منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

طوفان الأقوياء الأمناء(8) سلسلة مقالات مقدسية

بشرى بوطيب

0

طوفان الأقوياء الأمناء(8) سلسلة مقالات مقدسية

بشرى بوطيب

سكبت المقل دماء متحجرة على شلالات الدم الفلسطيني في العدوان الإجرامي الثاني على غزة الإباء. تضرعت القلوب العاجزة في صد العلو المتوحش. صرخت أخرى بالحناجر منددة بعنجهية الاستكبار الصهيوني وعتوه، تنظر أشلاء الشهداء تتطاير في السماء جراء القصف العشوائي على ربوع ركام وخيام غزة.

خرجت جحافل أحرار بعض شعوب المنطقة العربية والإسلامية تحمل الرسائل للمتفرجين من الأنظمة المستبدة، وللمتصهينين العرب والمسلمين، من باعوا الذمم لأجل اللقم. خرجت النساء والرجال والشيوخ   والأطفال يستنكرون كل تخاذل موسوم بإجرام الخيانة، والصمت، والتطبيع. فهل أوقف الصمت والخنوع طوفان الدم الزكي الغزاوي والفلسطيني؟ بل متى يتحرر الحراك الشعبي القابع خلف قضبان الخوف والحياد والاستبداد وموالاة مشروع العلو المجرم؟

1-“قال رجلان” (صرخة الأحرار)

يكفر الإنسان بإنسانيته ويطمسها حين تسفك الدماء البريئة، وتهضم الحقوق أمام مرأى ناظريه. يجلس في مدرجات السكوت عن الظلم، يتابعه من علي، متغولا كوحوش الغاب يسحق صفوف البشرية المستضعفة. ذاك ما يحدث الآن في غزة منذ سنة 2023 وقد أشرفت حرب الإبادة عليها من طرف الاحتلال الغاصب على نهاية السنة الثانية، والدم الفلسطيني يسيل في الأزقة وفوق الركام المادي والبشري مستصرخا أن يا أحرار الإسلام والعالم هبوا ولا تستيئسوا. فما الحرية بالحياد والخذلان ولقلقة اللسان في بخس الرجال رجال المقاومة الصامدين وحدهم من غير سند ولا مدد. ودت دويلات العرب والمسلمين لو ينمحي أثرهم، وسلاحهم، ومقاومتهم.

 إن مشروع الصهيونية يقاتل كل تحرر من عبودية الطاغوت فهم رأس الطاغوت في الأرض. يأبونها لله حتى لا يعبد غيرهم على وجه البسيطة. ويمكرون بكل صوت يكشف إفسادهم في الحرث والنسل. وينكلون بكل أبي حر عرف أن ” من حقه في ربه وخالقه ستنبثق سائر الحقوق. بمعرفته لله رب العالمين وربه يكون حق الآخرين عليه واجبا دينيا يؤديه بإخلاص ووفاء، عبادة يعبد بها ربه لا تعاملا مع القانونية البشرية”[1].

  يتحقق تحرر الإنسان حين يكشف زيف الظلم المغلف بالانقياد الأعمى لصناديده، ويميز الحق من الباطل، ويقتحم ليدافعه في نفسه، وبين الناس، ومع الأمة ضد الاستكبار العالمي. وقف الأحرار في وجه فراعنة الأرض وهاماناتهم منذ بدء الخلق وإرسال الله للرسل، لم يغب وجودهم وقيامهم في كل زمان، فكل الرسالات تدافع الباطل والطاغوت. ومع خاتمة النور النبوي المحمدي صارت واجبا وفرض عين قومة الرجال. يقول الحق سبحانه وتعالى متحدثا عن زمن موسى كليم الله عليه السلام: “قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما”[2]، كان قولهما قيام ونفض للعجز والجبن والركون للدعة، وازعهما الإيمان والإيقان، لذلك استحقا صفة الرجال. قومتهما من بين كثير تراجعوا القهقرى في تلبية نداء الرسالة طاعة لله ولرسوله الكريم. المواجهة للعدو تقتضي الشجاعة، و” الشجاعة في نصر الدين نعمة من الله على صاحبها”[3]. فالله سبحانه جل وعلا ” أنعم عليهما بسلب الخوف من نفوسهم وبمعرفة الحقيقة “[4].

 لم تأت الشجاعة والإقدام والاقتحام من فراغ، بل كل ذلك قرين بالإيمان برب العالمين وبالقضية العادلة، وبأن الباطل زاهق، وأن الله مظهر الحق وأصحابه وناصر كل قوي أمين عليه. هذان الرجلان يتكرران في الأمة: عددا، وعدة، وقوة، وأمانة. هم الضوء الكشاف ” لقيمة الإيمان في ساعة الشدة، وقيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس”[5]، فالخيرية في هذه الأمة يصيبها التعتيم لكن لا تستأصل من الجذور.

يكثر لغط وكلاء والموالون للاستكبار الصهيوني من ذراري المسلمين حول المقاومة الغزية بعد أن باعها بثمن بخس وكلاء الاحتلال من دويلات الطوائف العربية. يرغمون الشعوب على الجثو أمام السادة الصهاينة انقيادا وتطبيعا، وخيانة لجهود رجال الأنفاق في حماية الحاضنة والمسجد الأقصى. يريدون بمكرهم إدخال الوعي الشعوبي في نفقهم المفسد التخريبي، بعد أن كشف طوفان الرجال الغطاء عن حقيقتهم المتوحشة اتجاه الإنسانية والكرامة الآدمي. فعبثا يحاولون بالمكر السياسي والإعلامي الترويج لخرافة تجريد الرجال من قوتهم وسلاحهم بعد هزيمتهم الاستراتيجية المفزعة أمام قوة الأنفاق وأصحابها.

 2-للحرائر كلمتهن

رغم الدمار الوحشي والمحرقة البشرية التي اقترفها الكيان الغاصب ضد شعب غزة، أفاض الطوفان المقدسي الغزي بنورانيته على فطرة أحرار الشعوب العربية والإسلامية وحتى العالمية الغربية، فغلب صيت القضية دخان الإجرام الصهيوني المتعالي في غزة واليمن ولبنان وأطراف سوريا. ذاك ما حاوله مشروع السرطان الجاثم على قضية بيت المقدس منذ ما يزيد عن قرن من الزمن من تهويد للمقدسات وللمقدسيين، وبث الخيانة والتفريق بينهم، فكان لشباب وشواب الأقصى كلمتهم الأولى والأخيرة: العيش أحرارا أو الشهادة في سبيل الله. رافضين كل أشكال المذلة والمساومة. ولأن المستهدف الأول هو محو خريطة المسجد الأقصى في المشروع التلمودي المتطرف، فقد كان ولا يزال للمرابطات المقدسيات من معلمات ومجاهدات الدور الرائد في حماية الأقصى. رباطهن مدافعة للعدوان عليه ضد التهويد، رغم الحصار والاعتقال المتعسف. ناهيك عن الإبعاد الجسدي لشهور عن ملامسة عتبات ومساطب الأرض المقدسة. فالأقصى في قلوبهن قابع متربع لا يتزحزح قيد أنملة.

لا غرو أن حرائر بيت المقدس وغيرهن من الحرائر المقاومات للظلم والطغيان قد متحن من سير الخالدات العظيمات في العصر الذهبي من أمثال نساء حضرن بدر وخاصة الملقبة بالشهيدة في حياتها وبعد استشهادها رضوان الله عليها. إنها ” أم ورقة بنت نوفل الأنصارية التي كانت تستأذن رسول الله في الجهاد والخروج معهم. يروي البيهقي في سننه أن ” رسول الله كان يزورها ويسميها الشهيدة ، وكان حين غزا بدرا قالت: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة، قال: فإن الله تعالى مهد لك شهادة، فكان يسميها الشهيدة. وقال عمر رضي الله عنه لما سمع بخبر مقتلها: “صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: انطلقوا نزور الشهيدة”[6].

 للمرأة الحرة الأبية الدور الطلائعي في القومة ضد الظلم والعلو” اكتملت فيها التربية فهي منها فائضة كالنبع الكريم يجود. اكتمل فيها الوعي وتكامل بين وظيفتها الأمومية، وجهادها الحركي، وإعدادها للتغيير التاريخي الطويل النفس”[7]. هي منهاج التربية المعتمد في المجتمعات فما خرج الرجال وعلت رتبتهن في إنكار المنكر وبناء صرح الإسلام في زمن النبوة إلا من أرحام خيرة النساء تلقوا التربية والتعليم بالحال والمقال، تجسده وقائع الطوفان المجيد وما نراه اليوم في بيت المقدس وفي المرأة الغزية الصامدة أمهات وزوجات رجال الأنفاق وكل الأحرار.

استحوذت قضية الرجال والطوفان على أفئدة شباب وشواب المسلمين، حين تجلت الحقائق للعيان. طاغوت ماكر يحرق قطاعا صغيرا في العالم، دخان إجرامه ينبعث من أجساد الأطفال الغزية والصحفيين ورجال الإسعاف والنساء المحترقة. فلا ريب أن يحرك هذا الهلوكست الصهيوني لأصحاب الأرض مكامن التحرر والصدع بحقوق المستضعفين وفضح إجرام العلو المستكبر.

“ابتهال” صوت المرأة الشابة المغربية الحر نطق حقا وعدلا وصدقا في عقر دار العدو وعرى مخازيه اتجاه القضية الفلسطينية. المهندسة المعلوماتية في مايكروسوفت الأمريكية فطنت لمشروع الصهيونية المتخفي خلف تقنيات الذكاء الاصطناعي والتطور المعلوماتي. خبرت أهدافه في قصف القضية العادلة والفلسطينين. دخلت بابهم، اقتحمته علانية، قامت فقالت وسط جموع الساكتين والداعمين لمشروع الاستكبار كلمتها الخالدة: هذا اللوبي الصهيوني المالك لأحدث تقنيات البرمجة المعلوماتية العالمية يقتل أطفال وشعب فلسطين.

 صوت ينكر المنكر ويأمر بالمعروف في زمن الطوفان المبارك حيث اختار أن يعتلي طوف الخذلان المخزي ذكران أمة العرب والمسلمين. وعلى شاكلة ابتهال أحرار شباب في المغرب واليمن وغيرها ممن صارت القضية الفلسطينية همهم اليومي ضمن جدول معاشهم، ينتفضون منذ بداية الطوفان المجيد في المسيرات بشتى أشكال الإبداع في النصرة والإسناد، يقول أحدهم بكل فخر وشموخ: “أنا لا أدعم فلسطين، أنا كلي فلسطين وفدا فلسطين.

من سنن الله عز وجل زمن الفتن أن ينبعث الحر القوي الأمين من الرجال أو النساء  من بين أدخنة علو الباطل وغطرسة الاستكبار في كل حقبة زمنية.  يتميز في الاختبار، من يخذل الحق بالقول والفعل ويحاربه حرب العدو ولوكان من بني جلدته وعلى ملة الإسلام. ثم من يقاوم الطغيان في كل الجبهات وبما تيسر له من السبل ويلتزم ثغور المدافعة. أما من لزم الخط الرمادي والحياد وتشبت به فقد دخل جحر النافقاء، لا يدري أنه ينافق الحق وأهله.


[1] حوار مع الفضلاء الديموقراطيين. عبد السلام ياسين، ص218

[2] المائدة،23

[3] التحرير والتنوير، ابن عاشور، تفسير سورة المائدة، الموسوعة الشاملة للتفسير.

[4] نفسه

[5] في ظلال القرآن، سيد قطب، تفسير سورة المائدة، الموسوعة الشاملة للتفسير

[6][6] رواه أيضا أبو داود في السنن والطبراني في المعجم الكبير بألفاظ قريبة من رواية أبي داود، رقم591.

[7] تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين،ج2 ص216

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.