منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأسرة وبناء المجتمع من خلال سيرة أمنا خديجة

إسماعيل هادي

0

الأسرة وبناء المجتمع من خلال سيرة أمنا خديجة

بقلم: إسماعيل هادي

  معاول الهدم تعمل ليل نهار في تخريب الأسرة المسلمة النموذجية بشتى ألوان الفساد والإفساد، والدارس لسيرة أمنا خديجة بنت خويلد يزداد يقينا أن المرأة ليست نصف المجتمع فقط بل هي المجتمع برمته، وقد اصطفى الله عز وجل أمنا خديجة وجعلها رمزا يقتدي بها كل زوج وزوجة ينشدان الصلاح والفلاح، حتى يقطعان الطريق على كل مشكك في قدرة المرأة ومشوه لسمعتها.

الأسرة مؤسسة اجتماعية، وهي أهم خلية يتكون منها المجتمع البشري، والزوجة أساسها في تشكيل شخصيات أفرادها، فهي رحى الإصلاح أو الفساد، لأن الله جعل الصلاح والإصلاح في يدها، إذا صلحت صلح البيت، وإن كان الزوج عربيدا فاسدا؛ كسيدتنا آسية زوج فرعون. وإن فسدت فسد البيت وإن كان الزوج نبيا، كامرأة نوح ولوط .

قال الله عز وجل: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ *وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }[1].

ولنا في السيرة العطرة أكمل وأروع مفهوم للسكن والسكينة والصلاح والإصلاح، من خلال الحياة الزوجية لأمنا خديجة بنت خويلد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نعيش لحظات خاشعة مع هذا الأنموذج الفريد، برؤية منهاجية لنرى كيف بنت السيدة خديجة بيتها، وساسته وصانته.

كانت أمنا خديجة من أشرف بيوت مكة، وأعرقها نسبا وحسبا، وهي ذات مال وجمال وجاه ودين، متخلقة بالأخلاق الحميدة، فطنة حازمة عاقلة، بلغت في الطهر مداه، وبلغت من العفة والنقاء مبلغا رفيعا. حتى لُقبت في زمن الجاهلية بالطاهرة. هذه الخصال الأربع هي التي يرغب في نكاح المرأة لأجلها. ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأصل من الخصال الأربع هو الدين. ولكن أمنا خديجة جمعتها كلها فكملت. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ) [2].

وكانت أفضل نساء زمانها في خلقها وخلقها وشخصيتها العظيمة، وأفضل زيجات الرسول صلى الله عليه وسلم إطلاقا، ولا يوجد لها شبيهة، ولهذا أحبها حبا كثيرا، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها:( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الأيام فأخذتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً، قد أبدلك الله خيراً منها، فغضب ثم قال: “لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنتْ بي إذْ كفرَ الناس، وصدَّقتني إذ كذّبَني الناس، وواستني بمالها إذ حرمنـي الناس، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء ” قالت عائشة: فقلتْ في نفسي: لا أذكرها بعدها بسبّةٍ أبداً).[3]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني رزقت حبها).[4]

قال عنها الإمام الذهبي رحمه الله: «ومناقبها جمة، وهي ممن كمل من النساء، كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة، من أهل الجنة، وكان يثني عليها، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها».[5]

وقال رسول الله الله صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلاّ أربع : مريم بنت عمران، آسية بنت مزاحم، خديجة بنت خويلد، فاطمة بنت محمّد بن عبد الله).[6]

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «خير نساء العالمين أربع: مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد».[7]

فإذا اجتمعت هذه الصفات الكمالية في امرأة، وقلما تجتمع، فاعلم أن البارئ تعالى قد هيأها لمنزلة عظيمة، ومهمة جليلة، اصطفاها لتكون عونا لخير البشرية صلى الله عليه وسلم في حمل رسالة الوحي، وسندا لإبلاغ دعوته، خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم كان في حاجة ماسة لتلك المواساة والمؤازرة والنصرة.

نزل جبريل عليه السلام مفاجئا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي وما صاحبه من عناء ومشقة، فأخذ منه الفزع والفرق كل مأخذ، وانطلق تُرعد فرائصُه، ودخل عليها وهو يقول: زمّلوني زمّلوني! لقد خشيت على نفسي، فضمته إلى صدرها تهدئ من روعه وقالت : «الله يرعانا يا أبا القاسم، أبشر يا ابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».[8]

فانطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان امرؤا قد تنصر في الجاهلية. تستقصيه عن تلك الأحوال.

عن هذه القصة يعلق الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله قائلا: همة امرأة وثباتها وعطاؤها كانت الأساس الخلقي المعنوي الذي رُكِّزَ عليه لواء الإسلام. أمنا خديجة رضي الله عنها حاطت محمدا بعنايتها، وتزوجت، وأنفقت. وهي زوّدته لغار حراء يتبتل وهي أول من آمن به وصدقه وثبته لما جاءها يرجُف من رؤية الملك الذي جاءه بالوحي ».[9]

من هذا الحديث الشريف من سيرته العطرة، نستشف مجموعة من العظات والعبر نستفيد منها لبناء أسرة سعيدة على هدي المنهاج النبوي إن شاء الله تعالى:

1- دخل عليها وهو يقول: زمّلوني زمّلوني! لقد خشيت على نفسي. حيث كان يجد بجوارها وفي حضرتها الأمن والأمان، والقرار والاستقرار، وتتحقق لديه الراحة النفسية.

2- يحكي لها كل شيء ويصرح ويبوح، فهي محط ثقته وبئر أسراره وكشاف أحزانه، تحل مشاكله، وتفك عقده، وتشحن طاقته. وكثير من الرجال من يبث أسراره فتلوكها الشوارع، والعكس أيضا.

3- ضمته إلى صدرها تهدئ من روعه: تحقق أمنا خديجة أهم أعمال المرأة قاطبة بعملية الاحتضان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الحضن يزيد من قوة المناعة النفسية، ويزيل التوتر والضغط النفسي، ويزيد من الشعور بالأمان والراحة والاستقرار، ومن ثم تنقل المشاعر الدافئة والعواطف الجياشة التي تمد المحضون بالحب والرحمة، فتكون كأنها شحنة عاطفية تعطيه الطاقة والانطلاقة، ويطرد الشعور بالخوف والهلع والارتباك، ليكون أكثر استقرارا وتحكما بالذات، واستقبالا لما هو آت، ومتابعة للمشوار. كم هو مهم أن تتعلم الزيجات هذه الأساليب المنهجية لاستقبال الأزواج في حال الانفعال.

4- قالت: «الله يرعانا يا أبا القاسم»: تخاطبه بصيغة الجمع، كأنهما جسد واحد وشعور واحد ومصير واحد وحياة واحدة، لا تعزل نفسها عنه. ما يسعده يسعدها، وما يحزنه يحزنها.

5- لم يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمامه – رموز القبيلة- ولا أصدقاءه ولا خبراء وحكماء زمانه، بل قصد زوجته يخبرها بهمومه ومشكلاته، يأخذ برأيها ويستعين بمشورتها، ولا يعزلها عن حياته. كما هو حال بعضنا، صناديق محكمة الإغلاق.

6- قالت: أبشر يا ابن عم واثبت. استعملت أسلوب التبشير وهو أسلوب عجيب، لأنه فيتامين السعادة، يرفع الهمم ويعيد الثقة لكل مخاطب به على الإطلاق.

7- والأعجب منه أن تقول أثبت: فهي تهيئه لأمر جليل وعمل عظيم ثقيل، يحتاج إلى الثبات والتثبيت.

8- والأعجب من ذلك، أن تقول له: إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. وهذا يعني أن أمنا خديجة لها اطلاع كبير بأمور الدين والنبوة، حيث إن أحداث الجاهلية كانت تؤذن بقرب الرسالة. وهي ترجو أن يكون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الأمة، لما تعلمه من نبل خلقه، وعظيم شأنه، وكثرة معجزاته.

9- أخذت تسرد فضائله حيث قالت: «والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».

* فمن وفقه الله للتخلق بهذه الأخلاق لن يخزيه أبدًا. وما أحوجنا أن نتخلق بها في زمن تكاد تضيع فيه القيم الدينية والا

* ثم تبقي تلك الشهادة الرائعة من زوجة لزوجها؛ شهادة فيها اعتراف وإقرار بشكر العشير. وفيها ذكر للأخلاق النبيلة التي ترقيه لمرتبة النبوة، وتحمل مسؤولية الرسالة.

10- في انطلاقها بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل: وجوب الاستعانة بأهل الدراية وأهل العقيدة.

خلاصة: لو تحققت هذه الأمور فينا، لسعدت بيوتنا.


[1] – سورة التحريم: الآية:10-11.

[2] – رواه البخاري (4802) ومسلم (1466).

[3] – رواه البخاري في: صحيحه، باب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم: (3) 1/ 7.

[4] – رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة.

[5] – سير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، ج 3، ص 408، دار الحديث، القاهرة، 2006.

[6] – الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 129.

[7] – تاريخ بغداد 9/411، سير أعلام النبلاء 2/117.

[8] – رواه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله.

[9] – تنوير المؤمنات عبد السلام ياسين ، ج1 ، ص77 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.