نموذج تطبيقي: تفسير ءايات الربا (3) معالم التفسير الاقتصادي؛
الدكتور أحمد الإدريسي
نموذج تطبيقي: تفسير ءايات الربا (3) معالم التفسير الاقتصادي؛
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
شدد المولى عز وجل في النهي عن الربا لأن؛ أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في المال بعينه، وإما في منفعة لأحدهما، كالتأخير وغيره.
ومن أخطر مظاهر الربا في واقعنا الاقتصادي والتي يعبَّـر عنها ب “أسعار الفائدة”، أن؛ البنوك تعلن عنها لجذب الوداع المالية، ثم تقوم برفع سعر الفائدة من أجل تقليل السيولة في السوق خوفا من التضخم وارتفاع الأسعار.
وسأحاول تفسير ءايات الربا الثلاثة الآتية تفسيرا فقهيا واقتصاديا بلغة الاقتصاد المعاصر، والله المستعان.
1- الآية الأولى: قوله تعالى: “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة:275).
– المعنى العام:
قال ابن العربي: هذه الآية من أركان الدين[1]. وقال ابن كثير: (لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والآنات شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال: “الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس”، أي؛ لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياما منكرا. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق”[2]. ومن تاب فإن الله يتوب عليه، ومن عاد فله عذاب أشد لأنه علم حكم الله تعالى ثم أصرّ على المعصية.
– التفسير الفقهي:
قال القرطبي: الربا هو الزيادة على رأس المال، والذين يتعاملون بالربا لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون؛ ذلك لأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، في أن كلا منهما حلال، ويؤدي إلى زيادة المال، فأكذبهم الله، وبيَّن أنه أحل البيع وحرَّم الربا؛ لما في البيع والشراء من نفع للأفراد والجماعات، ولما في الربا من استغلال وضياع وهلاك. فمن بلغه نهي الله عن الربا فارتدع، فله ما مضى قبل أن يبلغه التحريم لا إثم عليه فيه، وأمره إلى الله فيما يستقبل من زمانه، فإن استمرَّ على توبته فالله لا يضيع أجر المحسنين، ومن عاد إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة.
ثم قال: (يدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب. والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: تحريم النساء، والتفاضل في العقود وفي المطعومات على ما نبينه. وغالبه ما كانت العرب تفعله، من قولها للغريم: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه. وهذا كله محرم باتفاق الأمة. وأكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه. ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها، آكل الربا فتجوز وتشبيه … وقوله تعالى: “إنما البيع مثل الربا” أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضي وإما أن تربي، أي تزيد في الدين. فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق: “وأحل الله البيع وحرم الربا”، وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة. وهذا الربا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لما قال: (ألا إن كل رباً موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع كله). فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به. وهذا من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس)[3].
2- الآية الثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” (البقرة:278-280).
– المعنى العام:
دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، لأن فيها الوعيد بحرب من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا أصابه غباره). وحكم الله تعالى لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند التوبة، وأمر الدائن أن ينظر ذي العسرة إلى حال الميسرة.
– التفسير الفقهي:
قوله تعالى: “وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم”؛ تأكيد لإبطال ما لم يُقْبَض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه . فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد ، كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع ؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد ، كما أبطل الله تعالى ما لم يقبض؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم يؤثر. هذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول لأصحاب الشافعي. ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف، … وهذا إنما يتمشى على قول من يقول: إن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا، وإنما بطل بالإسلام الطارئ قبل القبض.
وقوله تعالى: “وإن كان ذو عسرة” لما حكم جل وعز لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حال الميسرة، وذلك أن ثقيفا لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغيرة شكوا العسرة – يعني بني المغيرة – وقالوا: ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم، فنزلت هذه الآية “وإن كان ذو عسرة”. فقوله تعالى: “وإن كان ذو عسرة” مع قوله “وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم”؛ يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه. ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالماً، فإن الله تعالى يقول: “فلكم رؤوس أموالكم” فجعل له المطالبة برأس ماله. فإذا كان له حق المطالبة فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه.
3– الآية الثالثة؛ “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.
– المعنى العام:
جاء في تفسير الطبري: “اقال بن وهب: سمعت ابن زيد يقول في قوله: “لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة”، قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف، يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟، فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك؛ إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًا، ثم هكذا إلى فوق، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله: ” لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة”.
– التفسير الفقهي:
قال القرطبي: هذا النهي عن أكل الربا اعتراض بين أثناء قصة أحد. قال ابن عطية: ولا أحفظ في ذلك شيئا مرويا. قلت: قال مجاهد: كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في الثمن على أن يؤخروا، فأنزل الله عز وجل: “يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة”، قلت: وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي، لأنه؛ الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: “فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله” والحرب يؤذن بالقتل، فكأنه يقول: إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم. فأمرهم بترك الربا، لأنه كان معمولا به عندهم، والله أعلم. و”أضعافا” نصب على الحال و”مضاعفة” نعته. وقرئ ” مضعفة”.
ثم قال: (ومعناه: الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين فكان الطالب يقول: أتقضي أم تربي؟ كما تقدم في سورة البقرة، و”مضاعفة” إشارة إلى تكرار التضعيف عاما بعد عام كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حالة التضعيف خاصة. وقوله تعالى: “واتقوا الله” أي؛ في أموال الربا فلا تأكلوها)[4].
4- التفسير الاقتصادي للآيات الثلاثة:
- من المعاني الاقتصادية لمحق الربا وتخبُّـط المربين في الدنيا، والحرب عليهم، نسجل ما يلي:
– يظهر أثر الربا واضحا في التضخم النقدي وبالتالي فإن القوة الشرائية للنقود تنخفض.
– تستمر العملة في فقدان قيمتها.
– زيادة أسعار السلع وحرمان الفئة الضعيفة والمتوسطة من الوصول إليها.
– قد ينتج عن الربا زيادة المعروض النقدي بدون مقابل عيني (سلعة أو خدمة) وهذه الزيادة تدفع بنقطة التوازن نحو الأعلى وترتفع الاسعار مع نفس الكمية المعروضة.
– تُضاعف ثروة الغني المنتج وبالتالي فإن الطبقة المتوسطة تتحول إلى فقيرة.
– يؤدي إلى كساد السلع والخدمات وانعدام الطلب عليها بسبب ارتفاع أسعارها.
وتسعى البنوك على إقراض النقود مقابل سعر فائدة، ومن خلال آلية المضاعفة؛ “أضعافا مضاعفة”، فإن هذه المبالغ المقترضة ستتضاعف في الاقتصاد، مما يزيد عرض النقد في الاقتصاد وبالتالي انخفاض القيمة الشرائية للنقود.
ومن المعاني الاقتصادية لقوله تعالى؛ “أضعافا مضاعفة”: الفائدة المركّبة، إذ يعاني بعض الأفراد وعدد من المؤسسات وبعض الدول من تضاعف حجم القرض الأصلي سنويا بسبب الفوائد المركّبة وغرامات التأخير. وهذا هو السبب الرئيس الذي جعل بعض الدول النامية تعاني من التبعيّة الاقتصادية ومن ثم التبعية السياسية للدول المقرضة.
ولا يمكن التحكم بحجم النقد مع وجود الربا ومضاعفة أسعار الربا، مع أنه أن إصدار النقد هو من مسؤولية الدولة، حيث يقوم البنك المركزي بإصدار النقد وفقاً لحاجة الاقتصاد، وضمن معايير هامة يمكن حفظ الاقتصاد من التضخم؛ “ارتفاع المستوى العام للأسعار”، بما يعرف بأدوات السياسة النقدية. وغالبا ما ينشأ التضخم الذي يتولد من خلال الربا، دون رقابة الدولة لأن المضاعف الذي يعمل على أساسه خلق النقد في البنوك التجارية، هو إضعاف القيمة التي تم إقراضها بشكل فعلي.
لذلك فإن النقود أصبحت تخلق النقود دون أية قيمة مضافة على الاقتصاد، ولكن زيادة عرض النقد، وتراكمه والتي ستعمل على انخفاض في قيمة النقود الشرائية، وهذا ينتج عنه التضخم، لأن المبلغ الذي كان الإنسان يدفعه لشراء سلعة ما، أصبح غير كافيا لشراء نفس السلعة، بسبب انخفاض قيمة النقود.
[1] – يُـنظر: أحكام القرآن لابن العربي. ج:1 / من ص:320 إلى ص:326. ففيه مسائل فقهية تفسر هذه الآيات.
[2] – الحديث رواه ابن أبي حاتم.
[3] – القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. ج:2 / ص: 385-395.
[4] – – القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. ج:2 / ص: 401-404.