فتوى المجلس العلمي الأعلى بشأن زكاة الأجور والراتب الشهري؛ تعقيب ومناقشة
الدكتور أحمد الإدريسي
فتوى المجلس العلمي الأعلى بشأن زكاة الأجور والراتب الشهري؛
تعقيب ومناقشة
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
بعد قراءة متأنية لمضمون الفتوى؛ سجلنا مجموعة من الملاحظات العلمية والتدبيرية، في عدد من القطاعات، وسنورد في هذا المقال ملاحظات وتعقيب على الفتوى الواردة بشأن “زكاة الأجور والراتب الشهري“.
أولا: ملاحظات فقهية -منهجية.
جاء في الفتوى: “خدمات عمال القطاع العام والخاص، أي الأجور، وتؤدى زكاتها إذا بلغ المال المحصّل منها النصاب، بعد خصم النفقة الشهرية الشخصية أو العائلية الدنيا” (الصفحة:10).
يُفهم من الفتوى أن؛ طريقة احتساب الزكاة تقوم على الدخل الفردي وخصم الحد الأدنى للأجر، ثم إخضاع الفضل المُـتبقي لنصاب الفضة واحتساب الزكاة بنسبة ربع العشر.
وما نلاحظه هنا هو أنه؛ لا تجب الزكاة على الراتب الشهري نفسه، ولكنها تجب على ما يُدّخر منه إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول (بالتقويم الهجري). ومن جهة أخرى؛ معيار الفضل في الفقه يُــبنى على تحقق الكفاية الفعلية لا على مبلغ افتراضي. ثم إن الزكاة لا تجب إلا في مال يفيض عن كفاية صاحبه ومن يعولهم بالمعروف، لا فيما إذا كانت كفايته نفسها غير متحققة.
1- خصم الحد الأدنى للأجور:
خصم الحد الأدنى للأجر قبل حساب الزكاة هو تقدير إداري محض، لأنه يعتمد على “نفقة معيشية معيارية”، ولأن الحاجات الأصلية تُقدر بحسب حال المكلف، ويراعى فيها التفاوت بين الناس، ولا تقدر بحسب معيار عام.
2- اعتماد “زكاة الأجرة” عوض “زكاة الادخار”:
اعتمدت الفتوى زكاة الأجرة وليس زكاة الادخار، حيث جعلت الراتب مالا تجب فيه الزكاة بمجرد تجاوزه النصاب، دون النظر إلى ما إذا كان قد ادُخر فعلا أو أنفِق في الحاجات الأصلية أو المباحة.
إلا أن الفقهاء قالوا إن الزكاة لا تجب إلا في المال الفاضل عن الحاجات الأصلية، وهي تختلف باختلاف الأشخاص والمستوى المعيشي، وباختلاف الأعراف والبلدان. وقد اختلفوا في كيفية احتساب المدخرات من الراتب.
وجمهور الفقهاء ومنهم المالكية قرروا أن المال المدخر لا يُزكى إلا إذا مـرّ عليه الحول، وكان ملكا تاما، وبلغ في مجموعه النصاب، وذلك قياسا على عروض التجارة، قال رسول الله ﷺ: “لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْل”[1].
ولذلك فإن المال المكتسب من الأجور لا يُزكى إلا إذا بلغ النصاب وبقي في ملك صاحبه سنة هجرية كاملة، لأن الأجر هو عوض عن عمل، ولا يتحقق فيه معنى النماء إلا إذا تم ادخاره أو استثماره.
3- وجوب الزكاة على الدخل عند قبضه:
هذا الرأي مبني على ما ذهب إليه بعض العلماء وهو؛ “وجوب الزكاة على الدخل فور قبضه”، ومنهم الدكتور يوسف القرضاوي، قال رحمه الله: “لا يشترط لوجوب الزكاة فيه مرور حول، بل يزكيه حين يقبضه”[2]. وذلك بقياس الدخل المنتظم على مال الزرع لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام:141).
وأرى أن علة هذا القياس ضعيفة، لأن الله تعالى جعل الزرع ك”المال النامي بطبيعته”، بخلاف الأجر الذي لا يتحقق فيه النماء إلا بعد الادخار، لذلك لا يصح –في رأيي المتواضع- هذا الإلحاق لوجود الفارق المؤثر.
ثانيا: الفتوى وعدم تحقق بعض شروط وجوب الزكاة.
مما ذكر العلماء في شروط وجوب الزكاة على الراتب الشهري:
– توفير مدخرات: لا تجب الزكاة على ما يُنفقه المسلم شهريا، بل على المال الذي يتوفر لديه في نهاية كل شهر.
– الملك التام:
– بلوغ النصاب: يجب أن تبلغ مدخراته من الراتب النصاب الشرعي.
وفيما يلي بيان لعدم تحقق هذه الشروط في الفتوى، إضافة إلى ملاحظات أخرى:
1- عدم تحقق النصاب:
وهو شرط مجمع عليه، قال ابن حزم: «”واتفقوا على أن من كان عنده أقل من النصاب من كل شيء يزكى فإنه لا زكاة عليه”[3]. والموظف الذي يتقاضى أجرًا شهريًا غالبًا ما ينفقه في ضروراته قبل أن يبلغ النصاب أو يدّخره حولًا كاملًا، فلا يتحقق فيه هذا الشرط.
2- عدم تحقق شرط الحول:
الأجرة ليست مالا ناميا بطبيعتها إلا إذا ادّخرها صاحبها، لأنها تنفق في الغالب في نفقات المعيشة قبل تمام الشهر، فلا يبقى منها ما يُدّخر حتى يحول عليه الحول ويبلغ النصاب، قال ابن عبد البر: «وأما الذهب والورِق –أي الفضة–، فلا تجب الزكاة في شيء منها إلا بعد تمام الحول أيضًا. وعلى هذا جمهور العلماء، والخلاف فيه شذوذ”[4].
3- النفقات متغيرة لا ثابتة:
النفقات تختلف باختلاف الأحوال والمستويات المعيشية، فلا يصح تحديد مقدار النفقة بمقدار ثابت كالأجر الأدنى الرسمي، كاختلاف المعيشة في البادية مع المعيشة في المدينة، وبين الأسر، والأسر التي ما زالت تحافظ على التجمع العائلي، وهكذا…
وهنا تظهر لنا العبرة بتحقق النصاب بعد الحول، لا بتقدير النفقة.
4- عدم وجود الملك التام:
يرى السادة المالكية أن من شروط الملك التام؛ أن يتمكن مالكه من التصرف فيه حسب الاختيار، وألا يتعلق به حق الغير، وأن يكون ريعه أو نماؤه حاصل فعلا[5]. جاء في كتاب المعايير الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية: (يتحقق الملك التام في كل ما لــم يتعلق به حق الغير، ويمكن التصرف فيه حسب الاختيار وريعه أو نماؤه حاصل لمالكه)[6].
5- مخالفة مقصد الشريعة في التيسير:
من المعلوم أن الزكاة شُرعت لتحقيق مقاصد الرحمة والتيسير ورفع المشقة، وإلزام الموظف بزكاة راتبه الشهري، رغم حاجته إليه في النفقة اليومية، فيه مشقة، إذ لا يبقى معه النصاب إلا نادرا في حال الوظائف ذات الراتب المرتفع، وهي نفسها غالبا ما تخضع لنفقة هذا الموظف لأن نفقته تزيد مع زيادة دخله.
ثالثا: الترجيح.
لا تجب الزكاة في الراتب الشهري إلا في المدخر منه بعد الحول إذا بلغ النصاب، وما عدا ذلك فهو تبرع وصدقة. فالراجح من أقوال الفقهاء والمجامع الفقهية أن زكاة الراتب تُقدر على ما يُدخر فعلا.
فإذا بلغ المال المدخر نصابا وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة بنسبة ربع العشر. ويمكن للمكلف أن يحدد موعدا سنويا ثابتا يزكي فيه جميع مدخراته لتيسير الحساب.
أما من أراد أن يتصدق بربع العشر من راتبه شهريا أو سنويا كما في النموذج التوضيحي الوارد في الفتوى، فذلك من باب التطوع وليس من باب الإلزام.
خـلاصــة:
– القول الراجح هو أن؛ المال المدخر يُزكى؛ إذا مـرّ عليه الحول، وبلغ في مجموعه النصاب، وذلك قياسا على عروض التجارة.
– لا تجب الزكاة على الراتب الشهري نفسه، ولكنها تجب على ما يُدّخر منه إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول (عام هجري).
– يمكن للمكلف أن يحدد موعدا سنويا ثابتا يزكي فيه جميع مدخراته لتيسير الحساب.
والله أعلم. والحمد لله رب العالمين.
[1] – الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام أبو داود بسند صحيح.
[2]– الدكتور يوسف القرضاوي؛ فقه الزكاة. ج:1 /ص:437.
[3] – ابن حزم؛ مراتب الإجماع. الصفحة:37.
[4] – ابن عبد البر؛ التمهيد. ج: 12 / ص:526.
[5] – شرح الخرشي على مختصر خليل. ج:2 / ص:179.
[6] – المعايير الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية الصادر عن “هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية”. الصفحة: 883.