منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصيام ورمضان؛ آداب وأحكـام (3) سلسلة مقالات الصيام ورمضان وعبودية الجوارح؛

الدكتور أحمد الإدريسي

0

(3) الصيام ورمضان؛ آداب وأحكـام.

سلسلة مقالات الصيام ورمضان وعبودية الجوارح؛

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى ءاله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

شهر رمضان هو شهر القرآن، شهر الدعاء والرجاء، والتوبة والإنابة، وشهر الاستغفار والعتق من النار، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا جاء شهر رمضان يُنادي منادٍ كل ليلة: يا باغي الخير هلمَّ، ويا باغي الخير هلمّ، ويا باغي الشر أقصر، هل من داع يُستجاب له؟ هل من سائلٍ فيُعطى؟ هل من مستغفرٍ فيُغفر له؟ هل من تائبٍ فيُتاب عليه؟ ولله تبارك وتعالى فيه عتقاء من النار كل ليلة عند الفطر حتى ينسلخ رمضان)[1].

أولا: آداب الصيام.

الصيام عبادة من أفضل القربات، شرعه الله تعالى ليهذب النفس، ويعودها الخير. فينبغي أن يتعفف الصائم من الأعمال التي تخدش صومه، حتى ينتفع بالصيام، وتحصل له التقوى التي ذكرها الله في قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون”.

وليس الصيام مجرد إمساك عن الأكل والشرب، وسائر ما نهى الله عنه. فعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)[2]. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم.. إني صائم)[3].

وبذلك تكون الجوارح كلها في عبادة أثناء الصيام، وخاصة فس شهر رمضان المبارك.

ثانيا: من أحكام الصيام:

1- شروط الصيام: لا بُدّ من توفُّر عددٍ من الشروط في الصيام؛ ليجبَ على المسلم، ويصحَّ منه، وبيان هذه الشروط آتياً:

– شروط الوجوب: وهي الشروط التي يجب بتحقُّقها الصيام على العبد، وهي: الإسلام. البلوغ. العقل. الاستطاعة والقدرة على الصيام.

– شروط الصحّة: وهي الشروط التي لا يصحّ الصيام إلّا بها، وهي:

* النيّة: وهي شرط صحّةٍ للصيام عند جمهور العلماء، وذهب بعض الشافعيّة والمالكيّة بأنّها رُكنٌ لا شرطٌ.

* الطهارة من الحيض والنفاس؛ فلا يصحّ صيام المرأة الحائض، أو النفساء، ويجب عليهما القضاء.

2– فرائض الصيام:

      تعدّدت أقوال الفقهاء في تحديد أركان الصيام، وبيان أقوالهم فيها آتيا:

– القول الأوّل: قال الحنفيّة، والحنابلة بأنّ للصيام رُكناً واحداً؛ وهو الإمساك عن المُفطِرات.

– القول الثاني: قال المالكيّة بأنّ للصيام ركنَين، وهما: النيّة، والإمساك عن المُفطِرات.

– القول الثالث: قال الشافعيّة بأنّ للصيام ثلاثة أركانٍ يلتزمها، وهي: النيّة، والإمساك، والصائم.

3- سُنَن الصيام:

يُستحسَن للمسلم اتِّباع هَدْي النبيّ عليه الصلاة والسلام في الأمور كلّها؛ لِما في ذلك من الأجر والبركة العائدة عليه، وعملاً بقَوْل الله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، وللصيام عدّة سُنَن واردة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يُذكَر منها:

* السَّحُور؛ فقد قال النبيّ عليه الصلاة والسلام: (تَسَحَّرُوا فإنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً)،

وأفضل السَّحُور التمر؛ لِما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه من أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: (نِعم سَحورُ المؤمنِ التَّمرُ). ويُسَنّ تأخير السَّحُور قَدر المُستطاع.

* تعجيل الإفطار، وأن يكون على رُطَبٍ، وإلّا على تَمرٍ، وإلّا فعلى ماءٍ؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُفطِرُ علَى رُطَباتٍ قبلَ أن يصلِّيَ فإن لم تكن رُطَباتٌ فعلى تَمراتٍ فإن لم تَكُن حَسا حَسَواتٍ مِن ماءٍ)،[١٦] وورد عن ابن عمر رضي الله عنهما: (كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أفطرَ قالَ ذَهَبَ الظَّمأُ وابتلَّتِ العُروقُ وثبَتَ الأجرُ إن شاءَ اللهُ).

* الإكثار من الطاعات والأعمال الصالحة، والمُداومة عليها، والحرص على قراءة القرآن، والذِّكْر، وسَدّ حاجات الناس، والمُسارعة في التوبة. الإعراض عن المُشاحَنات؛ عَملاً بوصيّة الرسول عليه الصلاة والسلام: (فإن سابَّك أحدٌ أو جهِل عليك فقل: إني صائمٌ، إني صائمٌ لا تُسابِّ وأنت صائمٌ).

* تفطير الصائمين؛ لِما في ذلك من عظيم الأجر؛ قال النبيّ عليه الصلاة والسلام: (من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجرِه، غير أنه لا ينقُصُ من أجرِ الصائمِ شيءٌ).

4- مُباحات الصيام:

أباح الشرع عدّة أمورٍ في نهار رمضان، ومن ذلك:

* يُباح تأخير الغُسل من الجنابة وتأخيره إلى طلوع الفجر بإجماع العلماء؛ استدلالاً بما أخرجه الإمام البخاريّ في صحيحه عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها أنّها قالت: (كان رَسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهو جُنُبٌ مِن أهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، ويَصُومُ)

ويُقاس على ذلك الحيض، والنفاس. تُباح المضمضة والاستنشاق للصائم، وتُكرَه المبالغة فيهما؛ فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: (وبالغْ في الاستنشاقِ، إلا أن تكونَ صائمًا).

* تُباح مُقدِّمات الجِماع لِمَن يستطيع امتلاك نفسه؛ من تقبيل وملامسة، ولا تجوز لِمَن لا يستطيع امتلاك شهوته؛ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: (كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهو صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهو صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لإِرْبِهِ).

5- مُبطِلات الصيام:

* الإفطار تعمُّداً.

* الجِماع؛ فمَن جَامع في نهار رمضان لا بُدّ له من التوبة، والاستغفار، وقضاء ذلك اليوم، وترتُّب الكفّارة المُغلَّظة عليه أيضاً؛ وذلك بعِتْق رقبةٍ، فإن لم يجد فصيام شهرَين مُتتابعَين، فإن لم يستطع، فإطعام ستّينَ مسكيناً؛ لِما ثبت في صحيح البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال: (بيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: ما لَكَ؟ قَالَ: وقَعْتُ علَى امْرَأَتي وأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا، فَقَالَ: فَهلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا).

* القيء عَمداً.

* الحَيض والنفاس؛ فالحائض والنفساء تُفطران في شهر رمضان، ويترتّب عليهما القضاء؛ لِما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه عن النبيّ عليه الصلاة والسلام: (أليسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ ولَمْ تَصُمْ).

* الاستمناء، ويُراد به: إخراج المَني بشهوةٍ دون جِماعٍ، كإخراجه باليَد، وغير ذلك من الوسائل، ويُشار إلى أنّ هذا الفِعل مُحرَّم؛ لِقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)، ويترتّب على إنزال المَني بُطلان صيام ذلك اليوم، ويجب على من أنزل قضاء اليوم فقط دون ترتُّب الكفّارة.

أما الاحتلام في نهار رمضان لا يُفسِد الاحتلام في نهار رمضان الصيامَ، ولا يُبطله؛ لأنّه خارج عن إرادة الإنسان، ولم يفعله بإرادته، إلّا أنّه يلزمُه الغُسل، والمُسارعة فيه؛ لأداء الصلاة المكتوبة عليه.

ثالثا: آداب المفطرين بعذر شرعي.

يلزم من أفطر بعذر شرعي، رجلا كان أو امرأة، أن يتأدب بآداب الصائمين، وكأنه صائم، إضافة إلى الالتزام ما يلي:

– مراعاة حرمة الشهر الكريم.

– الضرورة تقدر بقدرها، حيث يلتزم بحدود الرخصة أثناء الصيام.

– ليس من آداب شهر الصوم المجاهرة بالفطر في الأماكن العامة لمن له عذر، لأن فعله مدعاة لاستحلال عرضه، وتشجيع الذين لا يعلمون عذره على تعمد الإفطار والمجاهرة بمعصيته، والمسلم داعية إلى الله بفعله وقوله، فلا يليق به أن يكون سببا في الاعتداء على فريضة من فرائض الله، حتى لا يبوء بإثم ذلك.

– المرأة التي لا يعرف من حولها أنها حائض، فإنها لا تأكل أمامهم ولا تشرب؛ لأن هذا يسبب تهمتها بأنها متساهلة بأمر الله، وأنها لا تصوم رمضان.

– صاحب الرخصة لا ينبغي له أن يأكل أمام الناس، وهم لا يعرفون حاله؛ بل الواجب عليه أن يختفي بذلك حتى لا يتهم في دينه.

وعلى من شاهد المجاهر بالفطر، ولو بعذر؛ أن ينصحه بالتي هي أحسن، وأن يبين له أثر فعله على الناس.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – أخرجه الإمام الترمذي، حديث رقم: 682. والإمام ابن ماجه، حديث رقم: 1642.

[2] – رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما.

[3] – رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.