مميزات العرض القرآني لأحكام الصيام
د. البشير قصري
يحسن بالمسلم أن يسعى جاهدا للرقي بمستوى تعامله مع كلام ربه سبحانه إلى مستوى التلقي، حيث يعيد القراءة والتلاوة والتدبر بين الفينة والأخرى وحسب الاستطاعة لآيات الأحكام عموما، ومنها آيات الصيام، حتى يتلقى الأمر مباشرة من المعين، لأن الواسطة إن لم تكن ربانية قد تجنح به يُمنة أو يُسرة، وتحرمه من فيض الرحمة، فحتى ولو أُحتيج للسؤال عن فقه ماذا أراد الله، فلا أقل من استماع ما قال. فتجده يستقبل الأمر وحيا إلهيا، يتدفق رحمة ورفقا، دالا على الخير والنفع والمصلحة، وباثا نفحات الجود والفضل، فيقوي لدى التالي للقرآن دافع الانقياد والتعظيم لأمر الملك الديان.
جاءت أحكام الصيام مفصلة في ما يقارب ربع حزب من سورة البقرة، ما منه حرف فضلا عن الكلمة والآية إلا وينادي الإنسانَ المؤمنَ، بل يأخذ بيده، أن أقبلْ أقبلْ، لا تفوِّت الفرصة، عرْض الكريم كله خير، ومصلحة وبركة، فالحرج عنك يُرفع، والمشقة تجلب لك التيسير، والضرر عنك يزال، لتتقدم طليق الجناحين، كريم النفس مشتاقا إلى عطاء ربك الرحمن.
نعم، إن الغاية من هذه الآيات هي أمر المسلمين بصيام شهر رمضان، ولو شاء الله تعالى لبلغنا ذلك، أو أرسل من يبلغنا القرار بدون مقدمات أو تعليلات، فقط جملة واحدة: التخيير بين التنفيذ، أو التهديد والوعيد، ولكن الله تعالى أعلم بطبيعة النفس التي خلق، لا يأمر عباده بالصيام أمرا مجردا، “بل يسوق كل الحقائق التي من شأنها أن تعطف قلوبهم إلى الخير الذي يأمرهم به”[1].
ويجدر بأهل الدعوة والعلم والفقه، سواء من انتدب نفسه، أو انتُدِب للتوقيع عن رب العالمين سبحانه أن يتمثلوا المنهج القرآني، وأن يتحلوا بصفة الربانية حتى يقرنوا بين الدعوة والتبليغ، ويجمعوا بين واجب إقامة الحجة والإعانة على سلوك المحجة، وذلك في جميع الأحكام من صلاة وزكاة وحج وغيرها، وفي الصيام آكد، لأنه عبادة على شكل حرمان للنفس من مألوفاتها فتحتاج إلى مزيد تلطف ومصاحبة، ونأسف لحال كثير ممن ينتسب إلى الدعوة إذ يبغِّضون الله إلى خلقه.. قضاة لا دعاة!! سئل أحد الدعاة[2] الفطنة عن حكم تارك الصلاة، وكان المتوقع أن يجيب بفاسق أو كافر أو عاص[3]، ولكنه فاجأ من حضر بقوله: حكم تارك الصلاة أن يُؤخذ بيده تحبيبا وتعليما وإعانة إلى المسجد. إذن لنتعلم من القرآن، ونقتدي بأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، ومن أناب إلى الله رحمهم الله.
وهذه بعض مميزات العرض الإلهي لأحكام الصيام:
- التنويه قبل التنبيه: يستهل ربنا سبحانه عرضه لأحكام الصيام، بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُ۬لصِّيَامُ﴾، فيخاطبهم بأحب أوصافهم إليهم، فالمخاطَب يستشعر هذه الشهادة وهذا الإكرام، حتى وإن قصرت أعماله عن مرتبة الإيمان فإنه يطمح لتحصيلها، ولسان حاله يقول: ما أقل الصيام ثمنا لهذا الإكرام.
- الاعتبار بتجارب السابقين: ويلاحظ هذا في قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَي اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فيه حفز المؤمنين على خوض التجربة، فالصيام مجرَّب من طرف أناس سابقون، ومجال التنافس مفتوح، نتفادى سقطاتهم، ونستفيد من نجاحاتهم، فإن بدلوا هم وغيروا فأخلَفوا الموعد مع التقوى، فلنشمر نحن امتثالا واجتنابا.
- ربط الغاية النافعة بالوسيلة الناجعة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فلا تظنوا أن مراد الله منكم تعذيب النفوس، وتفويت المصالح، وإنما هي الوسيلة المثلى للغاية العظمى.
- تيسير لا تغرير: تجدها في قوله تعالى: ﴿أَيَّاماٗ مَّعْدُودَٰتٖۖ﴾، شتان بين تيسير الرحمن، وتغرير الشيطان، نقرأ كيف يورط عدو الله أتباعه، حيث يظهر لهم سهولة المهمة حتى إذا توسطوها واشتدت عليهم الأمور تبرأ منهم، وتخلى عنهم[4]. بينما الله عز وجل يصدق عباده، فالصيام حقيقة أيام قليلات، يطيقها حتى الصبيان، وهي تمثل فقط جزءا واحدا من اثني عشر جزءا من أيام السنة، إضافة إلى أنها أيام نزول القرآن، نعم فيها مشقة، ولكنها مشقة قليلة محتملة تجلب تيسيرا روحيا كبيرا، هو نيل التقوى، وكل عسير بالله يهون.
- التكليف على قدر الاستطاعة: وذلك بالموازنة والتنويع بين الرخصة والعزيمة، مراعاة لأحوال الإنسان قوة وضعفا، دفعا للمشقة الزائدة عن العادة، فلنقرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً اَوْ عَلَيٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنَ اَيَّامٍ ا۟خَرَۖ وَعَلَي اَ۬لذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَٰكِينَۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراٗ فَهُوَ خَيْرٞ لَّهُۥۖ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٞ لَّكُمُ﴾[5]، فإذا أردت أن تطاع فأمر بما يُستطاع.
- مؤازرة فرقان الحق لفرقان الصدق: وهما هنا القرآن والصيام، فيحصل بهما اللقاح المفضي إلى قمة الفلاح، تمام الهداية في الدنيا والشفاعة، يَشفعان فيُشفعان، ﴿والتمس ذلك في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ اَ۬لذِےٓ أُنزِلَ فِيهِ اِ۬لْقُرْءَانُ هُديٗ لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ اَ۬لْهُد۪يٰ وَالْفُرْقَانِۖ﴾.
- استحضار المعية الإلهية: يبقى الخط متصلا، والباب مفتوحا، والسند قريبا قويا، ما عليك إلا أن تسأل مباشرة، لم يكلفك الله تعالى فيتخلى عنك لحظة بعد أن استجبتَ له، هو معك يسمع كلامك، ولا تخفى عليه أحوالك، وهذا ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِے عَنِّے فَإِنِّے قَرِيبٌۖ ا۟جِيبُ دَعْوَةَ اَ۬لدَّاعِۦٓ إِذَا دَعَانِۦۖ﴾، ومثل هذا كثير في القرآن الكريم، من ذلك: ﴿وَقَالَ اَ۬للَّهُ إِنِّے مَعَكُمْۖ لَئِنَ اَقَمْتُمُ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ اُ۬لزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِے وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اُ۬للَّهَ قَرْضاً حَسَناٗ﴾ [المائدة: 13]
حسبُ نفسي عزّا أننى عبدٌ ♥♥♥ يحتفى بي بلا مواعيد رب
هو فى قدسه الأعز ولكن ♥♥♥ أنا ألقى متى وأين أحب.
وأقترح عليك أخي الكريم، أختي الكريمة، إعادة قراءة هذه الآيات تلاوة لا حكاية.
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُ۬لصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَي اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماٗ مَّعْدُودَٰتٖۖ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً اَوْ عَلَيٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنَ اَيَّامٍ ا۟خَرَۖ وَعَلَي اَ۬لذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَٰكِينَۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراٗ فَهُوَ خَيْرٞ لَّهُۥۖ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٞ لَّكُمُۥٓ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَۖ شَهْرُ رَمَضَانَ اَ۬لذِےٓ أُنزِلَ فِيهِ اِ۬لْقُرْءَانُ هُديٗ لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ اَ۬لْهُد۪يٰ وَالْفُرْقَانِۖ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ اُ۬لشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضاً اَوْ عَلَيٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنَ اَيَّامٍ ا۟خَرَۖ يُرِيدُ اُ۬للَّهُ بِكُمُ اُ۬لْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ اُ۬لْعُسْرَۖ وَلِتُكْمِلُواْ اُ۬لْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اُ۬للَّهَ عَلَيٰ مَا هَد۪يٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَۖ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِے عَنِّے فَإِنِّے قَرِيبٌۖ ا۟جِيبُ دَعْوَةَ اَ۬لدَّاعِۦٓ إِذَا دَعَانِۦۖ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِے وَلْيُومِنُواْ بِيَ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَۖ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اَ۬لصِّيَامِ اِ۬لرَّفَثُ إِلَيٰ نِسَآئِكُمْۖ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٞ لَّهُنَّۖ عَلِمَ اَ۬للَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْۖ فَالَٰنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّيٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اُ۬لْخَيْطُ اُ۬لَابْيَضُ مِنَ اَ۬لْخَيْطِ اِ۬لَاسْوَدِ مِنَ اَ۬لْفَجْرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ اُ۬لصِّيَامَ إِلَي اَ۬ليْلِۖ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ فِے اِ۬لْمَسَٰجِدِۖ تِلْكَ حُدُودُ اُ۬للَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَاۖ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اُ۬للَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَۖ﴾ [البقرة: 182-186]
[1] – جعفر شيخ إدريس، الإسلام لعصرنا، كتاب المنتدى، الطبعة الأولى، 2002م، ص44
[2] – قيل: هو الإمام محمد الغزالي رحمه الله تعالى.
[3] – العلماء اختلفوا في هذه المسألة بين الأقوال الثلاثة، تبعا لتفصيلات ليس هنا مجال بسطها.
[4] – ظاهرٌ نهجه مفضوحٌ في سورة الحشر والأنفال خاصة.
[5] – تخريجا على أحد وجوه تأويل كلمة يطيقونه، (أي يصومونه بمشقة كبيرة، فيباح لهم الفطر ويفدون).