقوله تعالى في الآية الخامسة والأخيرة: ﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ “5”﴾، فيها كلمة: ﴿هيَ﴾ هي الكلمة الـ 27 من الثلاثين كلمة، ولعلها إشارة إلى أنها تُرجى في هذه الليلة، الليلة السابعة والعشرين. وهذه كلها آراء واجتهادات لا يثبت فيها حكم، وإنما هي من باب إيجاد مناسبات وتناسب، ومجرد ملاحظات.
عباد الله، إن ربنا جل وعلا عظّم هذه الليلة تعظيماً كبيراً، فسماها ” ليلة القدر”، وأنزل في شأنها سورة كاملة سماها باسمها، وهي سورة القدر، ورغم قصر هذه السورة والتي لا تتجاوز خمس آيات، نلاحظ أنه سبحانه وتعالى جمع فيها أكثر من 12 إلى 14 تعظيماً. فمن تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة استخدام ضمير التعظيم المؤكد فقال تعالى: : ﴿ إنّا﴾ و: ﴿ أنزلنا﴾، ولم يقل: (إني) و(أنزلت)، ودلالة استخدام صيغة الجمع في القرآن مثل ﴿ أنزلنا﴾، وغيرها مما ورد في القرآن، أن القرآن الكريم استعمل صيغة الجمع فقال مثلا في سورة الكهف: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾، [سورة الكهف الآية 11.]، واستعمل صيغة الإفراد فقال سبحانه في سورة المدثر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً* وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ﴾، [سورة المدثر،11 – 14]، وفي صيغة الجمع يؤتى بما يسمى ضمير التعظيم، ويستعمل إذا كان المقام مقام تعظيم وتكثير، ويستعمل الإفراد إذا كان المقام مقام توحيد، أو مقام آخر كالعقوبة المنفردة. ومن تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، ذكر الهاء في ﴿ أنزلنا﴾، فلم يقل سبحانه: “إنا أنزلنا القرآن”، وذلك لأن القرآن معلوم معروف؛ وأحياناً الأمر عندما يكون من الظهور بمكان لا يحتاج إلى أن يذكر، وهذا يدل على وضوحه وظهوره ، لأنه معلوم لدى المخاطَب والسامعين، ولظهوره لا يحتاج السؤال عنه، مثل قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ﴾، [سورة فاطر الآية 45.]، لم يذكر الله في الآية الأرض لوضوحها، وهذا لشدة الظهور والوضوح، والقرآن عظيم بيّن لا يحتاج إلى ذكر، فهذا دلالة على عظمة القرآن بظهوره ووضوحه، فقال سبحانه: ﴿إنا أنزلناه﴾، ومن عادة القرآن أنه إذا ذكر ضمير التعظيم؛ لا بد أن يذكر قبله أو بعده ما يدل على أنه سبحانه واحد لا شريك له، لهذا قال: ﴿بإذن ربهم﴾ حتى لا يكون في النفس شائبة شرك، ولا تجد في القرآن الكريم مطلقاً ضمير التعظيم إلا إذا كان قبله أو بعده ما يدل على أنه سبحانه واحد. ليزيل أي شك من شائبة الشرك، لأن من نزل عليهم القرآن كانوا عريقين في الشرك، مثال ذلك قوله تعالى في سورة الكوثر: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ “1” فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ “2”﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ “1” وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ “2” لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ “3” تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ “4”﴾ فضمير التعظيم لا يمكن أن يستمر إلى نهاية الآيات، فلا بد من وجود شيء يدل على الإفراد .
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، وصف اللَيْلَةِ بالْقَدْرِ، والقدر قد يكون من أشهر معانيها: الشرف والمكانة، ولم يقل سبحانه وتعالى: شديد القدر، وإنما قال: ليلة القدر، لتكون الليلة كلها ليلة الشرف، وفرق أن تكون الليلة شريفة أو هي ذات مكان أو ذات قدر، أو أن تقول: هي القدر نفسه، هي الشرف نفسه، إذن هي ليلة القدر. والليلة تبدأ من المغرب حتى طلوع الفجر، والأمر الآخر أن القدر له دلالة أخرى، فكلمة القدر لها دلالتان: الدلالة الأولى: أن ليلة القدر هي ليلة الشرف والمكانة، والدلالة الثانية: هي تقديرات الأمور. فالتقديرات التي يقدّرها ربنا في العام كله تكون في هذه الليلة، فهي قدْر كذلك، كما قال تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان الآية 4.]، ففي هذه الليلة تقدر كل تقديرات العام. إذن هي ليلة الشرف والمكانة، وليلة تقديرات ما يحصل في العام كله، فهي ليلة عظيمة ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، والقدر مصدر، قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [سورة الأنعام من الآية 91.]، أي مكانته. إذن لو قالت الآية: ليلة الشرف والمكان، سيكون لها معنى واحدا. أما ليلة القدر فتجمع الأمرين معا، ولما قال سبحانه: هي خير من ألف شهر، معناها هي ليلة الشرف والمكانة والمنزلة، فهذا يدل على عظمة المنزلة، ولما قال سبحانه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، إذن فيها تقديرات، إذن جاء سبحانه وتعالى بكلمة تدل على المعنيين وهما مرادان، فهي ليلة الشرف ومن شرفها وعظمتها وجليل قدرها أنها يفرق فيها كل أمر حكيم. فلو قال: ليلة الشرف أو المكانة أو المنزلة لما دلت على هذين المعنيين، وإنما قال سبحانه : ليلة القدر ليجمع هذين المعنيين الشريفين العظيمين.
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، قوله سبحانه: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، ما أدراك، يعني ما أعلمك، وتقال في الأمور العظيمة، في الأمر الذي يراد به التفخيم والتعظيم تحديداً، يقال: ما أدراك، وليس على أمر سهل هين، يعني لم تبلغ دراية علمك بهذا الأمر، ولم تعلم علو قدرها، ولم تعلم علو مكانتها، فالعلم بها خارج عن علوم الناس، وعن دائرة معارف الناس ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، إذن كل ما أدراك تريد أن تفخم أي أمر، وتعظمه، سواء في العذاب أو العقاب يوم القيامة أو غيره، كقوله تعالى في سورة القارعة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، وكقوله تعالى في سورة القارعة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ “9” وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ “10” نَارٌ حَامِيَةٌ “11”﴾، تفخيم وتعظيم، بمعنى ما أعلمك على سبيل الاستفهام أنه من باب التعظيم. والقرآن كذلك لا يستخدم الماضي فقط في ﴿وَمَا أَدْرَاكَ ﴾، بل يستعمل كذلك المضارع فيقول: (وما يدريك)، وكل استعمال قرآني ل(ما أدراك)، يجيب عنه سبحانه وتعالى، وكل استعمال قرآني ل(ما يدريك) لا يجيب عنه سبحانه وتعالى، وهذه قاعدة في القرآن كله، ذكرها القدامى رحمهم الله. مثال ذلك، قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ “1” وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ “2” لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ “3”﴾، وقال سبحانه في سورة الطارق: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ “1” وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ “2” النَّجْمُ الثَّاقِبُ “3”﴾، أما المثال الثاني ففي مثل قوله تعالى في سورة عبس: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى “3” أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى “4”﴾، فلم يجب سبحانه في كل ما يدريك ، وفي كل ما أدراك أجاب سبحانه وتعالى، وفي هذا دلالة على أنه تعبير مقصود، وقوانين موضوعة في القرآن الكريم في التعبير. فأدراك فعل ماضي ويدريك فعل مضارع، أدراك، أجاب عن الماضي، ولم يجب عن المضارع الذي يكون للاستقبال أو الامتداد.
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، تكرير ليلة القدر في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ “1” وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، وعندنا قاعدة ، وهي أن الاسم الظاهر أقوى وآكد من الضمير، فنلاحظ أن تكرار ليلة القدر يفيد توكيدها وتعظيمها، مثال لم يرد فيه التكرار، قوله تعالى في سورة القارعة: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ “9” وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ “10”﴾، لم يقل سبحانه: ” وما أدراك ما الهاوية”، وإنما اكتفى بذكر الضمير فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ “10”﴾، وأجاب سبحانه فقال: ﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ “11”﴾، وفي سورة الهمزة لما ذكر سبحانه الحطمة كررها للتعظيم فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ “5”﴾، ثم أضاف إليه ﴿ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ “6” الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ “7”﴾، وعند المقارنة من خلال التعبير القرآني نقول: أيهما الأعظم والأفخم “نار حامية” أو “نار الله الموقدة” ؟ فيكون الجواب “نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة”. لأنه سبحانه وتعالى قال فيها: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ “5”﴾، ولم يقل: “وما أدراك ما هي” ، فلما جاء بالضمير، اختزل في الكلام، ولما ذكر الاسم الظاهر فخم وعظم وجاء بما هو أبلغ.
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، تثليث ذكر ليلة القدر في قوله تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ﴾، ذكر سبحانه وتعالى ليلة القدر مرة ثالثة ثم ذكر فضلها. وهذا التعبير لم يرد في القرآن كله نظيره مطلقاً، يكرر مرتين لكن لا يذكر ثلاث مرات، مثال ذلك، قوله سبحانه وتعالى في سورة الطارق: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ “1” وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ “2” النَّجْمُ الثَّاقِبُ “3”﴾، لم يقل سبحانه : “الطارق النجم الثاقب”، وقوله سبحانه وتعالى في سورة الهمزة: ﴿ وما أدراك ما الحطمة﴾، لم يقل سبحانه: “الحطمة نار الله الموقدة”، وهكذا القرآن كله، ليس فيه إعادة الكلمة ثلاث مرات إلا في هذه الليلة العظيمة، وفي هذه السورة الكريمة، هنا قال سبحانه مرة ثالثة: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ “3”﴾، وكان بالإمكان أن يقول: ” وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، خير من ألف شهر”. فذكر ليلة القدر للمرة الثالثة للزيادة في تفخيمها وتعظيمها، لأن الذي أُنزل فيها هو كلامه سبحانه وتعالى، وهو أعلى من كل شيء، أعلى من الطارق الذي لا يقاس بهذه الليلة التي أنزل الله فيها القرآن الكريم، ومن هذا نستشف عظمة هذا القرآن الكريم، ولم يرد في القرآن كله غير هذا التعبير: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ “1” وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ “2” لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ “3”﴾، بهذا التعبير ندرك عظمة وعلو مكانة هذه الليلة عند الله سبحانه وتعالى.
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، قوله سبحانه: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ومعلوم أن الله تعالى لا يخاطب العرب وقت نزول القرآن بما لا يعلمون، وكانوا لا يعرفون أكثر من الألف، روى الترمذي وقال: حديث غريب، وصححه الحاكم وقال على شرط الشيخين، والمنذري، قال في الترغيب: وإسناده متصل حسن ورواته ثقات أثبات، عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة). ولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم مليون، ولما تحدثوا عن ثروة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قالوا:عنده ألف ألف من الإبل، ولم يقولوا مليون، وكان عنده من الغنم ألفي ألف، أي أن ليلة واحدة هي أكثر وخير من كل عدد وصلت البشرية إلى عده، إذ الطاعة فيها خير من الأعداد التي عرفتها البشرية في زمانها، ولا يقتصر الأمر على مجرد 83 عاماً كما يعتقد البعض، وهذا يدل على تعظيمها، والمقصود الأعداد من الدنيا، فليلة واحدة، الطاعة فيها خير من هذه الأعداد كلها وليس مثلها. هكذا هي ليلة القدر.
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، ولتتميز عن سائر الليالي قال سبحانه وتعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ولم يقل تتنزل، لتفيد أن نزول الملائكة كان في هذه الليلة فقط لعظمها ومكانتها عند الله، وليس في سائر الليالي الأخرى، ولما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين استمرار نزول الملائكة على الذين استقاموا على طريق الهدى زاد تاء أخرى فقال تتنزل، وذلك في قوله سبحانه في سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾، [سورة فصلت الآية 30]، هذا وفق قانون تعبيري في القرآن الكريم، وهو أنه يقتطع من الفعل إذا كان الحدث أقل، وإذا كان الحدث أطول يعطي الفعل درجته كاملة. فالملائكة هنا تتنزل ليلة واحدة، وهي ليلة القدر، بينما في قوله تعالى في سورة فصلت:﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، فالملائكة تتنزل كل لحظة عند الموت، وعند الاحتضار، وفي كل لحظة على مدار السنة. ومن حيث اللغة، فإن الفعل المضارع الذي يبدأ بتاءين لك أن تحذف إحداهما، والدلالة واحدة، وما يزاد هو قيمة بلاغية مضافة للآية القرآنية، حتى نفهم شيئاً معيناً تقوله الآية.
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، تنزل الروح، والروح على الأرجح جبريل عليه السلام. ﴿فيها﴾، أي في ليلة القدر.
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، استئذان الملائكة والروح ربهم في النزول، قال تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، والمقصود ب(بإذن ربهم)، قيل: الملائكة يشتاقون لرؤية المؤمنين في الأرض، فيستأذنون ربهم لزيارة أهل الأرض والسلام على المؤمنين، فيأذن الله لهم فيتنزّلون ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾.
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، استغراق جميع الأمور من كل أمر وليس من أمر واحد بل عموم الأمور، وليلة كلها سلام، والسلام المقصود في الآية يراد به: التحية (السلام عليكم)، والأمان والسلامة. ووضع السلام في هذه الآية هذا الموضع ليحتمل تعلقه بالأمر وبالليلة، لهذا قدّم السلام، فلو قال سبحانه: هي سلام، فسيكون أمر واحد. إما سلام من كل أمر، أو من كل أمر سلام. ولما جاءت بهذه الصيغة فالمعنيان مرادان، لأن الله تعالى لا يقدر في هذه الليلة إلا الخير، إلا ما فيها السلامة، وفي غيرها يقدر سبحانه ما شاء. ﴿ من كُلِّ أَمْرٍ﴾، معناها من أجل كل أمر، لأن ﴿من﴾، تفيد التعليل أحياناً، كما في قوله تعالى في سورة نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾، [سورة نوح الآية 25.]، و﴿من﴾، فيها تعليل، لا تقتصر على كونها حرف جر، وإنما لها معاني دلالية أخرى، إذن هي هنا تعليلية، أي من أجل كل أمر. سلام من كل أمر، أو من أجل كل أمر، ثم إن الآيات تحتمل “هي حتى مطلع الفجر” و”سلام هي حتى مطلع الفجر” تحتملها كلها. كما تحتمل “سلام من كل أمر” و “من كل أمر سلام” ، و”سلام هي حتى مطلع الفجر” و”هي حتى مطلع الفجر”، فالآيات تحتمل كل هذه المعاني. ف(سلام هي) هذا التقديم جمع المعاني كلها عندما قدمت كلمة سلام على (هي) لجمع المعاني كلها، ولو قيل: هي سلام لم تجمع هذه المعاني. فكل المعاني مطلوبة، وكلها مرادة وكلها صحيحة. “هي سلام من كل أمر” و”سلام هي حتى مطلع الفجر” و”هي حتى مطلع الفجر”. في جملة واحدة أشياء عديدة كلها صحيحة مطلوبة، ولو قدّم أو أخّر تنتفي ويصير معنى واحدا لو قال تعالى: “هي سلام”، بدل من “سلام هي”. إضافة إلى أن الصيغة القرآنية فيها من القصر والاهتمام لما قدّم السلام، وأهمية السلام، وهذا يتسق مع المقصد العام للسورة وشأن السورة، وقدرها عند الله تعالى.
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، استغراق الليل كله﴿ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، لم يقل الله تعالى: سلام حتى آخرها، وإنما قال: ﴿حتى مطلع الفجر﴾، والفجر ليس من الليل، الفجر بداية الصبح. وحتى بمعنى الغاية هنا، أي لغاية مطلع الفجر، إذن لم يبق شيء من الليل، ومطلع الليل ليس من الليل، وإنما هو متصل به، وهو من الصبح، فقال: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، يعني استغرق الليل كله ولم يبق فيه لحظة واحدة. ثم نلاحظ قوله سبحانه: ﴿ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، ﴿ سَلامٌ هِيَ﴾، تعبير مجازي أصلاً (هي) للزمن أي الليلة، وسلام حدث، والمبتدأ والخبر يجب أن يكونا من جنس واحد، فهذه مبالغة، يعني هذه الليلة كلها تحولت إلى سلام، ليس فيها سلام، ولا سلام فيها، وإنما سلام هي ، وهذا إخبار بالحدث (سلام) عن الزمن (الذي هو الليلة).
عباد الله، من تعظيمه سبحانه لهذه الليلة في السورة، تقدير الخير فقط “حتى مطلع الفجر” ، (حتى) حرف، قد تكون حرف جر، أو حرف ابتداء. فماذا نفهم من﴿ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾؟ قالوا: ربنا في هذه الليلة لا يقدّر إلا الخير والسلام فقط حتى مطلع الفجر، أما بقية الليالي فيقدّر فيها ما يشاء من الخير والشر. وقسم قال: إن الله تعالى قال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، قالوا: هؤلاء يسلّمون على المؤمنين في هذه الليلة ثم ينتهي هذا إلى مطلع الفجر. فإذن هي سلام من كثرة ما تسلِّم الملائكة على المسلمين والمؤمنين، وهي سلام حتى مطلع الفجر، أي إشاعة السلام فيها، أي أن الملائكة تحيي المسلمين في هذه الليلة، إذن سلام هي. لها معنيين أن الله تعالى يقدّر فيها الخير ولا يقدّر فيها البلاء حتى مطلع الفجر، أما في سائر الليالي يقدّر السلام والبلاء. والأمر الآخر في قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، يسلّمون على المسلمين فيشيعون السلام. فكل ما ذكر في السورة هو تعظيمات لليلة القدر التي تشرفت بنزول القرآن العظيم فيها، وهي تستحق كل هذا. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.