الصورة المتشظية
د. خالد العسري
– لا أدري لماذا يتسرع المرء ليشكل فكرته النهائية حول ما يقع في سوريا
– ومستقبلها مع أنه ليس مطلوب منه ذلك، والعجب أن رأيه يصبح له فرقانا من خلاله يُحدث التمايز بين الأذكياء أمثاله الذي عرف مسبقا بكل خيوط اللعبة، والأغبياء غيره الذين يتوقفون عند قراءة السطور دون الغوص فيما وراءها.
– الدول التي تحترم نفسها تشكل قراراتها ومواقفها بروية، لذلك سارعت الكثير منها إلى التأكيد أنها تراقب الوضع، أما موقفها فمؤجل إلى حين استكمال الصورة، مع العلم أن الدول لا تبني قراراتها على تخمينات، بل تبنيها على معلومات تجمعها من مختلف المؤسسات، وتستكملها بعمل المخابرات والعملاء، مع تبادل هذه المعلومات والوثائق مع شبكة العلاقات.
– نفس الأمر يتخذه الخبراء المتابعون الذين يحترمون أنفسهم، فليس من خلال الإعلام سيستكملون صورة وضع سوري هو في حالة سيولة مثيرة منذ أكثر من عقد من الزمن، لذلك لا يغامر أهل الخبرة بادعاء معرفة يقينية، وأفضل ما يقدموه هو الرؤى والسيناريوهات الممكنة المفتوحة حتى يساعدوا المستمع على الفهم فهو السابق، أما اتخاذ الموقف فهو اللاحق.
– أصحاب الإيديولوجيات تجدهم من أولئك الذين يضعون العربة أمام الحصان، فيتبنون الموقف ثم يبحثون بعد ذلك عن ما يدعمه، ولذلك قال كارل ماركس أن وظيفة الإيديولوجيا هي قلب الصورة، واعتبرها بول ريكور وسيلة من وسائل تشويه الواقع.
– لذلك، على المرء أن يهون على نفسه ويتريث، ويتعلم كيف يستجمع شظايا الصورة ويتابع الرؤى المغايرة، ويكون موقفه بعدها نتيجة لا مقدمة، لا سيما مع الوضع السوري الذي يعج بالمعادلات التي تبدو متناقضة إلا أن يصل المرء إلى الخوارزمية التي تنزع عنها هذا التناقض.
– وقد كانت النية في هذه التدوينة عرض مثل هذه المعادلات الجامعة للتناقضات التي كلما تبنيت موقفا من مقدمة أولى نسفته مقدمة ثانية، ولكن وجدتُني قد أطلت فيما ظننته قد ينفع في تعليم الشباب والشابات حكمة التريث وعدم استباق النتائج.
– وأما ما ينبغي أن يرسخ في الذهن، فهو أن تكون معاييرك في الحكم على المسار السوري قيم واستراتيجيات تتمثلها الثورة أو تزيغ عنها، مع علمك أن تصريفها يحتاج لجهود وتوفيق من الله عز وجل أولا وأخيرا.
– ومن هذه القيم والاسترتيجيات التي أوردها في الحالة السورية على عجل:
-استقلالية القرار السوري، وحمايته من التدخلات الخارجية،
– العفو يبني المستقبل، والانتقام يعتقل الناس في أسر التاريخ. ولكن إن زاد العفو عن حده ضاعت دماء آلاف الشهداء سدى، وإن زاد الانتقام عن حده تكاد لا تتوقف عجلة الدماء والرعب.
– الحفاظ على وحدة الأرض السورية، وعدم التفريط في أي شبر منها
– حماية كرامة الإنسان، أي إنسان، بمعزل عن انتماءاته الجبلية الأولية: الدين، والطائفة، والعرق، واللغة، والجنس، واللون، والعشيرة.
-سيادة الشعب وبناء نظام سياسي تعددي يعبر عن هويته وكل اختياراته، فلا وصاية لاحد على صاحب السيادة.
– التوافق غير الإقصائي في تدبير المرحلة الانتقالية، ومأسسة القرار السياسي، وفصل السلط حتى لا يتغول متغول على الناس.
– بناء قوة الجيش، وفصله نهائيا عن العمل السياسي، وجعله تحت رقابة السلطة المدنية، وأن تنحصر مهمته في الحفاظ على وحدة الدولة ووحدة الأمة.
– اعتبار الكيان روح شر مطلق، وعدو محتل للأرض السورية وأراض عربية أخرى، واعتقاد أن ما يردعه ليس هو استجداء السلام منه بل بناء قوة مستقبلية توازيه، وتحالفات دولية توازي تحالفاته.