شعيرة صلاة الجمعة زمن وباء كورونا بين قرار المنع والاختيارات الفقهية البديلة
إدريس العلمي
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
تعد شعيرة صلاة الجمعة من الشعائر التعبدية المعتبرة في ديننا الحنيف، وقد سميت سورة من الذكر الحكيم باسمها، حيث قال فيها سبحانه وتعالى:”ياأ يُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون”[1] وتعد صلاة الجمعة فرضا مستقلا، وليست بلا عن الظهر، وإن كان وقتها وقت ظهر، وأجمع الفقهاء على وجوبها مصداقا لجملة من النصوص الواردة في الموضوع كالحديث الذي رواه
أبو داوود عن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “صلاة الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة إلا على أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض”
ولأهميتها قيدها الفقهاء بشروط وآداب حتى تصح إقامتها، فاشترطوا لها شروط وجوب وصحة، اختلفت المذاهب الفقهية في حصرها، ووضعوا لها سننا وآدابا تعظيما لها وليومها المشهود.
وعلى إثر ما حل بالعالم من تفشي وباء كرونا نسأل الله تعالى أن يرفع هذا البلاء عن المسلمين والناس أجمعين، فقد صدرت قرارات تستند إلى فتاوى تمنع الناس من ارتياد بيوت الله تعالى في الصلوات الخمس وفي شعيرة صلاة الجمعة، حفظا للأنفس أن يلحقها الأذى بانتقال العدوى وتفشي الوباء.
وتعد أبرز الفتاوى التي أفتت بالمنع المؤقت للصلوات الخمس والجمعة في المساجد ما صدر عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ما نصه من خلال الموقع الخاص به” يدعو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين كافة المسلمين إلى إيقاف إقامة صلاة الجمعة وصلوات الجماعة، في أي بلد بدأ فيه تفشي الوباء، وأصبح يشكل مصدر خوف حقيقي، بناء على التقارير الطبية الموثوقة المعتمدة من الدولة. ويستمر هذا الإيقاف إلى حين السيطرة على الوباء وتجاوز مرحلة الانتشار والخطر، حسبما تقدره الجهات العليمة المختصة”.
وقد تبع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في فتواه عدد من المجمعات الفقهية وهيئات الإفتاء في مختلف دول العالم، وقد استندوا في فتواهم إلى جملة من الأدلة نذكرها اختصارا:
-1. في قوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[سورة البقرة الآية 195]، الذي ينهى عن تعريض النفوس إلى ما فيه هلاكها، بلا ضرورة ملجئة، ويأمر بعكس ذلك، وهو الإحسان الذي يحبه الله ويرضاه لعباده.
- -وفي قوله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا ضرر ولا ضرار” رواه مالك في الموطأ وابن ماجة في سننه وهو نهي عام عن التسبب في أي ضرر للنفس أو للغير.
- وفي قوله أيضا، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أكل من هذه الشجرةَ – يعني الثوم – فلا يقربنَّ مسجدنا“، ليخلص من هذه الأدلة وغيرها إلى أن إقامة صلوات الجماعة والجمعة، في ظل الاحتمال الفعلي والجدي للمخاطر المشار إليها، لا يلزم شرعا، ولا يجوز.
وإزاء هذه الفتوى التي منعت إقامة شعيرة صلاة الجمعة في المساجد حفظا للأنفس من الهلاك، برزت مجموعة من الآراء تسعى للجمع بين النصوص تحقيقا للمقصدين معا،حفظ الأنفس من الضياع والإبقاء على شعيرة الجمعة حاضرة وسط الناس يستشفع بها إلى الباري تعالى لدفع البلاء ورفع الوباء ويمكن إجمال هذه الاختيارات الفقهية البديلة في الآتي:
الاختيار الفقهي البديل الأول: إقامة صلاة الجمعة بالمساجد مع التقيد الصارم للشروط الوقائية الصحية الاحترازية.
إن الجمع بين النصوص أولى من إهمالها كما قرر الأصوليون، وتحقيقا لعدم إيقاف شعيرة الجمعة في المساجد استمطارا لرحمة الله في بيوته سبحانه وتعالى ودفعا للبلاء النازل، فإنه على غرار توافد الناس لقضاء أغراضهم الضرورية في أماكن أخرى كالأبناك وبعض المؤسسات مع أخذ الاحتياطات اللازمة، فإن مساجد الله ليست بمعزل عن ذلك، فلا يمنع من أن تؤدى الجمع في المساجد مع الشروط الاحترازية الوقائية الصحية إن تحمل المسلمون مسؤوليتهم بوعيهم خطورة الوضع في الأخذ بها بقوة وحزم، ويمكن حصرها في الآتي:
1-المنع الكلي للمصافحة والتماس بين المصلين؛
2-أخذ مسافة الأمان بمتر على الأقل بين المصلين، فالضرورة تقتضي عدم التقيد برص الصفوف؛
3-وضع الكمامات الواقية؛
4-وضع مطهرات ومعقمات اليدين في أبواب المساجد؛
5-عدم استعمال المرافق الصحية للمسجد من وضوء وغيرها؛
6- المنع الكلي لإدخال الأحذية داخل المساجد.
وقد طبقت هذه الضوابط دولة أندونيسيا في صلاتها للجمعة بالمساجد زمن كورونا.
الاختيار الفقهي البديل الثاني: إقامة صلاة الجمعة بثلاثة رجال.
إن هذا الاختيار في حصر العدد الذي تنعقد به الجمعة في ثلاثة وإن كان مرجوحا، إلا أن الصيرورة إليه في حالة الضرورة أولى من إهماله فقد ذهب بعض الفقهاء هذا المذهب ومنه ما أورده ابن قدامة المقدسي في كتابه المغني قوله:”وعن أحمد انها تنعقد بثلاثة، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور لأنه يتناول اسم الجمع فانعقدت به الجماعة كالأربعين ولأن الله تعالى قال”إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله” وهذه صيغة الجمع فيدخل فيه الثلاثة”[2]،
وعليه فيمكن إقامة صلاة الجمعة في المسجد، وتسميع جيران المسجد الخطبة عبر مكبرات الصوت، والتقيد بالضوابط الآتية:
1-تعقد الجمعة بالامام الخطيب والمؤذن ومنظف المسجد او ما يقوم مقامه؛
2-ترك الأحذية خارج المسجد؛
3-غلق باب المسجد بعد دخول الثلاثة؛
4-عدم استعمال المرافق الصحية للمسجد؛
5-عدم المصافحة أو التماس بين المصلين واستعمال الكمامات وتعقيم اليدين قبل دخول المسجد؛
6-ترك مسافة الأمان بين المصلين بمتر على الأقل.
الاختيار الفقهي البديل الثالث: إقامة صلاة الجمعة في المساكن بعدد لا يقل عن ثلاثة رجال.
مستند هذا الاختيار ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داوود وابن ماجة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعبا كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له إذا سمعت النداء ترحمت على أسعد قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات، قلت له كم كنتم يومئذ قال أربعون”[3]، والنقيع كما فصله ابن قدامة تعليقا على هذا الحديث هو بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، فإذا نضب الماء نبت الكلأ[4]
إن محل اجتماعهم كما ورد في الحديث ليس بمسجد، أما العدد فمردود بروايات عديدة لا يتسع المجال لإيرادها، ولنا أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل لثلاثة نفر يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم” رواه أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو[5].
والحديث في سياق العموم يفيد عقد الجماعة بالثلاثة نفر وشعيرة الجمعة منها حيث لا مخصص لهذا النص، فصح عقدها بثلاثة نفر وفي غير المسجد.
وخلاصة القول: إن القول بإلزامية قول واحد في النازلة التي نعيشها تحجير على ذوي العقول السليمة، فالمسلمون في سعة من أمرهم وكل رأي من الآراء السالفة الذكر سواء بمنع إقامة شعيرة الجمعة أو إتيانها بضوابطها له سهم من الصواب، والله أعلم.
[1] -سورة الجمعة ألآية 9
[2] -بن قدامة المقدسي، المغني الكبير، دار الفكر، ط الأولى بيروت 1984،ج2 ص 172
،الحديث حسن الاسناد صحيح،ج3ص 177 المحدث البيهقي -السنن الكبرى للبيهقي[3]
[4] – بن قدامة المقدسي، المغني الكبير، دار الفكر، ط الأولى بيروت 1984،ج2 ص 177
[5] أخرجه ابن وهب في الموطأ رقم/418